حين هممتُ صباحاً بكتابة هذا المقال، حضرتني بقوة مقولة للروائي الكُردي حليم يوسف، يقول فيها: (بلاد سقطت من عربة التاريخ فعضتها الجغرافيا من أذنيها)، ومع أنني لا أتذكر السياق الذي وردت فيه، إلا أنّني أحسستُ بقوة الارتطام والسقوط حين ردّدتُ العبارة في خاطري.
أفكّر في البلاد، وفي اليوميّ من حياتنا، تلك التي تتسم باللهاث وراء أشياء هجينة ما بين الحاجة الملحّة للاستمرار وبعض أوجه الكماليات الهشّة، وبين ما قرأناه ونقرأه من نقدٍ ينالُ من الحياة الاستهلاكية، كإحدى تجلّيات الرأسمالية الحديثة، أو كونها سمة للدول المتحضّرة في الغرب، والتي يُمكن رؤيتها أكثر في تنظيرات وأدبيات بعض اليساريين المنتقدين للفكر الغربي وبخاصة في نموذجها الأمريكي.
في بداية صعود “حركة المجتمع الديمقراطي” عقب تطوّرات الحِراك السوري والتوجّه نحو العسكرة والتسليح، ومع تسلّم الحركة مقاليد السُلطة، وهي الحركة ذات التوّجه اليساري، انتعشت النقاشات في بعض مستوياتها حول نقد الغرب وفكرة الاستهلاك وتعامله مع ملف البيئة وتسليع الأشياء والمفاهيم، وهي الأفكار التي راقت – خاصة في البدايات – مثقفين وكتّاباً ذوي تكوينات ثقافية يسارية في مرحلة عمرية ما من حيواتهم، لكنّ واقع الحال، وحين تخفُت الأصوات لصالح الحياة اليومية والتطبيقات الفعلية، تأتي الكارثة.
الكماليات كهويّة
إن الحديث عن الحياة الاستهلاكية حسب فهمي البسيط لها، هي النظام الذي يستدعي نزيفاً يومياً ومستمرًّا للوقت والجهد والأعمار في سبيل تأمين مستوى معيشة، يرنو نحو توفير الكماليات، كالسعي نحو تجديد الأشياء ونمط الطعام والشراب والحفلات ومظاهر الحياة، التي غذّتها وسائل التواصل الاجتماعي وزادت من الشراهة نحوها، لكنّها تمثّل اليوم هويةً أو وجهًا للحياة في الغرب، ويدخل اللاجؤون إلى تلك الحياة برويّة، فتسحب مسنّنات الدول الصناعية (المتقدّمة) هؤلاء من ثيابهم، وتُدخلهم في الـ “سيستم” وهي مسنّنات باتجاه واحد، تطحن الكثير من العادات وطرق التعامل مع الحياة، حتى يخرج من صُلبهم أبناء وبنات يتخفّفون حقبة إثر أخرى من الإرث الذي أخذوه من بلادهم.
وهذا السعي واللهاث صوب تلك الكماليات، يمنحان نوعًا من الهدنة في صراع الهوية بين هؤلاء اللاجئين وذلك النمط من الحياة، فيتم تجميع النقاط، بحيث تعتبر النقاط الأعلى هي الأكثر قربًا من تلك المفاهيم والتي ربما يتم اختصارها بمفهوم (الاندماج) مع تلك الدول.
ولا أدعي أنّني أعرف تمامًا ما الذي يعنيه الأمر بالنسبة للغرب نفسه، لكن أعتقد أنّ هناك نوعاً من التعايش مع الفكرة كجزء طبيعي من حياة اعتادوها بشكل روتيني حتى أنّها صارت هوية يوميّة (سواء أكانت مصطنعة، أم لا).
“الاستهلاك القسري” وتلطيف “الانهيار”
إن كان الحديث في مستوى ما هو عن الحياة الاستهلاكية وأنماطها – مختلفة الطبقات – التي أسّستها وأثرت فيها أنماط الاتصال الحديثة، وهذا الحديث في سوريا كبلاد أو الجزيرة كفضاء مكاني أكثر تخصيصاً يقودنا إلى الفكرة الأكثر إيلاماً وإمعانا في المذلّة والمهانة، حيث إنّ اللهاث اليوم هو جري خلف أساسيات الحياة اليومية المتسارعة، لدرجة لا تستطيع معها ممارسة أنماط الحياة الاجتماعية التي اعتدناها سابقا، بما كان يتناسب مع مجتمع زراعي متوجّه نحو التمدّن بخطوات بطيئة، حياة سريعة لكنّها تلهث وراء الخبز اليوميّ، وتأمين بضع ساعات من الكهرباء.
