الوصم الاجتماعي الذي يُعاقب الأبرياء

“لم أفعل شيئاً، لكن حياتي كلها كانت عقاباً،” بهذه الكلمات يختصر محمد (اسم مستعار لشاب ثلاثيني من ريف حماه)، حكايةً امتدت لسنوات، بدأت بجريمةٍ لم يكن طرفاً فيها، لكنها لاحقته كوصمٍ لا يزول.

قُتلت والدة محمد بداعي “الشرف” وهو لا يزال طفلاً، لم يدرك حينها ما حدث، لكنّ الحقيقة وصلت إليه لاحقاً، حين كان في الثانية عشرة من عمره، وذلك عبر حديثٍ عابر داخل العائلة.

يقول محمد: “أخبروني أنّ عمتي شاهدت رجلاً غريباً يخرج من بيتنا، فجمع أبي أفراد العائلة والقرية … وتمت الجريمة.”

منذ تلك اللحظة، لم تعد القصة مجرد جريمة ضمن إطار عائلي، بل تحولت إلى عبء ثقيل، لازمه هو وشقيقه، في مجتمعٍ يربط شرف العائلة بالنساء، ويرتكب الجرائم بحقهن على هذا الأساس، كما لا يفصل بين الفرد وخلفيته العائلية.

وصمُ لا يورّث ولا يُنسى 

لم يكن ما عاشه محمد حالة فردية، بل يعكس نمطاً متكرراً في المجتمعات التقليدية، حيث يُربط “شرف العائلة” بجميع أفرادها، وفي هذا الصدد، يرى الصحفي جانو شاكر أن العائلة تحتل مكانة متقدمة في هذه المجتمعات، بينما لا تحظى الاستقلالية الفردية بالتقدير الكافي، ما يجعل الجميع يتحمل تبعات سلوك الفرد الواحد.

هذا الربط لا يتوقف عند الضحية، بل يمتد ليطال الأبناء والبنات، الذين/اللواتي يدفعون الثمن اجتماعياً ونفسياً، وتجلّى ذلك بوضوح حين تقدّم شقيق محمد لخطبة فتاة أحبّها، فكان الرفض بسبب “سمعة العائلة والأم”؛ تجربة دفعت محمد نفسه للتخلي عن فكرة الزواج.

“لم يعد الخوف من الرفض فقط، بل من أن تذكّرني أو تعايرني زوجتي يوماً بما حدث.” يقول محمد.

في طفولته، لم يكن مطلوباً من محمد سوى العمل في الأرض حاله حال باقي أطفال القرية، لكنه حمل في داخله صدمةً لم يُتح له فهمها أو التعامل معها.

توضّح الاختصاصية النفسية مها وليكا أن الأطفال الذين/اللواتي يتعرضون لسماع أحداث صادمة قد يعانون من صدمةٍ نفسية ثانوية، تظهر على شكل خوف، شعور بالذنب، وعزلة، محذّرةً من أنّ إهمال هذه المشاعر قد يؤدي على المدى الطويل إلى اضطرابات نفسية عميقة، تستمر لسنوات.

من العزلة إلى الانحدار، ومجتمع يعيد إنتاج الوصم

مع مرور الوقت، دفع الوصم إلى انعزال محمد عن محيطه المجتمعي والعائلي، يقول: كنت أعيش مع عائلتي في نفس المنزل، لكنني كنت منعزلاً في غرفتي، وكأنني أعيش وحدي، لاحقاً ازدادت هذه العزلة، بعد وفاة شقيقي، وغادرت منزل العائلة لأعيش وحيداً.”

لم تكن عزلة محمد حيادية، بل قادته لطريق سيء، فقد بدأ بتعاطي المواد المخدّرة، لكنه الآن متعافٍ منها تماماً، وتشير مها وليكا أن الوصم وحده ليس سبباً للسلوكيات المؤذية، لكنه يشكّل عامل ضغط نفسي واجتماعي، قد يزيد من احتمالية اتخاذ قرارات تضر بالفرد.

وبحسب جانو شاكر، فإنّ العادات والتقاليد تلعب دوراً رئيسياً في تكريس الوصم، حيث تفرض قوالب جاهزة للحكم على الأفراد، ويضيف:

“الحروب والصراعات تعيد إحياء هذه البنى التقليدية، مع تراجع دور القانون، وازدياد الاعتماد على الأعراف المجتمعية،” مشيراً إلى أن بعض وسائل الإعلام تلعب أيضاً دوراً في تكريس الصور النمطية بدلاً من تفكيكها.

كيف يمكن كسر حلقة الوصم الاجتماعي؟ 

في ظل ما سبق عن تأثير الوصم الاجتماعي بحق الأفراد، فإن مواجهة هذا الوصم لا تبدو أمراً سهلاً، لكنه ممكن، حيث تؤكّد مها وليكا أن التعافي يبدأ من توفير بيئة آمنة وداعمة، تعزز الشعور بالانتماء والتقبّل، وتقليل فرص العزلة، بالإضافة إلى تأمين فرص العمل، خاصةّ في ظل الرفض المجتمعي لمن يلحق بهم/نّ أي شكل من أشكال الوصم.

كما تشدد على أهمية توفير الدعم النفسي المتخصص، الذي يخفف من الشعور بالذنب، خاصةً في الحالات التي قد يصل تأثير الوصم عليها إلى الإصابة بالاكتئاب أو حتى التفكير بالانتحار، حيث يتعافى الفرد في بيئات لا تطلق أحكام مسبقة ولا تفرضها.

أما جانو شاكر فيرى أن الحل يتطلب إصلاحات قانونية، وتفعيل الدور المسؤول للإعلام والمجتمع المدني وذلك عبر تنفيذ برامج متكاملة لتسخيرها في مناهضة الوصم الاجتماعي، إلى جانب تطوير المناهج التعليمية، وإشراك قادة الرأي والشخصيات الدينية في رفع الوعي المجتمعي.

يعيش محمد اليوم في عزلة اختارها بنفسه، في مكانٍ بعيد، يعمل في جمع الأعشاب وبيعها لتأمين قوت يومه، في الوقت الذي لا يزال فيه يحمل ثقل وتبعات جريمة قتل والدته، جريمة أنهت حياة امرأة، لكنها لم تتوقف عندها، بل امتدت لتكلّل حياة كاملة من الألم، لأشخاصٍ لم يرتكبوا أيّ ذنب.