لم يعد السكن في سوريا مسألة اختيار أو استثمار، بل تحوّل إلى همّ يومي يثقل كاهل السوريين/ات. بين أسعار تتبدل بلا ضوابط، وإيجارات ترتفع بوتيرة أسرع من الدخل، يقف كثيرون/ات أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تأمين منزل في سوق لا يعترف بمعايير ثابتة؟ في هذا المشهد المتقلب، تتداخل فرص الربح مع مخاوف الركود، ليبقى سوق العقارات واحداً من أكثر القطاعات غموضاً وتأثيراً في حياة الناس.
بعيداً عن منطق الاستثمار، تبرز أزمة السكن كأحد أكثر التحديات إلحاحاً، إذ لم يعد امتلاك منزل هدفاً قريب المنال بالنسبة لكثيرين/ات. ماهر إبراهيم، من سكان حي ركن الدين في دمشق، يوضح أن رغبته هي الإقامة بالقرب من منزل عائلته، لكن معايير اختيار المنزل تغيّرت بشكلٍ جذري، إذ لم يعد السعر مرتبطاً بخصائص العقار، بل بات يُحدد غالباً وفق حاجة المالك وربطه بالدولار، ما دفع كثيرين/ات للتوجه نحو مناطق عشوائية أو مخالفات رغم ارتفاع أسعارها.
ولا تقتصر الأزمة على الشراء، بل تمتد إلى سوق الإيجارات التي تشهد بدورها تقلبات حادة. ألاء أدهم، المقيمة في ضاحية قدسيا بريف دمشق، تشير إلى أن إيجار منزلها ارتفع إلى الضعف خلال عام واحد، ليصل إلى مليوني ليرة سورية شهرياً.
ورغم أن الدفع يتم شهرياً دون سلفة، إلا أن مالك المنزل يطالب بزيادات دورية مرتبطة بسعر صرف الدولار، رغم أن العقد مُبرَم بالليرة السورية، ما يضع المستأجرين/ات أمام خيارات محدودة، غالباً ما تنتهي بالقبول بالأمر الواقع.
في مدينة قامشلي، تتخذ الأزمة بعداً أكثر هشاشة، حيث تصل الإيجارات إلى نحو 100 دولار شهرياً بعقود قصيرة الأمد، دون ارتباط واضح بمواصفات العقار. هديل، وهي سيدة تقطن في حي شعبي، تقول إنها تضطر لتغيير منزلها كل ستة أشهر بسبب الزيادات المتكررة، ما يرهقها مادياً ونفسياً نتيجة تكاليف النقل واستهلاك الأثاث. وتوضح أن الدفع المسبق بات شرطاً شبه ثابت، ما يزيد العبء على الأسر.
سوق مضطرب: بين فرص الاستثمار وغياب التنظيم
هذه التحولات يعزوها عاملون/ات في قطاع العقارات إلى تغيّر طبيعة السوق نفسه. علاء زركي، صاحب مكتب عقاري في دمشق، يوضح أن أسعار مواد البناء انخفضت بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، في حين ارتفعت الإيجارات بنسبة تصل إلى 50%.
ويرى أن العقار لم يعد وسيلة استثمار بقدر ما أصبح مصدراً للدخل المعيشي، ما يدفع المالكين/ات إلى رفع الإيجارات بما يتناسب مع تكاليف الحياة. كما يشير إلى دخول فاعلين/ات جدد إلى السوق، يحددون الأسعار بشكل عشوائي ويبرمون عقوداً خارج الأطر القانونية، ما يضعف حماية حقوق الطرفين.
ويؤكد علاء أن السوق بحاجة ماسة إلى إطار قانوني ينظمه ويحقق توازناً بين العرض والطلب، خاصة في ظل عجز شريحة واسعة من السكان عن تحمل تكاليف السكن. إلا أن هذا التحدي لا يتجلى بشكل موحد في جميع المناطق، بل يتخذ أشكالاً مختلفة تبعاً للظروف المحلية.
تروي أم وتين، من حي المصارف في مدينة قامشلي، تجربتها، إذ تنقلت بين أكثر من 12 منزلاً بسبب العقود قصيرة الأمد وارتفاع الإيجارات مع كل تجديد. وتشير إلى أن مالكي/ات العقارات يشترطون دفع إيجار سنة كاملة مقدماً، إضافة إلى عمولة المكتب، دون الأخذ بعين الاعتبار أي تحسينات تقوم بها الأسرة داخل المنزل، مثل الصيانة أو تجهيزات المياه والكهرباء.
ويُرجع أصحاب مكاتب عقارية في المنطقة هذه الارتفاعات إلى زيادة الطلب الناتجة عن موجات النزوح الأخيرة. شلال إبراهيم حسن، صاحب مكتب عقاري في قامشلي، يوضح أن قدوم مهجرين/ات من مناطق عدة، مثل عفرين وسري كانيه ودير الزور واللاذقية، أدى إلى ضغط كبير على السوق، تزامن مع تحول الدفع من الليرة السورية إلى الدولار. كما يشير إلى تراجع حركة البيع والشراء بسبب صعوبات تسجيل العقارات في ظل غياب المؤسسات الرسمية المختصة.
من جانبه، يرى الخبير الاستراتيجي في سوق العقارات، الدكتور المهندس أنس طعمة، أن السوق شهد بعض المؤشرات الإيجابية، مثل تحسن مستوى الأمان في عدد من المناطق وانخفاض الأسعار الرائجة بنسبة تصل إلى 30%. إلا أنه يؤكد في المقابل استمرار التحديات المرتبطة بغياب القوانين الناظمة وضعف دور النقابات المهنية، ما يحد من استقرار السوق.
ويضيف أنس أن المستثمرين/ات في هذا القطاع ينقسمون إلى فئتين: الأولى تمتلك الخبرة ورأس المال وقادرة على تحقيق تنمية مستدامة، والثانية تملك المال لكنها تفتقر للخبرة، ما يجعلها عاملاً سلبياً في السوق. هذا الرأي يتقاطع مع توجهات جديدة ظهرت مؤخراً، حيث يرى بعض العاملين، مثل وليم محمد، أن الاستثمار العقاري يمكن أن يكون فرصة رابحة حتى دون امتلاك رأس مال كبير، من خلال الوساطة والتسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دون الحاجة إلى تراخيص رسمية.
ورغم تراجع أسعار مواد البناء والرسوم الجمركية، لا تزال أسعار العقارات في سوريا مرتفعة مقارنة بدول الجوار. ويُرجع أنس ذلك إلى ربط الأسعار بالدولار من جهة، وارتفاع نسب التحوّط التي يعتمدها المالك، والتي قد تصل إلى 50%، تحسباً لأي تقلبات مستقبلية.
في المحصّلة، يبدو سوق العقارات في سوريا محكوماً بمعادلة معقدة تجمع بين الفرص والتحديات، حيث يتطلب تحقيق التوازن فيه وجود تشريعات حديثة ومرنة، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية، إلى جانب تحسين الخدمات الأساسية المرتبطة بالعقار. فارتفاع سعر المتر الواحد إلى آلاف الدولارات، في ظل غياب بنى تحتية مستقرة كالكهرباء، يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الاستثمار واستدامته في هذا القطاع.
