لا يبدأ عبء التصلب اللويحي عند ظهور الأعراض، ولا ينتهي بالحصول على التشخيص، بالنسبة للكثير من المرضى في سوريا، تبدأ معركة أخرى مع تكاليف العلاج وصعوبة الوصول إليه، في ظل تفاوت توفر الأدوية وتركّز الخدمات في مناطق محددة.
“لم تكن الرحلة من مدينة ديريك/ المالكية إلى دمشق رحلة ترفيهية أو بدافع الاستكشاف، فقد كانت رحلة علاج يرافقها الألم والقلق من تكاليف التنقل والعلاج معاً،” بهذه الكلمات تختصر سيماف (شابة عازبة) تجربتها مع مرض التصلب اللويحي، إذ تضطر إلى السفر كل ستة أشهر لتلقي العلاج، بعدما أصبحت أسعار الأدوية المتوفرة في منطقتها باهظة إلى حد قد يصل إلى 3000 دولار (ما يقارب 42 مليون ليرة سورية) للجرعة الواحدة.
تقول سيماف إن اللجوء إلى “الإبر الهندية” عبر لجنة التصلب اللويحي في دمشق خفّضَ الكلفة إلى نحو 4 ملايين ليرة سورية (حوالي 300 دولار) للجرعة، لكنها تبقى مضطرة للاعتماد بين الجرعات على المسكنات والفيتامينات الضرورية، وسط تقلباتٍ مستمرة في أسعار الأدوية بين شهر وآخر وحتى بين صيدلية وأخرى.
وتوضح الصيدلانية بتول الحافي أن تكلفة العلاج تختلف بحسب سعر الصرف أو وفق تسعيرة وزارة الصحة لبعض الأصناف، ولاسيّما أدوية الأمراض المزمنة ومنها أدوية التصلب اللويحي، مشيرةً إلى أن هذه الأدوية مرتفعة الثمن عالمياً.
وأضافت أن بعض الأنواع الهندية أقل تكلفة، إلا أن فعاليتها في السيطرة على الأعراض وتخفيف شدة الهجمات تكون أقل مقارنة بأنواع أخرى، لافتةً إلى أن الجرعات كانت تؤمَّن سابقاً عبر المستشفيات الحكومية، في حين تقتصر الأدوية المستخدمة أثناء الهجمات الحادة غالباً على الكورتيزونات بهدف الحد من آثار النوبة.
المرض والزواج.. أثر يتجاوز الجانب الصحي
نادين خضر (39 عاماً) من اللاذقية تقول إن التصلب اللويحي تسببَ لها بشلل نصفي، وإنها تخلّت عن فكرة الزواج بناءً على نصيحة طبيبها المختص لتقليل احتمالات تفاقم الحالة وتكرار الهجمات.
تضيف: “أعاني من ضعف النظر في العين اليمنى، وثقل في اللسان، وصعوبة كبيرة في المشي. أما الحديث عن تكاليف العلاج فهو مرهق بحد ذاته،” وتشير إلى أن معظم المرضى من خارج دمشق يطالبون بإيجاد مراكز لتوزيع الجرعات داخل المحافظات، وتسهيل تسليم العلاج عبر لجان طبية محلية.
من جهته، يوضح طبيب الأمراض العصبية محمد مصطفى العتر أن التصلب اللويحي مرض مناعي مزمن يصيب الجهاز العصبي المركزي، وتختلف أعراضه من شخص إلى آخر، كما يمكن أن تتغير شدتها ومدتها لدى الشخص نفسه مع مرور الوقت.
ويبين أن الأعراض قد تشمل اضطرابات بصرية، وتغيرات حسية، وضعفاً عضلياً، ومشكلات في التوازن، والإرهاق، واضطرابات في المثانة. وتظهر هذه الأعراض غالباً على شكل نوبات أو هجمات متكررة تتفاوت شدتها مع مرور الوقت لدى كثير من المرضى.
ويشير الطبيب المختص إلى أن المرض يؤثر على الغلاف المحيط بالخلايا العصبية، ما ينعكس على انتقال السيالات العصبية، بما في ذلك تلك المرتبطة بالأعضاء التناسلية لدى الرجال والنساء، الأمر الذي قد يؤثر على النشاط الجنسي.
وأضاف أن المرض يكون أكثر شدة لدى بعض الرجال، بينما تُقدَّم أحياناً نصائح تتعلق بتأجيل الزواج أو الحمل لبعض النساء بهدف الحد من تطور الحالة وتجنب المضاعفات المرتبطة بالحركة، وفق تقييم الحالة الطبية لكل مريضة.
“أنجبت طفلين.. لكن الثمن كان صحتي”
هنادي داوود، المصابة بالتصلب اللويحي منذ أن كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، استخدمت القلم والورقة لتروي تجربتها بعد أن تسبب المرض بفقدانها القدرة على الكلام وحدوث شلل كامل.
