هنا وهناك يسألونك: «أنتِ كردية؟»، كأنكِ مسافرة، وهذه البلاد حقيبة ظهر. يسألونكِ عن انتمائكِ كأنكِ تسكنين اللامكان، كمن وُلد من رحم الصدفة أو من خاصرة جبال بعيدة. نحن من هنا وهناك، وذاكرة أزقتنا تعرف جيدًا ملامح كل من ربح وخسر في لعبة الغميضة في حارتنا. وذاكرة المكان تحفظ وجه أبي القلِق وهو يراقب الغيوم بانتظار المطر، وكأنه ممتلئ بالسنابل التي زرعها؛ عن الكرد في سوريا.
اعتدنا، على مدى سنوات الأنظمة السورية الراحلة، أن تكون لغتنا نحن الكرد ممنوعة النطق، كأنها ستصيب الآخر المختلف بأذى ما. ومع مرور الوقت، صرت أبحث عن معناها لأنها محرّمة، وأبحث عن حقيقتها التي كانت تبدو مخيفة أحيانًا.
أتذكر جيدًا توبيخ معلم مادة القومية العربية لي في الصف الابتدائي عندما سمعني أتكلم بلغتي الكردية. كأنه أُصيب بمسّ؛ رمقني بنظرات حادة تخيلتها عصا جلاد حاصرت خيالي. ولا شعوريًا، صرت أبحث عن مخالبه في مخيلتي الطفولية حين صرخ: «لا تتكلمي بلغتك الأم، تكلمي بالعربية. كم مرة أمرتكِ، ألا تفهمين؟».
تسمرت في مكاني، وحدقت في شاربيه المعقوفين من الطرفين، كأنه يحمل وصايا البعث والشر معًا. غلبتني ضحكة هستيرية، وأجبته: «أمي أيضًا مثلي… ماما كردية».
تغيير أسماء القرى الكردية إلى العربية
كان رفضهم يثير في داخلي صرخة إصرار على التمسك بلغتي، من دون أن أفهم معناها آنذاك؛ صرخة تحولت إلى محطات نسجت ذواتنا، ورسمت طرقًا أدارت خطانا، وحطمت جدران الخوف من قمع اختلافنا.
كما غيّر نظام البعث أسماء القرى الكردية إلى أسماء عربية. لكن ذاكرة القرى نقشٌ على ناصية الزمن لا يُمحى. فقرية «كرديم حليمة» في شمال شرقي سوريا استُبدل اسمها بـ«المناذرة». وقد سُمّيت بحليمة، وهي والدة جدي، لأنها واجهت ببندقيتها، مع أبنائها، عصابة حاولت نهب القرية بأكملها، وألحقت بها الهزيمة.
وذات مرة، قدم أحد عناصر الأمن شكوى ضد راعٍ للأغنام، وهو رجل لا يفقه القراءة والكتابة. شرح عنصر الأمن مضمون الشكوى باللهجة العامية، مفادها أن أغنامه اجترّت خضرة رئيس المخفر، وهو من قرية المناذرة، وأنه سيجبره على إبقاء أغنامه في الحظيرة عدة أيام من دون مرعى إذا لم يلتزم بمضمون الشكوى.
رد الراعي، والغضب يرتسم على ملامحه: «وما علاقة أغنامي بالمناذرة؟ لن أسكت عن هذا الهراء. سأقدم شكوى ضد المناذرة لأنهم يزعجون أغنامي».
أحيانًا أشعر أنها صرخة أجدادنا الكرد في أعماقنا؛ يصرخون بأصواتنا ليرتاحوا، ويشاهدون ما يحدث بعيوننا، وتحيا قلوبهم في إصرارنا وتمسكنا.
الكرد والنار
كبرت وعرفت أن كياننا وانتماءنا يسكنان فينا أكثر مما نظن، وربما في اللاشعور أيضًا. صرت طالبة في كلية الآداب بجامعة دمشق، واتسعت جدران معرفتي أكثر.
