في وقتٍ تتزايد فيه حكايات التحرش، من رسائل ذات طابع جنسي تصل إلى الهواتف، إلى اعتداءاتٍ جسدية تحدث خلف أبواب مغلقة، لا يزال القانون السوري يتعامل مع هذه الانتهاكات بنصوص تعود إلى عام 1949، وبعقوباتٍ لا تعكس حجم الأذى الواقع على الضحايا.
وبين واقع يتسع فيه نطاق التحرش، سواء كان في أماكن العمل أو عبر الفضاء الرقمي، ومنظومة قانونية تفتقر إلى نص صريح يجرّمه، يجد الضحايا أنفسهم/نّ في مواجهة مزدوجة: مع المعتدي/ة من جهة، ومع غياب الحماية القانونية الكافية من جهة أخرى.
يروي خالد (اسم مستعار لشاب عشريني)، تجربةً قاسية بدأت بمضايقاتٍ لفظية وانتهت باعتداءٍ جنسي من قبل مديره في العمل، خارج سوريا.
يقول خالد إنه التحق بالعمل في مركزٍ للتجميل في إحدى الدول العربية، حيث كان السكن مشتركاً بين العاملين، قبل أن يكتشف لاحقاً أن وجوده في المنزل ذاته مع المدير لم يكن مصادفة.
“كنت أخشى البقاء وحدي في المنزل، خاصةً في أيام العطلة. لم يكن يمر يوم دون محاولة ملامسة أو تقبيل، إضافةً إلى عباراتٍ مبطنة كان يكررها حتى أثناء العمل،” يقول خالد، ويضيف أن بعض زملائه كانوا يضحكون، بينما بدا على آخرين الارتياح، وكأنهم تخلصوا من دور “الضحية”.
انتهت الحادثة باعتداء مباشر، رغم مقاومته التي تخللها تكسير لأثاث المنزل، قبل أن يستيقظ في المستشفى ليجد نفسه أمام مطالبات بالصمت مقابل “معالجة الأمر” وترحيله.
بعد عام ونصف من الحادثة، لا يزال خالد يخضع للعلاج النفسي والجسدي، بينما بقيت في ذاكرته تساؤلات والدته للطبيبة: “هل سيصبح خالد متحرشاً؟.”
الصمت والوصمة… عوامل تغذي التحرش
ترى المختصة بالصحة النفسية، الطبيبة لميس شدود، أن العديد من حالات التحرش ترتبط بتجارب سابقة، قد تعود إلى الطفولة، إضافةً إلى عوامل اجتماعية مثل الكبت والشعور بالعار.
وتوضح لميس أن الخوف من “الفضيحة” يدفع كثيرين/ات إلى الصمت بدل طلب المساعدة، في حين يميل الفكر المجتمعي أحياناً إلى تبرير سلوك المتحرش/ة، لاسيّما عندما تكون الضحية امرأة، من خلال ربط الحادثة بمظهرها أو سلوكها.
وتؤكد لميس أن الاعتقاد بأن “الاحتشام يحمي من التحرش” هو من المفاهيم الخاطئة الشائعة، إذ إن الظاهرة لا ترتبط باللباس بقدر ما ترتبط بسلوك المعتدي/ة.
“التحرش الإلكتروني… تهديد يتجاوز الحظر”
لم تسلم زينة ناصيف (20 عاماً)، المهتمة بمجال الأزياء وصناعة المحتوى، من هذا النوع من الانتهاكات، فقد اضطرت إلى إغلاق حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي بعد تعرضها لتهديدات متكررة.
تقول زينة إنّ شخصاً بدأ بإرسال صور إباحية لها، مرفقة بطلبات لممارسة الجنس عبر الإنترنت، ومع تجاهلها له، تصاعدت التهديدات لتشمل تهديدها بنشر محتوى مسيء بحقها.
“ظننت في البداية أن الأمر عابر، خاصة مع العدد الكبير من المتابعين/ات، لكن الوضع خرج عن السيطرة عندما بدأ بالتهديد بنشر فيديوهات مخلّة،” تقول زينة.
وتضيف أن تقديم شكوى لمكافحة الجرائم الإلكترونية لم يسفر عن نتيجة، بسبب أن الحساب المُستخدَم كان خارج البلاد، وانتهى الأمر بقرار عائلي يقضي بإغلاق حساباتها ومنعها من النشر.
وترى لميس من جهتها أن التحرش عبر الإنترنت قد يكون أسهل من حيث الحظر وتجنب المحتوى المسيء، إلا أن خطورته تزداد لدى الأطفال والمراهقين/ات، ما يستدعي دوراً أكبر من الأهل في الحماية والتوعية.
قانون قديم .. وعقوبات محدودة
على المستوى القانوني، لا يوجد نص صريح يجرّم التحرش في سوريا، بل يتم التعامل معه ضمن مواد في قانون العقوبات الصادر عام 1949، دون تعديلات تُذكر على هذا الصعيد، بحسب الحقوقي يائل أحمد.
ويوضّح يائل أن المواد 505 و506 و507 تنص على معاقبة التحرش الجسدي بالسجن لمدة قد تصل إلى سنة ونصف، بينما تقتصر عقوبة التحرش اللفظي على غرامة مالية أو الحبس لمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام، أو كلتيهما.
وفي سياقٍ متصل، صدر مؤخراً قرار عن الحكومة الانتقالية السورية ينص على معاقبة المتحرشين/ات بحلق الشعر والجلد، دون الإشارة إلى إطار قانوني واضح ينظم هذه الإجراءات.
ويرى يائل أن هذه العقوبات “غير كافية، ولا تتناسب مع حجم الجريمة،” مشيراً إلى أن غياب تشريع واضح يفتح الباب أمام ضعف المساءلة.
في ظل محدودية النصوص القانونية، يبقى الإبلاغ عن حالات التحرش خطوة أساسية لمواجهة الظاهرة، رغم التحديات الاجتماعية المرتبطة بها، غير أن ضعف القوانين والخوف من الوصمة يتركان الضحايا في مواجهة مفتوحة مع انتهاكات قد تبدأ بكلمات وتنتهي بآثار نفسية وجسدية طويلة الأمد.
