“حتى اليوم أشعر بالذنب لأنني لم أرضعها من صدري،” بهذه الكلمات تختصر جميلة (اسم مستعار)، وهي أم لثلاثة أطفال من مدينة ديريك/المالكية تقيم في ألمانيا، شعوراً لا يزال يرافقها منذ تسع سنوات، رغم أنها تدرك اليوم أن ما حدث لم يكن نتيجة تقصير منها، كان حصيلة تجربة ولادة صعبة، ووحدة، وغياب للدعم، وصعوبات واجهتها في بداية حياتها الجديدة خارج البلاد.
تتحدث جميلة عن ثلاث تجارب مختلفة مع أطفالها الثلاثة؛ ابنة تبلغ اليوم تسع سنوات، وابن في السابعة، وطفلها الأصغر الذي لم يكمل عامه الأول، مؤكدةً أن كل تجربة علمتها شيئاً جديداً عن الأمومة والرضاعة الطبيعية.
تقول جميلة إن ولادتها الأولى كانت طبيعية لكنها كانت “صعبة للغاية.” وبعد الولادة عانت من آلام شديدة والتهابات رافقها خروج قيح من الثدي، ولم تتمكن من إرضاع طفلتها سوى شهرين.
وتوضح أن الأطباء والممرضين/ات قدموا/ن لها المساعدة أثناء وجودها في المستشفى، لكن بمجرد خروجها وجدت نفسها مع زوجها فقط، بينما كانت عائلتها بعيدة عنها، ولم تجد من يساندها خلال تلك المرحلة الحساسة، ما دفعها في النهاية إلى التوقف عن الرضاعة الطبيعية.
وتقول إن أصعب ما واجهته بعد ذلك كان البحث عن نوع الحليب الصناعي المناسب لطفلتها، مضيفة أن الشعور بالذنب لم يفارقها حتى اليوم. وتزداد قسوة تلك الذكريات عندما تستعيد ظروف ولادة طفلتها الأولى، إذ وُلدت في الشهر السابع بوزن أقل من الطبيعي، وكانت تتلقى الحليب بطرق طبية داخل المستشفى.
وتشير إلى أن الطاقم التمريضي كان حريصاً على مساعدتها، إلا أن وضع حلمة صناعية فوق حلمتها الطبيعية جعل طفلتها ترفض الرضاعة المباشرة من الثدي، وهو ما ضاعف معاناتها: “كنت أبكي كثيراً ولم أعد قادرة على تحمل الرضاعة الطبيعية أكثر من شهرين، بينما استغرقت طفلتي وقتاً طويلاً للتأقلم مع الحليب الصناعي، ولم تتحسن تغذيتها إلا بعد أن أصبحت قادرة على تناول الطعام العادي.”
حاول زوج جميلة دعمها، إلا أن ذلك لم يكن كافياً، خاصة أنها وضعت مولودتها خلال الأشهر الأولى من وصولها إلى أوروبا، وكانت اللغة تشكل حاجزاً بينها وبين الطاقم الطبي، فلم تستطع التعبير عن حجم معاناتها أو طلب المساعدة التي كانت تحتاجها.
أما تجربتها مع طفلها الثاني، فتصفها بأنها كانت أقل ألماً، لكنها بقيت مرهقة. تقول إنها كانت تستيقظ مرات كثيرة كل ليلة لإرضاعه، وأحياناً كانت تنهض وهي تبكي من شدة التعب والإرهاق. كما كانت تضطر لإرضاعه في أي مكان بمجرد شعوره بالجوع، سواءً أكان في السيارة أو القطار أو الشارع، وهو ما كان يسبب لها الإحراج في الكثير من الأحيان.
ورغم ذلك، تؤكد جميلة أن الرضاعة الطبيعية صنعت علاقة مختلفة بينها وبين طفلها، إذ لا يزال متعلقاً بها حتى اليوم، ويستيقظ ليلاً لينام إلى جانبها، على عكس ابنتها الكبرى، أما طفلها الثالث، فتقول إن التجربة كانت مختلفة تماماً، لأنها أصبحت أكثر نضجاً وخبرة في التعامل مع الرضاعة الطبيعية، وتمكنت من إرضاعه بصورة جيدة.
“الرضاعة الطبيعية وفرت عليّ كثيراً من الجهد مقارنة بالرضاعة الصناعية، إذ لا أحتاج إلى تحضير الحليب بينما يكون الطفل يبكي من شدة الجوع،” تقول جميلة وتعترف بأنها كانت تخشى في البداية من تغير شكل الثدي، حتى إنها لم تتمكن لفترة من ارتداء بعض ملابسها بسبب زيادة حجمه، لكنها كانت ترى أن تغذية طفلها من جسدها أهم من كل تلك المخاوف.
الرضاعة الطبيعية .. فوائد تتجاوز تغذية الطفل
تكشف تجربة جميلة أنه لا يمكن اعتبار الرضاعة الطبيعية مجرد قرار تتخذه الأم، إنما هي عملية ترتبط بعوامل صحية ونفسية واجتماعية، وهو ما تؤكده الطبيبة المختصة بأمراض النساء مروى محمد، التي تشير إلى أن فوائد الرضاعة تمتد إلى صحة الأم بقدر ما تنعكس على صحة الطفل.
وتوضح مروى أن الرضاعة الطبيعية تحفز إفراز هرمون الأوكسيتوسين، وهو هرمون يساعد على انقباض الرحم وتقليل النزف، خاصة خلال الساعات الأولى بعد الولادة، لذلك فإن بدء الرضاعة مبكراً يساهم في عودة الرحم إلى وضعه الطبيعي قبل الحمل.
