“ليست ابنتي فقط، إنما أنا أيضاً في انتظار انتهاء العام الدراسي لنحصل على بعض الراحة،” بهذه الكلمات تصف سهام، من مدينة المالكية/ديريك، واقعاً تعليمياً ترى أنه حوّل المدارس إلى أماكن لإجراء الاختبارات أكثر من كونها فضاءات للتعلم والمعرفة، في ظل غياب الوسائل التعليمية والأنشطة المعرفية والترفيهية.
وتعتقد سهام أن النظام التعليمي يعتمد بشكل أساسي على إلقاء الدروس، دون توفير وسائل ملموسة تساعد الطلبة على فهم المواد بشكل أفضل، وتقول: “تفتقر أغلب المدارس، ومنها المدرسة التي تقصدها ابنتي، إلى مواد تسهّل العملية التعليمية مثل المجسمات. حتى الحصص الترفيهية التي تعزز ارتباط الطالب بالمدرسة تكاد تخلو من أية لعبة أو آلة موسيقية.”
من جانبها، تؤكد المعلمة زكية شيخموس، التي تعمل في المجال التعليمي منذ أكثر من 30 عاماً في مدينة قامشلي، أهمية توافر الوسائل التعليمية داخل المدارس، لما لها من دور في تعزيز فهم الطلبة من خلال تقديم المعلومات بصورة ملموسة وواضحة أمامهم.
وتتوافق هذه الرؤية مع ما تشير إليه بعض الدراسات، التي توضح أن المتعلم/ة يتذكر/تتذكر نحو 13% من المعلومات التي يتلقاها عبر السمع بعد مرور شهر، في حين ترتفع النسبة إلى 75% للمعلومات التي يتلقاها عبر البصر خلال المدة ذاتها.
كيف أسهمت أساليب التشدد في خلق رهبة لدى الطلبة؟
لا ترى سهام أن المشكلات التي تعاني منها المدارس اليوم وليدة اللحظة، إذ لطالما عانت البنية التحتية التعليمية من ضعف في التجهيزات والوسائل التعليمية، وهو ما تؤكده ندى استناداً إلى تجربتها كطالبة سابقاً ثم كمدرسة لاحقاً في المالكية/ديريك.
“حين كنا طلاباً، كنا نخشى الأمور الثانوية المرتبطة بالتعليم في المدارس، كنظام الانضباط وغيره. الآن ألاحظ كمّ المشكلات النفسية التي صاحبتني حتى اليوم نتيجة ما عشته في المدرسة.” تقول ندى.
وترى أن تحوّل المدرسة من مساحة للتعلم واكتساب المعرفة إلى مكان يثير “الرعب والرهبة”، على حد وصفها، يترك آثاراً سلبية على الحالة النفسية للطالب/ة، وقد يؤدي إلى إعادة إنتاج التجربة ذاتها مع الأجيال اللاحقة.
وتوضح أن هذا الأمر بدا جلياً بالنسبة لها عندما بدأت العمل في التعليم، مشيرةً إلى أن أسلوب تعاملها مع الطلبة لم يكن يخلو من التشدد. وعن الوسائل التعليمية المتاحة في المدارس التي عملت فيها، تقول: “النظام التعليمي كان ضعيفاً، ولم تكن الموارد التعليمية متوافرة. كما أن الوسائل البصرية كانت نادرة جداً، وحتى عندما كانت تتوفر، كانت تقتصر غالباً على مجسم واحد يوضع في غرفة المدرسين.”
أما فيما يتعلق بالحصص الترفيهية، كالموسيقى والرياضة والرسم، فتوضح زكية أنه كان يتم تكليف معلمين ومعلمات غير مختصين/ات بهذه المواد بهدف استكمال جداول التدريس، دون مراعاة حق الطلبة في الحصول على مساحات تساعدهم/نّ على اكتشاف مواهبهم/نّ وتنميتها.
في تجربة مختلفة
تقول ندى إن إدراكها لضعف النظم التعليمية التي عايشتها في سوريا جاء بعد سنوات أمضتها في إحدى الدول الأوروبية، حيث صُدمت بالفروقات الكبيرة بين ما عاشته شخصياً وما يعيشه أطفالها اليوم.
وتضيف: “كان من حقنا أن نحظى بواقع تعليمي أفضل، والآن من حق كل طفل في سوريا أن يتعلم بطريقة أفضل.”
وتتشابه هذه الرؤية مع تجربة المعلم خليل حاجي، الذي عمل في مهنة التعليم لمدة ثلاثة عقود في سوريا، بينها سنوات قضاها في تدريس الطلبة داخل الغرف الطينية والصفوف مسبقة الصنع في المناطق الريفية، قبل أن يخوض تجربة تعليمية أخرى في دول الاغتراب.
ويستذكر خليل إحدى الحوادث قائلاً: “عند حلول الشتاء كان سقف الغرفة التي يتواجد فيها التلاميذ يدلف، ما كان يجبرهم على التكوم في إحدى الزوايا اتقاءً لتسرب المياه.”
وعن الوسائل التعليمية المتاحة آنذاك، يقول: “لم تكن متوفرة بالشكل المطلوب إلا ما ندر، وكانت تقتصر أحياناً على بعض المصورات والخرائط. وحتى المدارس التي كانت تمتلك أدوات هندسية كالمنقلة والمثلثات بأنواعها والمسطرة كانت تُعد مدارس محظوظة.”
