الزراعة السورية.. خط الدفاع الأخير عن الأمن الغذائي في حالة إنهاك

في البيوت البلاستيكية المتشعبة بريف بانياس، يقضي مهند العلي يومه بين شتلات البندورة وثمار الليمون الصغيرة، محاولاً إنقاذ موسمٍ تأثر بتبدلاتٍ مناخية باتت تتكرر عاماً تلو الآخر. يقول مهند إن السؤال لم يعد يتعلق بجودة الموسم أو حجم إنتاجه، بل بما إذا كان الموسم سينجو أساساً من الظروف المحيطة به أم لا.

ويضيف أن انتظام الفصول الذي كانت تعتمد عليه الزراعة السورية لعقود بات مهدداً، فيما أدى الجفاف خلال السنوات الأخيرة إلى تراجع إنتاج العديد من المحاصيل. ومع ارتفاع تكاليف الزراعة، اضطر الكثير من المزارعين إلى التخلي عن أنواع زراعية تقليدية واستبدالها بمحاصيل أكثر ربحية، مثل التوسع في زراعة الزيتون على حساب أشجار الحمضيات، دون دراسة كافية لمدى ملاءمة التربة لهذه التغييرات.

ويرى أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى تراجع أو اختفاء بعض الزراعات التي اشتهرت بها المنطقة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات، وتقادم شبكات الري، وصعوبة الاعتماد على تقنيات الري الحديثة، إلى جانب الخسائر السنوية التي تخلفها الحرائق.

لا تقتصر التحديات الزراعية في سوريا على المناخ وحده، فقد باتت الكوارث الطبيعية تضرب مواسم كاملة في مناطق مختلفة من البلاد. ففي الساحل السوري، ما تزال آثار حرائق عام 2025 حاضرة في ذاكرة المزارعين.

يقول إبراهيم منى، أحد المتضررين من تلك الحرائق، إن حجم الأضرار تجاوز 85% في العديد من المناطق، فيما وصلت نسبة الخسائر في بعض القرى إلى 100%، ويوضح أن قرب الأراضي الزراعية من المناطق الحراجية ساهم في اتساع رقعة النيران، بينما اعتمدت عمليات الإخماد والمعالجة اللاحقة بشكل أساسي على جهود المجتمع المحلي والمبادرات المدنية.

ويشير إلى أن خسائر الحرائق لا تتوقف عند موسم واحد، بل تمتد آثارها لسنواتٍ طويلة، خاصة أن كثيراً من العائلات تعتمد على هذه الأراضي كمصدر دخل رئيسي، لافتاً إلى أن الأولوية اليوم تتمثل في إعادة تأهيل الأراضي المتضررة وتسميدها خلال مرحلة التعافي.

وعلى الضفة الأخرى من البلاد، واجه مزارعو دير الزور والرقة كارثة مختلفة. فبدلاً من الحريق، كان الغرق هو التهديد الأكبر بعد فتح سد الفرات وغمر مساحات زراعية واسعة.

يقول جلال، وهو اسم مستعار لمزارع من دير الزور، إن موسماً كاملاً ضاع نتيجة الغرق، بينما تحتاج الأراضي اليوم إلى فترة طويلة للتعافي والتجفاف. ويرى أن الأزمة لم تبدأ مع الفيضان، بل سبقتها مشكلات تتعلق بتوزيع بذار غير مناسبة، وضعف تسويق القمح، وتراجع الاهتمام بالإنتاج المحلي مقابل الاعتماد على الاستيراد.

ويؤكد أن سنوات الجفاف المتعاقبة رفعت تكاليف الإنتاج وخفضت مردوده، ما يجعل دعم الزراعة المحلية ضرورة ملحة عبر القروض والتسهيلات الحكومية وتسعير المحاصيل الاستراتيجية بما يتناسب مع تكاليف إنتاجها الحقيقية.

أسعار غير مدروسة تغيّر وجه الأراضي الزراعية

وفي محافظة الحسكة، يشارك جميل حسو، وهو مزارع من مدينة عامودا، المخاوف ذاتها. ويصف تسعيرة القمح المعتمدة بأنها “إجحاف بحق المزارع” مؤكداً أنها لا تتناسب مع المصاريف الفعلية التي يتحملها المنتجون.

ويقول إن معظم مستلزمات الزراعة، من أسمدة وأدوية ومحروقات، يتم شراؤها بالدولار الأمريكي، بينما تُصرف مستحقات المزارعين بالليرة السورية، ما يفاقم حجم الخسائر مع تقلبات سعر الصرف. ويوضح أن سعر طن القمح كان يعادل نحو 390 دولاراً عند إعلان التسعيرة، لكنه انخفض فعلياً إلى ما يقارب 360 دولاراً مع ارتفاع سعر الدولار.