أتذكر أن مسؤولة السكن الجامعي، التي كانت تسكن قبالة غرفتي في المدينة الجامعية، كانت تعتقد أن الكرد يعبدون النار، وأنني متهمة بارتكاب طقوس شنيعة منافية للأديان، يقف وراءها الشيطان. كانت تحدثني عن خيالها بعينين مندهشتين كعيني سمكة ميتة، تتخيل وحشًا برأس وجسد من نار.
وذات مرة، أجرت المسؤولة تفتيشًا روتينيًا لغرف الطالبات للتحقق من وجود سخانات تدفئة، إذ كان استخدامها ممنوعًا وفق نظام السكن. سمعت ضجيج صراخها يملأ الممرات، فأطفأت السخانة على عجل ووضعتها تحت السرير.
فتحت الباب، وكان الغضب يجعل عينيها تكادان تخرجان من محجريهما. ظلت تبحث بناظريها في أرجاء الغرفة، بينما كنت أراقب انفعالات وجهها. وفجأة، بدأ دخان أبيض يتصاعد من أسفل السرير.
كزّت على أسنانها غضبًا، بينما كنت قد أصدرت حكمي على نفسي مسبقًا بتقرير مخالفة قبل أن تتفوه بكلمة. فأجبتها بجملة قطعتها ضحكتي: «ها هو إله النار!».
وداعاً يا خوف
في هذه البلاد اعتدنا الخوف، بسياطِه المتنوعة، حتى فقد معناه في ذواتنا. من النظام البعثي إلى النظام الحالي المتشدد، ظللنا المختلف المرفوض، والانفصالي المتهم، لكن خوفًا شاخ حتى غلبه إصرارنا.
أخبرتني فتاة إيزيدية كردية تُدعى فيان خضر من شنكال أنها كانت سبية لدى أمير داعشي يُدعى أبو مصعب السعودي أثناء سيطرة التنظيم على الرقة عام 2015.
وذات مرة، قررت الانتقام من الأمير. تسللت إلى غرفة اجتماعه مع أمراء آخرين، وكان النقاش يدور حول تحديد مواقع لهجمات انتحارية. افتعلت فيان صوت خربشة خفيفة ثم هربت. حلّ الصمت، وتبادل الجميع نظرات الريبة من دون أن يتفوه أحد بكلمة، كتماثيل مصفوفة.
تابعوا حديثهم، وإذا بصوت قوي يفتح الباب على مصراعيه بركلة عنيفة من فيان، وهي تمد لسانها ساخرة ثم تهرب. امتلأ المكان بقرقعة تلقيم الأسلحة، وشرع أحدهم في توجيه فوهة سلاحه نحوها، وكان على وشك الضغط على الزناد.
قالت فيان وهي تتأرجح، فيما ترتسم الابتسامة على وجهها الناعم:
«انتقمت منهم حين رأيت الخوف في وجوههم. ربما لم يكن خوفًا، لكنني انتقمت. كنت على وشك أن أُقتل. الآن أرى اللحى نفسها تحكم سوريا. عرفت الخوف وعرفت جدواه. فليحدّق الخوف بي… لقد مات يوم خطفوني».
اللغة ذاكرة روحية
ها قد رحل البعث، ومحَت عوامل الطبيعة شاخصة «قرية المناذرة» المواجهة للطريق الترابي.
وتلاشى ذوو اللحى والخوف في نقطة سوداء من ذاكرة الزمن، وسكنوا حدثًا عابرًا في مخيلة فيان.
أما صوت تمردي الطفولي، الذي لم أفهم معناه يومًا وكان ممتلئًا بالرفض، فقد علا مع الوقت، واتسع، وحطم الحواجز الروحية الممنوعة.
ها هو اليوم حرّ طليق، وقد أضحى كتاباتٍ وقوافي يقرؤها الجميع.
