بين الأمن و”الترند”: كيف تتآكل حرية الإعلام في سوريا

“الأخطاء وحدها تحتاج إلى دعم حكومي، أما الحقائق فهي قادرة على الدفاع عن نفسها.”

مقولة منسوبة لرجل الدولة الأمريكي توماس جيفرسون، تفتح باب التساؤل حول مفهوم الحقيقة اليوم، ودور الإعلام في نقل المعلومة وتصويب الخطأ.

في السياق السوري، يكتسب هذا السؤال أبعادًا أكثر تعقيدًا: أين تنتهي سلطة الحكومات، وأين تبدأ حرية الإعلام؟

يشير تقريرٌ حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى تراجع ملحوظ في حرية التعبير عالميًا، رغم بعض التطورات الإيجابية بين عامي 2022 و2025، مثل توسّع منصات التواصل الاجتماعي ونمو الصحافة الاستقصائية والتعاونية. إلا أن هذا التقدم التقني لم ينعكس على بيئة العمل الإعلامي أو على مستوى الحماية الممنوحةللصحفيين/ات.

محرّكات العمل الصحفي: من يقود الآخر؟

يطرح واقع الإعلام اليوم سؤالًا محوريًا: هل يقود الإعلام الرأي العام، أم أن الرأي العام بات يفرض أجندته على الإعلام؟

يرى مدير إذاعة «شام أف أم»، الصحفي سامر يوسف، أن هذا السؤال متشعب بطبيعته، موضحاً أن الدور الأساسي لوسائل الإعلام يتمثل في قيادة الرأي العام، لا الانجرار خلفه. ويضيف أن الحالة السورية تمثل استثناءً واضحاً، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اللاعب الأبرز في التأثير على وسائل الإعلام التقليدية، بما تحمله من إشاعات وأخبار مضللة.

ويشير يوسف إلى أن ضخ الإشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أحياناً بجهود منظمة وأدوات استخباراتية، انعكس بشكل مباشر على أداء وسائل الإعلام، لينتقل هذا التأثير لاحقاً إلى الرأي العام بصورة أوسع. ووفق تعبيره، فقدت وسائل الإعلام في سوريا دورها القيادي منذ سنوات، مع بداية الحرب، نتيجة تراكم طويل من التضييق والتشويه، ولا يزال هذا الواقع قائماً حتى اليوم.

وحول مفهوم حرية الإعلام، يؤكد سامر أنه لا يمكن الحديث عن إعلام حر في سوريا طالما لا يزال أشخاص يُلاحقون بسبب آرائهم/نّ المنشورة على صفحاتهم/نّ الشخصية، وطالما تُزوَّر قضايا كثيرة ولا يُسمح بظهور وجهات نظر مغايرة إلا ضمن إطار التسخيف أو التشويه.

كما يلفت إلى أن وسائل الإعلام العاملة فعلياً داخل سوريا تقتصر على تلك التابعة للحكومة السورية الحالية، في مقابل منح تسهيلات أوسع نسبياً لوسائل الإعلام الغربية، مقارنةً بالتعقيدات الشديدة التي كانت مفروضة في عهد النظام السابق.

من جهتها، ترى الصحفية هديل سالم، من مدينة الدرباسية في شمال شرق سوريا، أن الرأي العام اليوم بات خاضعًا إلى حد كبير لمزاج الشارع، في ظل التوترات الأمنية والصعوبات المعيشية، وتقول إن العمل الصحفي بات، في كثيرٍ من الأحيان، ملاحقة لما يُعرف بـ “الترند”، رغم أن بعض هذه القضايا تكون قريبة فعلاً من هموم الناس اليومية، وهو ما تصفه بـ “الفخ” الذي يقع فيه الصحفي/ة المعاصر/ة.

وتقول إن بعض القضايا المتداولة تعكس فعلاً هموم الناس، لكنها قد تتحول إلى “فخ” يدفع الصحفيين/ات إلى ملاحقة الاهتمام الجماهيري بدلًا من أداء دوره المهني.

ورغم تأكيدها أن حرية الإعلام في سوريا “ضرب من الخيال” إلى حد بعيد، تشير هديل إلى وجود هامش حرية أوسع نسبياً في شمال شرقي البلاد، خاصة في القضايا الخدمية والاجتماعية، شرط الالتزام بما يُعرف بالخطوط الحمراء وعدم الاقتراب من السلطات العليا، مع التأكيد على غياب أية حماية أمنية حقيقية للصحفيين/ات.