وتضيف أن الرضاعة الطبيعية تساعد الأم على استعادة وزنها السابق لأنها تستهلك طاقة، كما تقلل من احتمالية الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، نتيجة زيادة التواصل الجسدي والبصري بين الأم وطفلها. وتؤكد أن الرضاعة الطبيعية تقلل أيضاً من احتمالية الإصابة بسرطان الثدي وسرطان المبيض، وتخفض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني من خلال المساعدة على إنقاص الوزن، كما تساهم في الحد من هشاشة العظام.
أما بالنسبة للطفل، فتشير مروى إلى أن الرضاعة تقلل من الالتهابات والإنتانات التي قد ترتبط باستخدام الرضاعات والحليب الصناعي، فضلاً عن أنها توفر على الأسرة الوقت والمال اللازمين لتحضير الرضاعة الصناعية. وتتوقف الطبيبة عند عدد من المعتقدات الشائعة التي تصفها بالخاطئة، من بينها الاعتقاد بأن بعض الأمهات لا ينتجن كمية كافية من الحليب.
وتوضح أن إنتاج الحليب يحتاج إلى الصبر والدعم وإرضاع الطفل خلال الساعات الأولى بعد الولادة، مؤكدة أنه لا توجد أم لا تستطيع إنتاج كمية كافية من الحليب إذا تلقت الدعم المناسب. كما تنفي وجود علاقة بين حجم الثدي والقدرة على الإرضاع، موضحةً أن إنتاج الحليب يعتمد على الأقنية اللبنية والهرمونات التي يفرزها الدماغ، وليس على حجم الثدي.
وتؤكد أيضاً أن الرضاعة الطبيعية لا تسبب ترهل الثدي، موضحة أن شكل الثدي يتأثر بالعوامل الوراثية والعمر وعدد مرات الحمل والتغيرات المفاجئة في الوزن. وتلفت إلى أن إصابة الأم بالزكام أو الالتهابات لا تستدعي إيقاف الرضاعة، بل على العكس، فإن جسمها ينتج أجساماً مضادة تنتقل إلى الطفل عبر الحليب، بما يساعد على تعزيز مناعته.
الدعم قبل النصائح… ورسالة الأمهات تؤكدها الأرقام
ما تتحدث عنه الطبيبة مروى من أهمية الدعم، تؤكده أيضاً تجربة إيمان من مدينة قامشلي، التي ترى أن أصعب ما في الرضاعة الطبيعية لا يقتصر على الألم فحسب، وإنما مواجهة تلك المرحلة دون احتواء كافٍ.
تقول إيمان إن الأيام الأولى بعد الولادة كانت شديدة القسوة، إذ عانت من تقرحات في الثدي، وكانت تشعر بألم كبير مع كل رضعة، قبل أن يعتاد جسدها تدريجياً على العملية. وترى أن الرضاعة الطبيعية عززت علاقتها بأطفالها الثلاثة، ومنحتهم شعوراً أكبر بالأمان، رغم أنها لم تستطع إرضاعهم لفترات طويلة.
وتوضح أنها أرضعت طفلها الأكبر ثلاثة أشهر فقط لأن حليبها لم يكن يكفيه بحسب اعتقادها، وكذلك طفلها الثاني، بينما لم يتمكن طفلها الأصغر من الرضاعة سوى عشرة أيام بعدما دخل المستشفى في وضع صحي صعب.
تقول إنها عاشت حالة نفسية قاسية، وخشيت فقدان طفلها، فاضطرت إلى تناول أدوية لتجفيف الحليب رغم أن إدراره كان جيداً جداً، مضيفة أنها لا تزال تشعر بالذنب تجاهه حتى اليوم. وتؤكد أنها لم تكن تفكر يوماً في تأثير الرضاعة على شكل الثدي، لأن أولويتها كانت دائماً أن يكون أطفالها بصحة جيدة.
وتوجه رسالة إلى المحيط الاجتماعي تدعو فيها إلى دعم الأمهات حديثات الولادة بدلاً من لومهن أو إغراقهن بالنصائح، قائلة إن الأم تحتاج في تلك المرحلة إلى من يساندها، لأن “ما من أحد سيحب الطفل أكثر من أمه”.
ولا تعكس هاتان التجربتان معاناة فردية فحسب، بل تنسجمان مع مؤشرات عالمية تؤكد أن الرضاعة الطبيعية ما تزال واحدة من أهم وسائل حماية الأطفال من سوء التغذية والأمراض، فبحسب منظمة الصحة العالمية، يقف سوء التغذية وراء 45% من وفيات الأطفال حول العالم، أي ما يقارب 1.3 مليون وفاة سنوياً.
وتشير بيانات المنظمة إلى وجود 52 مليون طفل يعانون من الهزال، و17 مليون طفل يعانون من الهزال الوخيم، و155 مليون طفل يعانون من التقزم، إضافة إلى 41 مليون طفل يعانون من زيادة الوزن أو السمنة.
ورغم ذلك، فإن 40% فقط من الرضع دون عمر ستة أشهر، يتغذون على الرضاعة الطبيعية الحصرية، رغم أنها تعد من أهم وسائل حماية الطفل خلال أشهره الأولى.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بالاعتماد على الرضاعة الطبيعية الحصرية لمدة ستة أشهر، ثم البدء بإدخال الأغذية التكميلية اعتباراً من الشهر السادس، مع الاستمرار بالرضاعة الطبيعية حتى عمر عامين أو أكثر.
إلا أن المنظمة تشير إلى أن أقل من ربع الأطفال بين عمر ستة أشهر و23 شهراً يحصلون على تغذية تكميلية متنوعة ومناسبة، مؤكدة أن اتباع الممارسات المثلى للرضاعة الطبيعية والتغذية التكميلية يمكن أن ينقذ حياة 800 ألف طفل دون سن الخامسة سنوياً.