ويضيف أن عدداً كبيراً من المزارعين لم يحصلوا على مخصصاتهم من المازوت الصيفي، كما يعاني أصحاب الحصادات من المشكلة نفسها، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والحصاد.

ويؤكد جميل أن المزارع هو الضامن الأساسي للأمن الغذائي، محذراً من أن استمرار إهمال القطاع الزراعي سيدفع أعداداً متزايدة من المزارعين إلى ترك أراضيهم. ويقول: “خلال ثلاث سنوات تكبدنا خسائر فادحة، واليوم نفكر كيف سندبر أمورنا المعيشية، بينما يحصل المزارعون في كثير من الدول على الدعم والقروض والبذار، ونفتقد نحن لكل ذلك”.

ولا تقتصر المشكلات على الكوارث الطبيعية أو ارتفاع التكاليف، بل تمتد إلى السياسات الزراعية نفسها. ففي سهل الغاب بريف حماة، ما تزال تداعيات أزمة البذار الفاسدة التي وُزعت لمزارعي الشوندر السكري عام 2023 تلقي بظلالها على المنطقة.

يستذكر علي غانم خسائر المزارعين الذين كانوا يعولون على محصول قادر على تغطية الاحتياج المحلي من السكر وتوفير فائض للتصدير، إلا أن تدني جودة البذار أدى إلى تراجع الإنتاج وإلحاق أضرار متراكمة بالتربة الزراعية، ويقول إن كثيراً من الأراضي ما تزال بحاجة إلى معالجة حتى اليوم، بينما عزف عدد من المزارعين عن زراعة الشوندر السكري بعد الخسائر المتكررة التي تعرضوا لها.

من جهته، يرى المهندس الزراعي والخبير البيئي فايز البيطار أن تعافي الاقتصاد السوري يبدأ من إعادة الاعتبار للقطاع الزراعي، موضحاً أن الموقع الجغرافي والتربة الخصبة يمثلان رصيداً استراتيجياً للبلاد، ليس فقط لتحقيق الأمن الغذائي، وإنما أيضاً كرافد اقتصادي مهم.

ويشير إلى صعوبة الوصول إلى إحصاءات دقيقة حول واقع الأراضي الزراعية، في ظل غياب الخطط الداعمة والإرشادات الزراعية المتعلقة بالحفاظ على التربة وإدارة الموارد الطبيعية.

ووفق بيانات الهيئة العامة للبحوث الزراعية، تبلغ مساحة سوريا نحو 18.5 مليون هكتار، منها ستة ملايين هكتار قابلة للزراعة، يُستثمر منها نحو 5.7 مليون هكتار. كما تبلغ مساحة الأراضي المروية 1.4 مليون هكتار، والبعلية 3.3 مليون هكتار، فيما تصل مساحة الحراج إلى 576 ألف هكتار.

ويرى فايز أن دعم الفلاح يجب أن يتحول إلى أولوية اقتصادية، تبدأ بتخفيض كلف الإنتاج، وتأمين المحروقات والأسمدة والبذار الجيدة بأسعار مناسبة، وتحسين خدمات النقل والتخزين والتسويق.

من مصدر للغذاء إلى فرصة للتنمية

رغم الصعوبات، ما تزال الزراعة تشكل مصدر دخل لآلاف الأسر السورية بطرق مختلفة. ففي ريف حمص، تعتمد مريم منصور وعائلتها على جمع النباتات العطرية والطبية المنتشرة في محيط قريتها، مثل الغار والكينا والزعتر البري، وبيعها في الأسواق المحلية أو تحويلها إلى زيوت ومنتجات منزلية بسيطة.

تقول مريم إنها تجمع هذه النباتات بشكل دوري وتبيعها على شكل باقات أو تستخرج منها زيوتاً عطرية، فيما تساعدها ابنتها في التسويق الإلكتروني للمنتجات، لتأمين دخل إضافي للأسرة.

وفي هذا السياق، يؤكد المهندس الزراعي أكرم عفيف أن إدارة الموارد الطبيعية بصورة مستدامة يمكن أن تفتح آفاقاً اقتصادية واسعة أمام المجتمعات المحلية. ويشير إلى أن سوريا تضم نحو 3600 نوع من النباتات الطبية والعطرية القابلة للاستثمار، وأن تطوير سلاسل إنتاج متكاملة لهذه النباتات، من الزراعة وحتى التصنيع، يمكن أن يوفر آلاف فرص العمل ويخلق منتجات قابلة للتصدير.

وبين حرائق الساحل وغرق أراضي الرقة ودير الزور، وبين ارتفاع التكاليف وتراجع الدعم، تبدو الزراعة السورية اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تتحول إلى أولوية ضمن خطط التعافي الاقتصادي، أو تستمر خسارة المزارعين لمواسمهم وأراضيهم، بما يهدد إحدى أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد.