تشهد عدة مناطق سورية اضطراباً في الأسواق بالتزامن مع عملية استبدال العملة القديمة بالجديدة، لكن محافظة حسكة تبدو من أكثر المناطق تضرراً، في ظل محدودية مراكز الاستبدال وقلة عدد الموظفين/ات العاملين/ات فيها مقارنة بحجم المحافظة وكميات العملة المطلوب استبدالها.
وفي قامشلي، يضطر مواطنون/ات إلى الانتظار لساعات أمام مراكز البريد، فيما يقول بعضهم/نّ إنهم/نّ يراجعون المراكز لأيام من دون أن يتمكنوا من الحصول على العملة الجديدة. ومع شح السيولة الجديدة، ظهرت فروقات في أسعار الصرف بين العملة القديمة والجديدة، انعكست على حركة الأسواق، ووصلت في بعض الحالات إلى مطالبة المواطنين/ات بالدفع بالدولار أو بالعملة الجديدة فقط.
يقول محمد حسين، أحد أهالي مدينة قامشلي، إنه يراجع مركز البريد منذ خمسة أيام في محاولةٍ لاستبدال أمواله، مضيفاً: “لا توجد عملة جديدة، والصرافون يقتطعون نسبة من المال، وعلى حساب شام كاش لم يتغير شيء، وتعود العملة القديمة إلينا”.
ويرى محمد أن مركزاً واحداً لا يكفي لتلبية احتياجات المدينة، مطالباً بزيادة عدد مراكز الاستبدال إلى ثلاثة أو أربعة على الأقل.
ولا تقتصر الأزمة على صعوبة الحصول على العملة الجديدة، إذ انعكست على حركة الأسواق مع ظهور فروقات في سعر صرف الدولار بين العملتين، ما دفع بعض المحال إلى الإضراب أو رفض التعامل بالعملة القديمة.
ويقول صالح كندو، من قامشلي، إن الأزمة “تفتح المجال أمام ضعاف النفوس لاستغلال الفقراء”، مشيراً إلى أن فرق سعر صرف الدولار بين قامشلي ودمشق وصل، بحسب قوله، إلى نحو 2500 ليرة سورية.
ويضيف صالح أنه حين ذهب إلى محطة للوقود طُلب منه الدفع بالعملة الجديدة أو بالدولار، متسائلاً: “من أين سآتي لهم بهما؟”، معتبراً أن منفذاً واحداً لاستبدال العملة لن يكون كافياً لحل المشكلة في قامشلي.
أزمة الاستبدال تمتد إلى الأسواق
لم تتوقف تداعيات عملية الاستبدال عند الحسكة، فقد ظهرت أيضاً في أسواق دير الزور، حيث شهدت بعض المناطق إضرابات واحتجاجات مرتبطة بصعوبة الحصول على العملة الجديدة.
وتقول فاطمة البري، من منطقة قورية بدير الزور، إن الأسواق شهدت حالة من “الشلل التام”، نتيجة شح العملة الجديدة بجميع فئاتها، إلى جانب قلة مراكز الاستبدال وقصر المهلة المحددة للعملية.
وتوضح أن جزءاً كبيراً من العملة الجديدة المتداولة بين الأهالي جاء من رواتب الموظفين/ات، بينما اتجه آخرون إلى شراء الدولار أو الذهب بدلاً من استبدال العملة القديمة.
وتضيف أن الأزمة انعكست على أسعار السلع أيضاً، إذ ظهرت إشكالات في تحديد الأسعار، مع إضافة أرقام من فئات العملة القديمة إلى بعض الأسعار، ما أدى إلى رفع قيمة المنتجات، في وقت لا تتوفر فيه هذه الفئات لدى كثير من الأهالي.
أما في دمشق، فتبدو آثار الأزمة بصورة مختلفة، إذ تتركز بعض المشكلات في التعاملات التجارية وأجور النقل، مع استمرار شح بعض الفئات النقدية. يقول محمد كنجي، تاجر جملة في سوق دمشق القديمة، إن قلة ضخ الأوراق النقدية الجديدة للتداول خلقت صعوبة في التعامل، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من تعاملات تجار الجملة يتم بالعملات الأجنبية أو الذهب.
