في عام 2021، استطاع مسلسل “خلي بالك من زيزي” أن يفرض نفسه كواحد من أبرز الأعمال الدرامية العربية، ليس فقط بسبب قصته الاجتماعية أو نجاحه الجماهيري، بل لأنه تناول قضية نادراً ما حظيت بهذا القدر من الاهتمام في الدراما العربية، وهي اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD).
بدأ اهتمامي بالعمل بعد أن نشرت عنه في مجموعة النادي السينمائي السوري، حيث لفت انتباهي تعليق لإحدى المتابعات قالت فيه إنها لم تكن تعلم أن ابنها مصاب بهذا الاضطراب، وكانت تظنه طفلاً فوضوياً وشديد الحركة لا أكثر. لكن بعد مشاهدة المسلسل بدأت تدرك أن ما يعانيه ابنها قد يكون حالة حقيقية تحتاج إلى فهم ومتابعة.
هذه الشهادة البسيطة تختصر جانباً مهماً من تأثير العمل؛ فالمسلسل لم يكتفِ بالترفيه، بل ساهم في رفع الوعي حول اضطراب ما زال كثيرون يسيئون فهمه أو يخلطون بينه وبين سوء التربية أو الشقاوة الزائدة.
أول عمل عربي يقترب من ADHD
تؤدي الممثلة المصرية أمينة خليل دور “زيزي”، الفتاة العفوية والمندفعة التي تعاني صعوبات مستمرة في تنظيم حياتها وعلاقاتها. وبعد سلسلة من المشكلات الشخصية والزواجية، تبدأ رحلة اكتشاف ذاتها وفهم السبب الحقيقي وراء سلوكياتها التي رافقتها منذ الطفولة.
ما يميز العمل أنه لا يقدم الاضطراب كحالة طبية جامدة، بل كجزء من حياة إنسان يحاول أن يجد مكانه في المجتمع رغم سوء الفهم والأحكام المسبقة التي يتعرض لها.
وتزداد أهمية هذا الطرح عندما نعرف أن كاتبة العمل منى الشيمي، وهي أخصائية نفسية، عايشت اضطراب ADHD بنفسها، وقد صرحت في أكثر من مناسبة أن شخصية زيزي تتقاطع مع تجربتها الشخصية في عدة جوانب، الأمر الذي منح النص صدقاً وواقعية انعكسا بوضوح على الشاشة.
تفاصيل صنعت شخصية مقنعة
من أبرز نقاط قوة المسلسل اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة التي ساعدت في رسم شخصية زيزي بصورة مقنعة. فاختيار الملابس وتسريحة الشعر وطريقة الجلوس والكلام لم تكن عناصر عشوائية.
تظهر زيزي غالباً بملابس عملية ومريحة، وشعر غير مرتب، وحركة مستمرة لا تكاد تتوقف. تتحدث بسرعة، تنتقل من فكرة إلى أخرى، تتأخر عن المواعيد، وتبدو مشتتة معظم الوقت. هذه التفاصيل لم تُقدَّم بهدف السخرية أو المبالغة، بل لتقريب المشاهد من تجربة شخص يعيش فعلاً مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
زيزي وتيتو.. صورتان للاضطراب نفسه
لم يكتفِ العمل بتقديم حالة امرأة بالغة تعيش مع ADHD، بل قدم أيضاً شخصية الطفلة “تيتو”، التي تعاني الصعوبات نفسها داخل المدرسة.
تيتو طفلة كثيرة الحركة، ضعيفة التركيز، تعاني من صعوبات دراسية ومن سوء فهم المحيطين بها. تتلقى الانتقادات باستمرار وتتعرض للتنمر من بعض زملائها، بينما تبدو عاجزة عن شرح ما يحدث داخلها.
ومن أجمل خطوط المسلسل العلاقة التي تنشأ بين زيزي وتيتو، حيث تصبح زيزي أقرب شخص إلى الطفلة لأنها تفهم تماماً ما تمر به. ومن خلال هذه العلاقة يوضح العمل كيف يمكن للتفهم والاحتواء أن يحدثا فرقاً حقيقياً في حياة المصابين بهذا الاضطراب.
كيف استعدت أمينة خليل للدور؟
لم تتعامل أمينة خليل مع الشخصية بشكل سطحي، بل خضعت لمرحلة طويلة من البحث والقراءة لفهم طبيعة الاضطراب وتأثيره على حياة المصابين به.
وقد تحدثت في مقابلات إعلامية عن محاولتها فهم طريقة تفكير الأشخاص المصابين بـ ADHD، وما الذي يحدث لهم أثناء الغضب أو التوتر أو التشتت، مؤكدة أن لديها أصدقاء يعانون من هذا الاضطراب وكانوا مصدر إلهام مهم خلال التحضير للدور.
ويظهر هذا الجهد بوضوح في الأداء الذي قدمته، حيث نجحت في تجسيد الشخصية بعيداً عن الكليشيهات المعتادة أو المبالغة الدرامية.
لماذا أثّر فيّ هذا العمل؟
على المستوى الشخصي، لم أشعر بالغربة تجاه شخصية زيزي، بل وجدت فيها الكثير من الملامح التي أعرفها جيداً. فقد مررت خلال سنوات مختلفة بمراحل من التشتت وصعوبة التركيز، سواء في الدراسة أو العمل، الأمر الذي جعلني أتفهم معاناتها وأتعاطف معها منذ الحلقات الأولى.
وأعترف أنني تأثرت ببعض المشاهد إلى حد البكاء، خاصة تلك التي أظهرت شعور زيزي بالضياع قبل أن تكتشف حقيقة ما تعانيه. فقد نجح المسلسل في تقديم شخصية إنسانية حقيقية، لها نقاط قوة وضعف، وتحاول أن تفهم نفسها في عالم لا يفهمها دائماً.
أكثر من مجرد مسلسل
في النهاية، لا يمكن اعتبار “خلي بالك من زيزي” مجرد مسلسل اجتماعي عابر. فهو من الأعمال النادرة التي استطاعت أن تجمع بين الدراما والتوعية، وأن تفتح نقاشاً مهماً حول اضطراب يؤثر في حياة ملايين الأشخاص حول العالم.
نحن هنا لسنا أمام قصة حب تقليدية أو حبكة مكررة، بل أمام عمل يسلط الضوء على حالة إنسانية قد تكون موجودة داخل أي منزل من منازلنا. ولهذا السبب أرى أن مشاهدة هذا المسلسل لا تمنح المتعة فقط، بل تمنح أيضاً فهماً أعمق للآخرين وقدراً أكبر من التعاطف معهم.
