أمطار استثنائية تكشف هشاشة البنية التحتية في الحسكة

“على الأهالي الابتعاد عن السدود، لا سيما من يقصدونها بغرض الصيد، فالجميع في خطر.” بهذا التحذير يختصر المهندس المدني آلاء حبو حجم المخاطر التي تواجه مناطق شمال شرقي سوريا، ولا سيما محافظة الحسكة، عقب موجة من الأمطار الغزيرة وغير المسبوقة.

خلال الفترة الأخيرة، سجّلت المنطقة معدلات هطول تجاوزت 415 ملم، وهو رقم لم يُسجَّل منذ نحو ثلاثة عقود، وفق ما يوضحه حبو، الذي وصف الموسم المطري الحالي بـ”الاستثنائي”.

ورغم أن هذه الكميات تمثل موردًا مهمًا في منطقة تعاني من شح المياه، فإن غياب الاستعدادات والبنية التحتية القادرة على استيعابها حوّلها إلى خطر يهدد السكان وممتلكاتهم.

فيضانات وأضرار متزايدة

شهدت مناطق عدة، بينها مدينة ديريك/المالكية وأحياء في مدينة الحسكة القريبة من نهر الخابور، فيضانات متكررة تسببت بأضرار مادية واسعة.

وتعود هذه الأضرار إلى تداخل عوامل طبيعية وبشرية، إلا أن ضعف البنية التحتية وسوء إدارة الموارد شكّلا العامل المشترك.

ويشير آلا إلى أن من بين الأسباب المطروحة لزيادة غزارة الأمطار التغيرات المناخية المرتبطة بالنشاطات العسكرية واستخدام الأسلحة الثقيلة، في إشارة إلى التوترات الإقليمية وتأثيراتها البيئية، والتي يرى أنها قد تسهم في اضطراب الأنماط المناخية.

لكن بعيداً عن الأسباب، تبقى النتائج ملموسة على الأرض، حيث تضررت منازل كثيرة، وخسر الأهالي مصادر رزقهم/نّ نتيجة تسرب المياه إلى البيوت والمستودعات.

خسائر مباشرة ومعاناة يومية

تروي مقبولة صبري، وهي من ساكنات مدينة ديريك/المالكية، جانباً من هذه المعاناة قائلة: “الفيضانات دمرت بيوت الناس، ونحن تضررنا بشكل كبير. لدينا مستودع نحتفظ فيه بمحصول الكمون، وقد تلف معظمه بسبب المياه، وخسرنا نحو 10 آلاف دولار أمريكي.”

وتضيف أن المشكلة لم تكن فقط في ارتفاع منسوب المياه، بل أيضاً في انسداد شبكات الصرف الصحي، ما أدى إلى تفاقم الوضع: “لو كانت المجارير مفتوحة ومخدّمة بشكل جيد، لما وصلت المياه إلى هذا الحد، ولما تكبدنا هذه الخسائر.”

ولا تختلف تجربة صباح حاجي كثيراً، إذ تؤكد أن الخوف أصبح جزءاً من حياتهم اليومية، خاصة مع استمرار هطول الأمطار. وتقول:

“في المرة الأولى التي حدث فيها الفيضان، دخلت المياه إلى منزلنا، ولولا تدخل الجيران لما استطعنا النجاة بأقل الخسائر. منذ ذلك الحين، لم نعد ننام أثناء المطر، خوفاً من تكرار الكارثة.”

مخاوف تتجاوز الحاضر

لم تقتصر تداعيات الفيضانات على السكان/الساكنات المقيمين/ات حالياً في هذه المناطق، بل امتدت لتشمل المهجرين/ات الذين/اللواتي يخشون على منازلهم/نّ التي تركوها خلفهم/نّ.

عبير، وهي مهندسة مدنية من مدينة سري كانيه/رأس العين، تقيم حالياً في الحسكة، تعيش هذا القلق بشكل يومي.