ماذا يحتاج الإعلام ليكون حراً؟

يقدّم أسامة، وهو صحفي مستقل من محافظة درعا (اسم مستعار)، توصيفًا لواقع العمل الصحفي، مشيرًا إلى أن الفارق اليوم يتمثل في أن الصحفي/ة قد يُ/تُستدعى إلى فرع أمني ويُفرج عنه/ها لاحقاً، بدلًا من حالات التغييب القسري التي شهدتها مراحل سابقة.

ويرى أسامة أن حرية الإعلام، ليست في سوريا فحسب، بل في مختلف دول العالم، تبقى مرتبطة بشكل أو بآخر بالمصالح الحكومية، مستشهداً بحالات عالمية انتهت بشكل مأساوي، مثل قضية الصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي. ويضيف أن التغييرات التي طرأت على العمل الصحفي شملت وضع عراقيل تحدّ من الإبداع، ما يجعل الالتزام بقضايا الرأي العام أو «الترند» الخيار الأسهل والأكثر أماناً.

“فعندما تتحول القضية إلى قضية رأي عام، يصبح العمل الصحفي أكثر قبولاً، وهو ما توفره منصات التواصل الاجتماعي، رغم ما يحمله ذلك من إساءة لمهنة الصحافة، إلا أنه قد يكون حلاً جزئياً أو فتوى مؤقتة للاستمرار في العمل.” يقول أسامة.

التجربة من الداخل: كلفة الكلام

ليلى اسم مستعار لصحفية عملت سابقاً في الإعلام الحكومي السوري، تتحدث عن تجربتها الشخصية، قائلة إنها نشأت في بلد لم تعرف فيه الصحافة الحرة، وكانت مدركة تماماً لكلفة النقاش العام. وتضيف أنه مع سقوط النظام في سوريا، بدأت ترسم في مخيلتها صورة أكثر تفاؤلاً لمستقبل الإعلام، إلا أن مجازر السويداء، مسقط رأسها، ومناطق أخرى، بددت هذه الآمال.

وتوضح ليلى أن مجرد الخوض في نقاشات ودية حول وقائع حدثت فعلاً، دفعها إلى خسارة عملها، لتجد نفسها أمام خيار الاستقالة والسفر خارج البلاد. وتحاول ليلى أن تبيّن كيف أن الانتقال إلى مجالات أقل حساسية، كالثقافة أو الرياضة، لم يكن كافياً لتجنب الضغوط، خاصة من محيطها العائلي، ما ولّد لديها شعوراً بالعار، كما تصفه هي، وكأنها «تخون مهنتها».

تؤكد ليلى أن قرارها بالانسحاب من الإعلام الرسمي والعمل كصحفية مستقلة جاء تفادياً لمشكلات محتملة، وبحثاً عن مساحة تتيح لها نقل الواقع بشفافية وحياد. وتشدد على الحاجة الماسة لوجود هيئة مستقلة أو منظمة غير حكومية ذات صلاحيات رقابية تحمي الصحفيين/ات، أو على الأقل منحهم/نّ حصانة حقيقية.

وتلفت إلى أن أساليب المراوغة اللغوية، واللعب على الألفاظ، وعرض أجزاء من الحقيقة بشكل مجازي للهروب من الملاحقة أو الاعتقال، لم تعد مجدية في الواقع الإعلامي السوري اليوم.

جديرٌ بالذكر أن تقرير اليونسكو ذاته أشار إلى انخفاض مؤشر حرية التعبير عالمياً بنسبة 10% منذ عام 2012، وارتفاع الرقابة الذاتية بنسبة 63%، إضافة إلى تكثيف سيطرة الحكومات والجماعات النافذة على وسائل الإعلام المختلفة بنسبة 48%. كما سجّل التقرير تراجعاً في الحرية الأكاديمية والفنية بنسبة 37%، وتوقف التقدم في مجال المساواة بين الجنسين، مع استمرار تعرض النساء للتمييز والعنف.

تعكس هذه المؤشرات واقعًا عالميًا معقدًا، تتداخل فيه السياسة مع الإعلام، وتبقى فيه حرية الصحافة سؤالًا مفتوحًا، بلا إجابة حاسمة حتى اليوم.