العمل خارج التخصص في سوريا.. ظاهرة تتسع وتداعيات تتراكم

“تخرجت منذ سنة من معهد التمريض، لكنني أعمل اليوم في أحد المراكز التجميلية، وما دفعني لذلك هو الوضع الاقتصادي،” بهذه الكلمات تختصر سارة، من دمشق، واقعاً يواجهه كثير من السوريين/ات الذين/اللواتي وجدوا/ن أنفسهم/نّ يعملون في مجالات بعيدة عن اختصاصاتهم/نّ العلمية.

عدم توافر فرص عمل في المجال الصحي دفع سارة إلى البحث عن وظيفة توفر لها استقراراً اقتصادياً، حتى وإن كانت خارج نطاق خبرتها الأكاديمية. وتقول: “حين بدأت العمل في هذا المجال، كان كل من حولي يسألني عن السبب الذي دفعني إلى العمل بعيداً عن التمريض، كما أن عملي الجديد احتاج مني وقتاً حتى أتقنه.”

ويشير الخبير الاقتصادي علي محمد إلى أن سوق العمل في سوريا تعرض خلال خمسة عشر عاماً من الحرب لضغوط كبيرة، تمثلت في ارتفاع معدلات البطالة وتكاليف المعيشة، في وقت لم يتمكن فيه القطاع الحكومي من استيعاب أعداد الخريجين/ات، بينما شهد القطاع الخاص تراجعاً ملحوظاً.

ويرى أن هذه الظروف دفعت الكثير من السوريين/ات، في بداية حياتهم/نّ المهنية، إلى قبول أي فرصة عمل متاحة لتأمين دخل شهري، بغض النظر عن مدى ارتباطها بتخصصاتهم/نّ العلمية.

سنوات الدراسة الطويلة.. هل كانت دون جدوى؟

في تجربة مشابهة، يعمل محمد، وهو اسم مستعار لشاب من دمشق، في قسم المبيعات والمشتريات بإحدى الشركات التجارية، رغم أن اختصاصه الجامعي هو العلوم المالية والمصرفية، ويوضح أن السبب الأول وراء ابتعاده عن اختصاصه يتمثل في قلة الشواغر وفرص التدريب في القطاع المصرفي.

ويقول: “كانت الشواغر المتاحة تقتصر غالباً على المعفيين من خدمة العلم أو الأشخاص الوحيدين.” أما السبب الثاني، فيرتبط بضعف الرواتب في مجالات الاختصاص، مضيفاً: “الرواتب في التخصصات لا تتناسب إطلاقاً مع الواقع المعيشي، واليوم نحن نعمل فقط لتأمين لقمة العيش.”

ويؤكد محمد أن العمل خارج التخصص يترك آثاراً سلبية على العامل/ة، إذ يحتاج إلى وقت أطول لاكتساب المهارات اللازمة، كما يؤثر على الإنتاجية بسبب الحاجة المستمرة إلى البحث والتعلم في مجال جديد.

وعن الصعوبات التي واجهها، يقول: “كان من الصعب التأقلم في مكان لا يشبهني. خلال دراستي تعلمت أن العمل المالي يتسم بالهدوء والاستقلالية والاعتماد على مرجعية واضحة، بينما في عملي الحالي يوجد أكثر من مرجع وأكثر من رأي، لأن المبيعات تعتمد إلى حد كبير على أسلوب كل شخص.”

أما لزكين حاج قاسم، فبعد سنوات من العمل في مجال تخصصه كمعلم في إحدى مدارس ريف المالكية/ديريك، اضطر إلى ترك مهنة التعليم والعمل في تصليح الأدوات الكهربائية.

ويقول: “حين تمتلك الخبرة والشهادة ثم تضطر للعمل في مجال مختلف تماماً عن تخصصك، تشعر أن السنوات التي قضيتها في الدراسة ذهبت سدىً، وكل ذلك بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.”

ويؤكد لزكين أن العمل بعيداً عن التخصص يضع الشخص أمام تحديات وأخطاء متكررة، كما ينعكس سلباً على مستوى الإنتاجية.