تقول: “أعلم جيداً حجم الأضرار التي يمكن أن تسببها مياه الأمطار للمنازل، من تآكل الأساسات إلى انهيار الجدران وانتشار الرطوبة والعفن. منزلنا في سري كانيه كان يتم صيانته بشكل دوري، لكن هذا العام وصلتنا صور تظهره غارقاً بالمياه بسبب الإهمال.”

وتشير إلى أن غياب الخدمات والصيانة الدورية لشبكات الصرف الصحي أدى إلى تفاقم الأضرار، مضيفة: “لا يوجد من يتابع أو يحمي هذه المنازل، ما يجعلها عرضة للتلف الكامل.”

بنية تحتية متهالكة

في تفسيره للأزمة، يؤكد آلا حبو أن المشكلة الأساسية تكمن في تهالك البنية التحتية، التي أصبحت في معظمها خارج الخدمة، باستثناء أجزاء محدودة.

ويضيف أن غياب أعمال الصيانة والتجديد لشبكات الصرف الصحي، إضافةً إلى تأثيرات الوضع الأمني، بما في ذلك حفر الأنفاق، ساهمت جميعها في إضعاف قدرة المدن على تصريف مياه الأمطار.

هذا الواقع جعل من أي هطول مطري كثيف تهديداً مباشراً، بدلاً من أن يكون فرصة لتعزيز المخزون المائي.

ورغم حجم التحديات، يطرح المختصون/ات مجموعة من الحلول التي يمكن أن تخفف من آثار الفيضانات في المستقبل. ويشدد آلا على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، أبرزها:

تنظيف مجاري الأنهار بشكل دوري

فتح الطرق والممرات لتسهيل تصريف المياه.

بالإضافة إلى صيانة شبكات الصرف الصحي وتوسيعها، والاستعداد لموجات مطرية جديدة متوقعة خلال الفترة المقبلة.

كما يشير إلى أنه كان من الممكن استثمار هذه الكميات الكبيرة من الأمطار كمخزون مائي استراتيجي، عبر ملء السدود وبناء خزانات مائية، خاصة أن المنطقة لم تشهد مثل هذه الهطولات منذ عقود.

الحصاد المائي كخيار استراتيجي

يؤكد مقالٌ في موقع EcoMENA (وهو منصة إلكترونية مهتمة بالبيئة والاستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) أن جمع مياه الأمطار، أو ما يعرف بـ “الحصاد المائي”، يمكن أن يكون حلاً فعالاً في مناطق تعاني من شح المياه، مثل الشرق الأوسط.

ويعتمد هذا الأسلوب على تجميع مياه الأمطار من أسطح المباني أو الأراضي، وتخزينها لاستخدامها لاحقاً في الزراعة أو الاستخدامات المنزلية.

وفي الأرياف، يُستخدم هذا النظام بشكل تقليدي، حيث يتم توجيه المياه عبر المزاريب إلى خزانات خاصة. ويمكن تطوير هذه الأنظمة لتشمل المدن أيضاً، عبر تصميم شبكات متكاملة لجمع المياه وتخزينها.

وفقًا لدليل ESCWA (الإسكوا – الأمم المتحدة)، فإن أنظمة حصاد مياه الأمطار تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية:

المستجمع (مثل الأسطح أو الأراضي)

نظام الجريان (المزاريب والقنوات)

المستهدف (مكان التخزين أو الاستخدام)

ويمكن أن تخدم هذه الأنظمة قطاعات متعددة، من الزراعة إلى الاستخدامات المنزلية وحتى مياه الشرب، في حال تمت معالجتها وتنقيتها.

ختامًا، تكشف الأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة عن مفارقة واضحة: فهي من جهة تمثل مورداً طبيعياً مهماً، ومن جهة أخرى تتحول إلى خطر حقيقي في ظل غياب البنية التحتية المناسبة.

وبينما يواجه الأهالي اليوم تداعيات الفيضانات وخسائرها، يبقى الأمل معقوداً على اتخاذ خطوات جدية لتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير البنية التحتية، بما يحوّل هذه التحديات إلى فرص مستدامة تخدم المجتمع على المدى الطويل.