للأسف، فإنّ أحد أوجه المأساة تتمثّل في كون هذه الحياة، حياة استهلاكية قسرياً، أي أنّها من حيث الاستنزاف شبيهةٌ بمثيلاتها في الغرب، لكن على مستوى النتيجة لا تقدّم كماليات، بل حدًّا أدنى من مستوى العيش، فضلًا عن الحديث عن الرفاهية التي تكون مشوّهة ولا تؤثّر حتى في تكوين هوية ممايزة، إلا عبر مثال مؤلم وهو “الاستهلاك القسري”.
حتى أولئك الذين يمتلكون أموالاً لا يستطيعون التنعّم بها والعيش برفاهية كما يحلو لهم، بسبب البنية الهشّة لقطاع الخدمات وانعدام الرفاهية بمفهومها الغربي، الذي يتم تقديمه بطرق ومستويات متعدّدة في وسائل التواصل الاجتماعي.
تحملُ البنية التحتية الهشّة (في تلطيف بديل عن وصف الانهيار) في مختلف القطاعات الخدمية والحياتية الإنسان هنا إلى تحمّل أعباء تفوق طاقته، وتستنزفه على المستوى النفسي والاجتماعي. لكن هل هذا كلّ شيء؟!
نقمة النفط
إنّ النزيف الأصعب والذي يتجاوز النفسي الاجتماعي يتمثّل في الصحة والبيئة العامة التي يعيشها الناس، فأحد الأوبئة التي مُنينا بها، هو وجود النفط في جغرافيتنا، فأينما تلتفتُ تجد (رأس الحصان) وهو مهيئ لاستخراج النفط الذي منح مناطقنا المعدلات الأعلى من السرطانات على مستوى سوريا، قبل أن تتوقّف هذه الرؤوس عن العمل، ويبدأ العمل على استخراج النفط بكميات أقلّ وبوسائط بدائية، جعلت من الانبعاثات والعوادم التي تخلّفها موتًا بطيئًا للإنسان، وحين دخل المازوت إلى خط أكثر الخدمات طلبًا وهي الكهرباء، صارت المأساة واقعًا يوميًا، فلأجل الحصول على هذه الخدمة، خفتت الأصوات ومعها التعبيرات عن التخوّف من تأثيرها على الصحة وانتشار أمراض فتّاكة كالسرطان، فضلًا عن تشويه الهواء والحياة والضجيج والتشوّه البصري.
لكن ما علاقة هذا بالاستهلاك القسري الذي نتحدّث عنه؟! في الواقع إنّ الحديث اليوم يقودنا أو يصطدم يوميًا بهذه المعاناة، وتحديدا في استخدامها كبديل للكهرباء، فاليوم ندفع ضريبة بدائلنا السيئة، ومع الأزمة الأخيرة التي عصفت بالمنطقة من ارتفاع أسعار المحروقات لأضعاف مضاعفة يتجدّد الحديث عن اللهاث خلف العمل وزيادة الأشغال في سبيل تأمين خدمات هي أساسية في الحياة كالكهرباء وغيرها.
أكتب الآن وأنا أنظر إلى الأثر الذي تركته الحرب على منازلنا التي سلمت من القصف، فلا أرى سوى قاطع الكهرباء مع التغيّرات التي جلبها في بنية المنازل والشوارع، ومعه منظومة متكاملة نُساهم في تغوّلها بإنتاج هواء فاسد واستنزافٍ لجيوب ومداخيل الناس الشحيحة.
وفي الحديث عن هذه المأساة، فإنّ أي حلول قريبة أو بعيدة ربما يُساهم في تخفيف تلوث الهواء الذي نتنفسه، لكنّه غير قادر على إخراج السرطان الذي استبدّ بأجسادنا، ولا هو قادر على التخفيف من الاستهلاك القسري الذي يتمثّل في ممارسات مختلفة من الصعب أن تزول مسبباتها إلى إشعار آخر.