آثار تتجاوز الفرد

يرى علي محمد أن عدم المواءمة بين التعليم والعمل قد يحمل آثاراً إيجابية لبعض الأشخاص، خاصة عندما يوفر لهم/نّ العمل خارج اختصاصهم/نّ دخلاً أفضل مما يمكن أن يحققوه في مجال دراستهم/نّ، إلا أن هذه الحالة تترك في المقابل آثاراً سلبية على شريحة واسعة من الخريجين/ات.

ويشير إلى أن كثيرين/ات قد يصلون إلى قناعة بأن التعليم الجامعي لم يعد مجدياً، وأن المعرفة الأكاديمية لا ترتبط فعلياً بسوق العمل، خاصة مع انخفاض الأجور في القطاعات المرتبطة باختصاصاتهم/نّ، الأمر الذي ينعكس عليهم/نّ نفسياً واقتصادياً.

ويضيف: “حين يصبح العمل منفصلاً عن التعليم الجامعي، تتشكل رسالة غير مباشرة للأجيال الأصغر سناً مفادها أن التعليم غير مجدٍ. ومع استمرار هذه الفكرة، قد نشهد مستقبلاً، تراجعاً في نسب المتعلمين/ات مقابل ارتفاع نسب غير المتعلمين/ات، خاصة عندما يصبح دخل صاحب حرفة أو مهنة معينة أعلى من دخل مهندس/ة أو حتى حامل/ة شهادة دكتوراه في الاقتصاد.”

وفي هذا السياق، أكدت دراسة صادرة عن منظمة اليونسكو أن عدم المواءمة بين التعليم والمهارات في المنطقة العربية يعود إلى أسباب متعددة، من بينها تدني جودة التعليم وعدم توافق النظم التعليمية والتدريبية مع احتياجات سوق العمل.

ما تأثير ذلك على اقتصاد البلاد؟

يؤكد علي محمد أن إنفاق الدولة على العملية التعليمية بمختلف مراحلها دون الاستفادة المثلى من مخرجات التعليم يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الحقيقية، ويعزز من توسع الاقتصاد غير الرسمي، الذي يسيطر على أكثر من 60% من الاقتصاد السوري، بحسب تقديره.

ويرى أن هذه العوامل تترك آثاراً سلبية على الاقتصاد الوطني، سواءً أكان على المدى القريب أو البعيد، نتيجة هدر الطاقات والكفاءات البشرية وعدم توظيفها في المجالات التي أُعدت لها.

ويشير إلى أن معالجة هذه المشكلة تتطلب ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، إلى جانب تفعيل مراكز التدريب المهني والتقني، لافتاً إلى أن الاقتصاد السوري يعتمد بدرجة كبيرة على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ما يستدعي تأهيل الكوادر بما يتناسب مع احتياجات هذه القطاعات.

كما يوضح أن للمجتمع المدني دوراً مهماً في هذا المجال من خلال المساهمة في برامج التدريب والتأهيل، ويضيف: “من الضروري العمل على جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية بما يساهم في توفير فرص عمل متكافئة، وتحسين مستوى الرواتب والأجور، وتشجيع أصحاب الشهادات على العمل في اختصاصاتهم. كما ينبغي إلزام الشركات بتسجيل العاملين في التأمينات الاجتماعية وضمان حقوقهم بما يتوافق مع متطلباتهم ويحقق العدالة في الأجور.”

وبين ضغوط المعيشة وندرة فرص العمل، يجد كثير من السوريين والسوريات أنفسهم/نّ أمام خيار صعب: التمسك باختصاصاتهم/نّ وانتظار فرصة قد تطول، أو البحث عن أي عمل متاح يوفر لهم/نّ دخلاً يساعدهم/نّ على مواجهة متطلبات الحياة اليومية. وفي ظل استمرار هذه الفجوة بين التعليم وسوق العمل، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة السياسات التعليمية والاقتصادية على إعادة ربط الشهادة بالمهنة، والاستفادة من الكفاءات في المجالات التي تأهلت للعمل فيها.