بين أنقاض الحرب… كيف يبتكر السوريون/ات سبلاً جديدة للعيش؟

بين سراب نهاية الحرب وواقع يومي قاسٍ، يحاول السوريون/ات ترميم حياتهم/نّ الاقتصادية بوسائل بديلة، فرضتها سنوات النزاع وتداعياته العميقة على سوق العمل.

“لم يكن الجلوس على ركام المنزل المتهدم كافياً لتأمين عشاء الأطفال،” بهذه الكلمات يختصر عزيز الحموي، النازح من حي تشرين الدمشقي، مشهداً متكرراً في مناطق سورية عدة. بعد سنواتٍ من تحوّل الحي إلى مدينة أشباح، عاد السكان ليقيموا “بسطات” صغيرة فوق الأنقاض، ليتحوّل المكان إلى سوق شعبي يعج بأصوات الباعة.

هذه الأنشطة، التي تعتمد على بيع مأكولات بسيطة أو سلع محدودة، لا تمثل تجارة بالمعنى التقليدي، بقدر ما هي محاولة يومية لتأمين قوت اليوم. ويصبح التميّز في المنتج شرطاً للبقاء، في سوق مكتظ بمن يشاركون الهدف ذاته: تأمين عشاء اليوم التالي.

ولا يقتصر هذا المشهد على حي تشرين. في بلدة قدسيا بريف دمشق، تعتمد ربا (اسم مستعار) على صناعة الحلويات منزلياً، لتؤمّن الحد الأدنى من احتياجات أسرتها. يقضي طفلاها ساعات بعد المدرسة في بيع ما أعدّته والدتهما قرب الحي، في نشاط يخالف القوانين لكنه ينسجم مع ضرورات البقاء.

تقول ربا إن ما تحصّله الأسرة بالكاد يكفي لشراء الخبز وبعض الاحتياجات اليومية، بينما يبقى مصير رب الأسرة مجهولاً، لتتحول الأم إلى المعيل الوحيد.

اقتصاد هش ومؤشرات ناقصة

تعكس هذه القصص واقعاً اقتصادياً مضطرباً، في ظل غياب بيانات دقيقة ومحدثة. ووفق آخر مسح ميداني للمكتب المركزي للإحصاء لعام 2022، بلغ حجم قوة العمل نحو 5.9 ملايين شخص، أي ما يقارب 26% من إجمالي السكان.

إلا أن نسبة البطالة وصلت إلى 24% من إجمالي قوة العمل، مع تسجيل معدلات أعلى بين النساء، اللواتي شكّلن 53% من إجمالي العاطلين/ات.

كما تشير المقارنات بين الأعوام 2014 و2025 إلى تراجع ملحوظ في نسب العمالة في عدد من المحافظات، خاصة في حلب التي تكبّدت خسائر كبيرة في فرص العمل نتيجة الأضرار الواسعة في البنية التحتية. في المقابل، تراجعت فرص العمل في القطاع الزراعي لصالح أنشطة في قطاعات الخدمات والتجارة، غالباً ضمن اقتصاد غير منظم.

يرى الخبير في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ماهر رزق أن سوق العمل في سوريا يشهد تحولات جذرية، أبرزها اتساع القطاع غير المنظم الذي يستوعب النسبة الأكبر من العاملين.

ويشير ماهر إلى أن الاقتصاد خلال سنوات الحرب اعتمد بشكل كبير على الحوالات المالية والتجارة غير الرسمية، وهي موارد تراجعت دون أن تُستبدل ببدائل مستدامة، ما أدى إلى فجوة متزايدة في معدلات البطالة.

ويضيف أن غياب سياسة اقتصادية واضحة، إلى جانب الانتقال غير المنظم من الاقتصاد الموجّه إلى اقتصاد السوق، فاقم من التحديات، في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية قادرة على دعم العاملين/ات والعاطلين/ات عن العمل.

تحولات المهن وأثرها النفسي والاجتماعي

مع تراجع فرص العمل التقليدية، برزت مهن جديدة فرضتها الحاجة. من بينها إصلاح أدوات التدفئة البديلة، التي عادت إلى الواجهة مع ارتفاع تكاليف الطاقة. أحمد شدود، الذي كان يعمل فنياً قبل فصله، اتجه إلى تطوير وصيانة هذه الأدوات، في محاولة لتأمين مصدر دخل.

ويشير إلى أن العمل اليوم لم يعد مرتبطاً بتحقيق الربح، بل يقتصر على تأمين الحد الأدنى من المعيشة، فيما يفضّل كثيرون العمل لدى الغير لتجنب تكاليف التشغيل.

هذا التحول في سوق العمل ترافق مع تغيّرات عميقة في البنية الاجتماعية، أبرزها تآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل عنصرًا أساسيًا في التوازن الاجتماعي. وتؤكد الأخصائية النفسية رنا الحاج عيسى أن فقدان الاستقرار المهني ينعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية، إذ يزيد من مستويات القلق والتوتر، وقد يقود إلى الاكتئاب أو الانسحاب الاجتماعي.

كما تشير إلى أن تغيير المهنة، رغم أنه قد يفتح آفاقاً جديدة، إلا أنه غالباً ما يرتبط بعدم الاستقرار المالي، وغياب القدرة على الادخار، ما يعزز الشعور بعدم الأمان لدى الأفراد.

في مدينة قامشلي، يروي جمعة، وهو عامل توصيل طلبات، كيف انتقل من العمل في مطعم إلى مشروع عائلي صغير يعتمد على التوصيل، حيث بدأ مع إخوته بالعمل في إيصال الطلبات إلى المنازل، يعمل الإخوة لساعات طويلة تمتد من الصباح حتى منتصف الليل، مع يوم عطلة واحد أسبوعياً، يوزعونه فيما بينهم حتى لا يتوقف العمل، في محاولة لتأمين دخل يومي يكفي لإعالة أسرهم .

واقع موحّد بتفاصيل مختلفة

رغم اختلاف الجغرافيا، تتشابه التحديات. في ديريك/المالكية، بشمال شرقي سوريا، فقدت سارة (اسم مستعار)، وهي أرملة وأم لطفل، مصدر دخلها كعاملة نظافة، بعد أن كانت تعتمد سابقاً على المساعدات. اليوم، تعيش على مدخرات محدودة، وسط مخاوف من نفاذها قبل العثور على فرصة عمل جديدة.

تعكس هذه النماذج واقعاً اقتصادياً غير مستقر، حيث لم تعد الوظائف التقليدية متاحة، ولا البدائل كافية لضمان حياة كريمة. وبين محاولات فردية لإعادة بناء سبل العيش، وغياب سياسات اقتصادية واضحة، يبقى السوريون/ات عالقين/ات في معادلة يومية قوامها: العمل من أجل البقاء، لا أكثر.