ويشير خليل إلى أن بعض المدارس في المدن كانت تضم غرفاً مخبرية مخصصة لتجارب العلوم والفيزياء والكيمياء، إلا أنها كانت موجودة شكلياً فقط دون استخدامها فعلياً في العملية التعليمية، ما انعكس سلباً على فهم الطلبة واستيعابهم/نّ، وجعلهم/نّ يعتمدون بشكل أساسي على الشرح الإلقائي وكفاءة المعلم أو المعلمة.
أما عن تجربته في إحدى الدول الأوروبية، فيقول: “كانت مهمتي مساعدة الطالب على فهم مادة الرياضيات والعلوم الطبيعية بعد تلقيه الشرح من المعلم، الأمر الذي ساعده على الوصول إلى فهم أعمق للمادة، وكانت العملية تتم عبر وسائل تعليمية مختلفة، من بينها لوحة الإسقاط وغيرها.”
بدورها، تتحدث شهلا مصطفى، التي عملت في التعليم لمدة أربع سنوات في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور قبل انتقالها إلى العاصمة دمشق، عن الفوارق الكبيرة بين البيئات التعليمية التي عملت فيها.
وتقول: “مدارس الرقة كانت عبارة عن منازل خاصة في الريف، وكان معظم الكادر من القرى المجاورة أو من المدينة. كما كان الطلاب يعانون من عدم استقرار الكادر التدريسي طوال العام. وكانت السبّورات شبه غائبة، فيما تتأخر معظم المدارس في تسليم الكتب المدرسية. كما كانت أغلب الحصص تقتصر على ما يسميه مدير المدرسة بالمواد الأساسية، مع غياب تام لحصص الموسيقا والرسم. أما أوراق الامتحانات فكانت عبارة عن أوراق بيضاء يحضرها الطلاب معهم قبل كل امتحان.”
وفي المقابل، تصف تجربتها في دمشق بالقول:
“في مدارس متنوعة بدمشق بين الريف والمدينة، كانت غرفة استراحة المعلمين والمعلمات مليئة بالمصورات والخرائط ولوازم مادة الرياضيات. وكانت مدرّسة الموسيقى تعزف لنا على الأكورديون خلال فترة الاستراحة. كما كانت هناك مخابر خاصة غالباً ما تقع في الطوابق الأرضية للمدارس، إضافة إلى غرف تبديل الملابس الخاصة بحصص الرياضة وغرف مخصصة للكرات الرياضية المتنوعة، من كرة السلة والقدم وحتى مضارب التنس. وكانت سبّورات الصفوف عبارة عن ألواح خاصة تستخدم معها أقلام مخصصة للكتابة، يحصل عليها كل مدرس من الإدارة أو من غرف التوجيه.”
كيف يمكن تطوير العملية التعليمية؟
واجه قطاع التعليم خلال سنوات الحرب تحديات عديدة، بدءاً من نقص الموارد والوسائل التعليمية، وصولاً إلى دمج أعداد كبيرة من الطلبة داخل الصف الواحد، وهو ما انعكس سلباً على مستوى الفهم والاستيعاب لدى الطلبة، بحسب زكية.
وترى أن بعض هذه الصعوبات تراجعت مع حالة الاستقرار النسبي التي شهدتها البلاد، إلا أن مشكلة غياب الوسائل التعليمية ما تزال قائمة، مؤكدة ضرورة توفير المجسمات والمخططات التعليمية، والاستفادة من المخابر المدرسية بعد تأمين مستلزماتها، إلى جانب إعطاء الحصص الترفيهية الأهمية التي تستحقها واعتبارها أولوية ضمن العملية التعليمية.
كما يشدد المعلم خليل على أهمية تحسين البنية التحتية للمدارس وتوفير مختلف الوسائل التعليمية، بدءاً من مستلزمات مادة الرياضة وصولاً إلى أدوات تدريس الرياضيات، فضلاً عن تأهيل الكوادر التعليمية بما يواكب التطورات الحديثة.
أما شهلا فترى أن الحلول متاحة وسهلة التنفيذ، من خلال زيادة مخصصات مدارس الريف والمحافظات الأخرى من قبل وزارة التربية والتعليم، معتبرة أن حجم الدعم المقدم لمدارس دمشق يفوق ما تحصل عليه المدارس في المحافظات الأخرى.
وتضيف: “وجود لوازم مدرسية تساعد في إيصال الأفكار للطالب أمر مهم. فعلى سبيل المثال، عندما نشرح موقع سوريا نظرياً قد تترسخ المعلومة بنسبة 20% فقط، أما عندما نستخدم مصوراً وخريطة مع شرح التفاصيل، فإن الحواس جميعها تتفاعل؛ الصورة والصوت والكلام، ما يرفع نسبة ترسيخ المعلومات إلى 70 أو 80%. كما أن الكتب الملونة والصور تضيف عنصر المتعة إلى عملية التعلم. كذلك يمكن الاستفادة من الكوادر الموجودة في المدن والقرى نفسها من خلال تأهيلها وتدريبها لتصبح بكفاءة المدرسين القادمين من المحافظات الأخرى، لأن الاستمرارية مع الطالب عامل مهم في تسهيل ومتابعة العملية التعليمية.”