تقول هنادي إن وضعها لم يكن سيئاً في بداية الزواج، وقد أخبرت زوجها – وهو ابن عمها – بحالتها الصحية. إلا أن التعب كان يزداد لديها، وكانت الهجمات تقترب مع موعد الدورة الشهرية.
وتضيف أنها أنجبت طفلين أثبتت الفحوصات سلامتهما، لكن حالتها الصحية تدهورت لاحقاً إلى حد الإصابة بالشلل العام وملازمة الفراش والانقطاع عن الكلام، لينتهي الأمر بانفصال زوجها عنها، بينما يزورها أطفالها خلال العطلة الصيفية فقط.
في المقابل، تختلف قصة ربيع (اسم مستعار)، الذي قرر إخفاء إصابته حتى عن زوجته. يقول إنه ربما كان مصاباً قبل الزواج لكن الأعراض كانت خفيفة، وانشغل حينها بالعمل وتجهيز منزل الزوجية.
ويتابع: “بعد الزواج بدأت ألاحظ تراجعاً في الرغبة الجنسية، واعتقدت أن السبب هو التعب فقط، إلى أن قررت إجراء الفحوص”. وأظهرت صور الرنين المغناطيسي وجود بؤر في النخاع الشوكي والدماغ، ويؤكد أنه يتلقى العلاج بانتظام ولم يتعرض حتى الآن لهجمات عصبية كتلك التي يسمع عنها من مرضى آخرين/أخريات.
هل يوجد عمر محدد للإصابة؟
بحسب الطبيب محمد، تبدأ هجمات التصلب اللويحي غالباً بين عمر 15 و60 عاماً، إلا أن النسبة الأكبر تسجل بين فئة الشباب من 20 إلى 40 عاماً، مع إمكانية ظهوره في مراحل عمرية مختلفة، من الطفولة وحتى الشيخوخة، رغم أنه أقل شيوعاً لدى الأطفال.
ويشير إلى أن المرض يظهر عادةً بشكل مفاجئ وعلى هيئة هجمات متكررة تختلف شدتها من مرة إلى أخرى، وقد تتراوح أعراضها بين الخفيفة والحالات الشديدة التي قد تؤدي إلى إعاقة كاملة.
وتُعرف الفترات التي تتفاقم فيها الأعراض باسم “النكسة”، بينما تسمى الفترات التي تهدأ فيها الأعراض أو تختفي بـ”فترة هدوء المرض”، وقد تمتد عدة أشهر أو حتى سنة في بعض الحالات.
ويؤكد أن التصلب اللويحي لا يؤدي إلى الوفاة بشكل مباشر، لكنه قد يسبب مضاعفات مثل الشلل أو فقدان البصر المؤقت، وقد تصبح هذه المضاعفات دائمة لدى بعض المرضى.
من الأكثر عرضة للإصابة؟
يقول الطبيب المختص إن النساء أكثر عرضة للإصابة بالتصلب اللويحي بمعدل يتراوح بين مرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بالرجال، ويرتبط ذلك بعوامل هرمونية مثل الإستروجين والبروجستيرون.
كما يلفت إلى أن التاريخ العائلي يرفع احتمالات الإصابة، إضافة إلى احتمال ارتباط بعض أنواع العدوى بزيادة الخطر، فضلاً عن وجود علاقة بين انخفاض مستويات فيتامين “د” وقلة التعرض لأشعة الشمس وارتفاع احتمالية الإصابة، ورغم ذلك، يؤكد أن السبب المباشر للمرض ما يزال غير معروف حتى الآن.
وفي ظل صعوبة الوصول إلى جهات رسمية معنية بالملف، استند التقرير إلى آخر تصريح منشور عام 2024 لرئيس الرابطة السورية للعلوم العصبية الدكتور أنس جوهر، الذي أشار إلى ارتفاع عدد الحالات المكتشفة خلال السنوات الأخيرة نتيجة زيادة الوعي بالمرض وتطور وسائل التشخيص.
وبحسب التصريح، بلغ عدد المرضى المسجلين/ات ضمن البرنامج الوطني لمعالجة مرضى التصلب اللويحي في سوريا 4620 مريضاً/ة منذ إطلاق البرنامج عام 2002، حيث تُقدَّم العلاجات الوقائية والعلاجات المعدِّلة لمسار المرض مجاناً عبر وزارة الصحة.
وراء كل رقم وإحصائية عن مرضى التصلب اللويحي في سوريا، توجد حياة يومية تُعاد صياغتها وفق مواعيد الجرعات وتكاليف العلاج والمسافات الطويلة للوصول إليه.
وبين من يواصل العلاج رغم المشقة، ومن يغيّر خططه الشخصية أو يؤجل قرارات تتعلق بحياته، يبقى مطلب المرضى الأبرز هو الوصول إلى علاج أكثر استقراراً وعدالة.