ويرى محمد أن تراجع الثقة بالعملة الجديدة، إلى جانب صعوبة تخزين بعض أوراقها، يدفع المتعاملين/ات إلى البحث عن بدائل يعتبرونها أكثر أماناً، وعلى رأسها الذهب والعملات الأجنبية.
وكان مصرف سوريا المركزي قد أعلن تمديد مدة سحب العملة السورية القديمة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة حتى 20 آب/أغسطس الجاري، عبر فروع مصرف سوريا المركزي ومنافذ المؤسسة السورية للبريد المعتمدة، فيما تجري الضابطة العدلية جولات على الأسواق لمنع التلاعب وإغلاق المحال المخالفة.
استبدال العملة لا يعني استقرار الليرة
يرى الخبير الاقتصادي باسل النايف أن انتهاء عملية الاستبدال قد يزيل جزءاً من الارتباك الناتج عن تداول العملتين القديمة والجديدة، لكنه لا يعني بالضرورة استقرار سعر الصرف بشكل فوري.
ويتوقع باس أن تشهد السوق خلال أول 72 ساعة بعد انتهاء الاستبدال ضغطاً مؤقتاً، مع عودة السيولة إلى التداول بعد فترة من سحب العملة القديمة، واحتمال توجه جزء من الأهالي إلى شراء الدولار والعملات الأجنبية لحماية مدخراتهم/نّ من تراجع قيمة الليرة.
ويقدّر أنه إذا اتجه نحو نصف الكتلة النقدية المستبدلة إلى العملات الأجنبية، فقد يتولد طلب يراوح بين 250 و300 مليون دولار خلال أسبوع، وهو ما قد يضغط على سعر الصرف خلال الأيام الأولى بعد انتهاء العملية.
وفي المقابل، يربط باسل التحسن الذي شهدته الليرة خلال فترة الاستبدال جزئياً بانخفاض السيولة المتداولة، نتيجة سحب كميات من العملة القديمة، معتبراً أن هذا العامل قد يتراجع مع عودة السيولة إلى الأسواق.
وعلى المدى المتوسط، يرى أن سعر الصرف قد يشهد تباطؤاً في معدل تراجعه خلال ثلاثة إلى ستة أشهر، إذا أعلن المصرف المركزي بيانات واضحة عن حجم الكتلة النقدية، واستخدم أدوات نقدية لضبط كمية الليرة المتداولة.
لكن يشدد باسل على أن الاستقرار المقصود هنا لا يعني ثبات سعر الصرف عند مستوى معين، بل تباطؤ وتيرة انخفاض قيمة الليرة. كما أن توحيد العملة قد يحد من المضاربة على الفارق بين العملتين القديمة والجديدة، ويزيل جزءاً من الارتباك في التسعير والتعاملات اليومية، وقد يخفف كذلك من اندفاع الأهالي نحو تحويل مدخراتهم/نّ إلى العملات الأجنبية إذا رافق ذلك وضوح وشفافية في السياسات النقدية.
إلا أن استبدال العملة، بحسب باسل، لا يعالج بمفرده الأسباب الأساسية لضعف الليرة، وفي مقدمتها العجز التجاري، وضعف الاحتياطي الأجنبي، ونقص تدفقات العملات الأجنبية. ولذلك فإن أي استقرار مستدام لسعر الصرف سيبقى مرتبطاً بتوفر موارد من العملات الأجنبية، سواءً أكان عبر الاستثمارات أو المساعدات، إلى جانب سياسات اقتصادية ونقدية أوسع.
وبينما ينتظر الأهالي انتهاء عملية الاستبدال، تبقى المشكلة الأكثر إلحاحاً في الأسواق هي كيفية تأمين العملة الجديدة، ومنع استغلال ندرتها، وضمان قدرة الأهالي على استخدامها في معاملاتهم/نّ اليومية من دون أن تتحول أزمة السيولة وفروق الصرف إلى أعباء إضافية على دخلهم/نّ.
فالاستبدال قد ينهي ازدواجية العملة، لكنه بالنسبة للأهالي في المناطق الأكثر تأثراً، لا ينهي بالضرورة أزمة الأسعار ولا المخاوف على قيمة مدخراتهم/نّ.
