فكر الإنسان وانعكاسه في بناء علاقاته

منذ أن خُلقت البشرية وهي تبحث عن ونيسٍ لها، وضمن ترتيبٍ إلهي تزامنت مع وجود الإنسان العلاقات بين البشر، وأصبحت المعمورة تكبر يوماً بعد يوم، وتضخمت معها شبكة العلاقات بين الأفراد والعائلات وبيئات العمل، حتى وصلت إلى مستوى الدول والأمم. ومع هذا الاتساع تضخمت الآمال، وتسللت إليها الخيبات أيضاً.

والعنصر الأهم في هذه المعادلة هو العلاقة بين الإنسان وفكره، ذلك الفكر الذي تُبنى على أساسه علاقاته مع محيطه، ويقودها نحو النجاح أو الهاوية. فالعقل البشري، رغم قوته وقدرته على تحقيق أعظم الإنجازات، قد تدمره علاقة فاشلة وتحطم نفسيته، كما قد تجعله علاقة ناجحة يزهر ويتألق أكثر.

ويدخل في بناء فكر الإنسان عدة عوامل؛ بعضها يولد معه، وبعضها يكتسبه من بيئته وأخلاقه وسلوكياته ونمط الحياة الذي يترعرع ضمنه. وتأتي العائلة في المرتبة الأكثر أهمية، فهي التي قد تمنحه الأمان منذ أول يوم يلمح فيه النور، وتغرس فيه بذور الثقة الأولى بنفسه وبالعالم من حوله.

كثيرة هي العوامل التي تتداخل لبناء فكر الإنسان الذي سيقود حياته منذ خروجه الأول إلى المجتمع واحتكاكه بالآخرين، بعد أن يكون قد اكتسب أساسيات التعامل في بيئته الأولى، أي عائلته. فقد ينشأ على الأمان والثقة والحب، وقد ينشأ على الخوف والخجل والشك، وكل ذلك ينعكس لاحقاً على طريقة بنائه لعلاقاته.

يتصارع الإنسان مع فكره على الدوام، ويبدأ بخطوته الأولى مع البيئة المحيطة التي تبدأ بالأصدقاء. ولا شك أن جودة العلاقات الإنسانية أهم من عددها، فالشعور بوجود شخص تثق به قد يكون أكثر قيمة من عشرات العلاقات السطحية. فجميع العوامل التي تسهم في صقل فكر الإنسان ستنعكس يوماً ما على دوره في المجتمع، سواء قاد أسرة صغيرة أو تحمل مسؤوليات أكبر.

والعلاقات تكمل بعضها بعضاً تماماً كلعبة البازل، لتعطي الشكل النهائي لمجتمع ما. وأي خلل أو فراغ في مكان ما سيؤثر سلباً، كما أن أي إضافة إيجابية ستجعل المجتمع أكثر متانة.

وهنا يقع الدور الأكبر على عاتق العائلة، التي تبدأ بزرع أولى بذور الأمان والثقة في شخصية الطفل، فتمنحه كياناً متزناً، وتؤدبه وتهذبه في الوقت المناسب، وتجعله أكثر قدرة على الانخراط في مجتمعه المحيط. فالعائلة قد تكون القدوة ومصدر التشجيع والدعم، وقد تكون أحياناً مصدر إحباط يدفع الإنسان إلى صراع بين قدراته وما يواجهه من واقع.

وكلما ازداد الوعي داخل الأسرة، ازدادت قدرتها على استيعاب أبنائها وفق قدراتهم الفردية وعدم الانتقاص من قيمتهم. غير أن الفجوة بين الأجيال واختلاف وجهات النظر كثيراً ما تخلق سوء تفاهم داخل العائلات، وليس السبب دائماً أن أحد الأطراف لا يفهم الآخر، بل لأن بوصلة الحوار تضيع في كثير من الأحيان.

كل ذلك يساهم في بناء قناعات داخل الفرد حول نفسه وحول الآخرين. وقد يحدث أن يحظى بعض الأشخاص بعلاقات أسرية صحية تشكل قاعدة متينة لعلاقات سوية لاحقاً، بينما يفتقد آخرون هذا الأساس فيبحثون عنه في أماكن أخرى.

ومن هنا تبرز أهمية شبكة الأصدقاء، التي تعد من أكثر البيئات تأثيراً في شخصية الإنسان. وحينما ننظر إلى محيطنا نجد كثيرين يتحدثون بلسان الضحية، وبأنهم تعرضوا للخذلان أو منحوا ثقتهم لمن لا يستحقها، لكن عالم الصداقة أكثر تعقيداً مما يبدو. فهو عالم تقرّب فيه الأرواح رغم المسافات، وتخفف فيه الهموم، وتُمنح فيه النصائح التي قد تسهل أصعب القرارات.

والأوفر حظاً فينا هو من يكون محاطاً بأصدقاء أوفياء، لكن الحفاظ على هذه الصداقات يحتاج إلى جهد. فكما أن الكره يحتاج إلى جهد، فإن الحب يحتاج إلى جهد مضاعف. والعلاقات طويلة المدى أصبحت نادرة في زمن السرعة، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطاً بقدرة الإنسان على اختيار أصدقائه والحفاظ عليهم، مع إدراك أن أي علاقة لا بد أن تمر بعقبات وخلافات وأوقات صعبة.

والمرء لا يرتقي بفكره في انتقاء علاقاته إلا بعد تجارب شخصية كثيرة تنضج معه يوماً بعد يوم. فمع كل عام يمر يتعلم دروساً جديدة من نجاحاته وخيباته، وقد يخسر أشخاصاً ويكسب آخرين، لكنه يدرك تدريجياً أن جودة العلاقات أهم من عددها.

فمن أول موقف خذلان يتعلم أن الثقة لا تُعطى للجميع، ومن أول انكسار عاطفي يدرك أن ليست كل العلاقات تدوم إلى الأبد، ومن مواقف الوفاء والدعم يتعلم معنى المساندة الحقيقية. كما أن الموروث الثقافي والمعرفة يساهمان بشكل كبير في فتح مداركه ومنحه فكراً أكثر انفتاحاً، مما ينعكس إيجاباً على طريقة بنائه لعلاقاته.

وفي وقتنا الراهن، ترتبط كثير من معاناة الإنسان بمدى ثقته بدوام العلاقات التي يبني عليها جزءاً من أحلامه وأهدافه. إلا أن بناء مجتمع أفضل يبدأ من إدراك كل فرد لمسؤوليته تجاه من حوله. فحين نمنح الطفل الأمان والاحتواء، نساهم في بناء إنسان سوي قادر على إقامة علاقات صحية مع محيطه. وحين نمارس القسوة أو الإهانة بحق من ينظر إلينا كقدوة، فإننا نترك أثراً قد يرافقه لسنوات طويلة.

وفي الختام، يجب ألا نغفل عن أهمية العلاقات في حياتنا، فكل واحد منا يتأثر بعلاقاته الشخصية والعائلية وعلاقات العمل. والناجي هو من يستطيع الحفاظ على التوازن في هذه العلاقات، ويجعلها تزهر وتنمو، ويملك في الوقت نفسه القدرة على التخلص من شوائب العلاقات السامة، لأن بناء الإنسان يبدأ من بناء علاقاته، وبناء المجتمع يبدأ من بناء الإنسان.