منذ أكثر من ثمانية أشهر، يعيش مئات المعلمين والمعلمات من عفرين والمقيمين/ات في حلب، والذين كانوا/نّ يتبعون لهيئة التربية التابعة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، حالة من الانتظار المفتوح: انقطعت رواتبهم/نّ، فيما يقولون إنهم/نّ لم يتلقوا/ين توضيحاً رسمياً بشأن مصيرهم/نّ أو آلية دمجهم/نّ ضمن مؤسسات الحكومة السورية.
تأتي هذه الأزمة في سياق التحولات التي شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا منذ توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في 10 آذار/مارس 2025، والذي نص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقسد ضمن مؤسسات الحكومة السورية.
لكن بالنسبة لمعلمي/ات عفرين وحلب، يقول أصحاب الشهادات إن مسار الدمج لم يشملهم/نّ حتى الآن، رغم إرسال ملفاتهم/نّ وشهاداتهم/نّ وبياناتهم/نّ إلى الجهات المعنية، تاركاً إياهم/نّ أمام سؤال واحد: من سيتولى مسؤولية مستقبلهم/نّ المهني وحقوقهم/نّ المالية؟
ثمانية أشهر بلا رواتب ولا إجابة
يقول المعلمون/ات الذين تحدثوا إلينا إن رواتبهم/نّ توقفت مع أحداث الشيخ مقصود والأشرفية، إبان العملية العسكرية التي شنتها الحكومة السورية على الحيين بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2026، وإنهم/نّ منذ ذلك الوقت لم يعودوا/يعدن إلى عملهم/نّ، كما لم يحصلوا/ن على معلومات واضحة بشأن مستقبلهم/نّ الوظيفي.
يقول لقمان، وهو اسم مستعار لمعلم من عفرين يقيم في حلب: “بعد الأحداث التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، بقينا دون دوام، لم يتواصل معنا أحد ولم يخبرونا التحديثات.”
ويضيف أن المعلمين/ات، بحسب روايته، بقوا قرابة ثمانية أشهر من دون راتب أو عمل، بينما استمرت العملية التعليمية في مناطق أخرى ضمن ترتيبات الدمج.
ويقول لقمان إنه اضطر إلى العمل معاون باص لتأمين احتياجات أسرته، فيما اضطر معلمون/ات آخرون/أخريات، بحسب شهادته، إلى العودة إلى ريف عفرين بعد عجزهم/نّ عن دفع إيجارات المنازل في حلب.
“غياب الراتب أثر علينا كثيراً،” يقول لقمان، مضيفاً أن عدداً من المعلمين/نّ اضطروا إلى البحث عن أعمال أخرى لتأمين معيشتهم/نّ.
أما عكيد حنان، وهو أيضاً معلم من عفرين ومقيم في حلب، فيصف الوضع بصورة أكثر قسوة، قائلاً إن بعض المعلمين/ات بدأوا/ن، بحسب معلوماته، بالاستدانة أو التسول بعد بيع ما يملكونه، خصوصاً أن الراتب كان مصدر الدخل الأساسي لعدد كبير منهم/نّ.
“أرسلنا ملفاتنا.. فلماذا يطلبونها من جديد؟”
لا يُعتبر توقف الرواتب المشكلة الوحيدة لدى المعلمين/ات، فغياب الوضوح بشأن عملية دمجهم/نّ، هو المشكلة الأساسية على حد وصفهم/نّ، وفي هذا الصدد يقول عكيد إنّ المعلمين/ات أرسلوا/ن قبل نحو أربعة أشهر ملفاتهم/نّ وأرشيفهم/نّ وشهاداتهم/نّ إلى الجهات المعنية، على أساس أن عملية دمجهم/نّ ستتم ضمن كتلة واحدة، لكنهم/نّ لم يحصلوا/ن، حتى الآن، على إجابة واضحة.
وتقول خديجة كدرو المعلمة المقيمة في حلب، والتي كانت تتبع لهيئة التربية التابعة للإدارة الذاتية، إن المعلمين/ات كانوا/كنّ ينتظرون أن تنتقل ملفاتهم/نّ إلى دمشق ضمن عملية الدمج، قبل أن يتلقوا لاحقاً، رابطاً لإدخال البيانات بشكل فردي.
بالنسبة إليها، أثار ذلك مخاوف من أن تتحول عملية الدمج من دمج جماعي للمعلمين/ات الذين عملوا/ن ضمن منظومة التعليم التابعة للإدارة الذاتية إلى عملية فرز فردية لا تضمن شمول الجميع، وتقول: “حصلنا على وعود من الإدارة الذاتية بأن يتحول ملفنا إلى دمشق، ليشملنا الدمج، ثم تحججوا إن ملفاتنا ضاعت.” وتضيف أن المعلمين أعادوا إرسال ملفاتهم/نّ أكثر من مرة، دون أن يحصلوا على نتيجة واضحة.
ويقول المعلمون/ات إن المدارس بدأت تفتح أبوابها في مناطق أخرى، بينما بقي معلمو/ات عفرين وحلب خارج العملية التعليمية، وهو ما يثير لديهم/نّ مخاوف إضافية بشأن مستقبل الطلاب الذين درسوا/ن لسنوات باللغة الكردية.
ذهبنا إلى التربية في حلب ولم نحصل على جواب
في محاولة للحصول على إجابات، شكّل المعلمون/ات مؤخراً وفداً يمثلهم/نّ وتوجه إلى مديرية التربية في حلب. يقول عكيد إنهم/نّ كانوا يأملون بلقاء مدير التربية، لكن اللقاء لم يتم، وأُرسلت بدلاً منه موظفة تحدثت معهم/نّ، من دون أن يحصلوا/نّ، على إجابات حاسمة بشأن الدمج أو الرواتب.
كما طُلب منهم/نّ مجدداً تقديم ملفاتهم/نّ، رغم تأكيدهم/نّ أن الملفات سبق أن أُرسلت إلى الجهات المعنية. ويقول: “ملفاتنا موجود لديهم، لكن لا نفهم لم يتصرفون معنا بهذا الشكل.”
ويضيف أن غياب التواصل الرسمي هو أحد أكثر ما يزيد من حالة القلق بين المعلمين/ات، إذ لا يعرفون، ما إذا كانوا مشمولين/ات بعملية الدمج، ومتى ستبدأ عودتهم/نّ إلى العمل، وما مصير الرواتب المتأخرة.
ولا يطالب المعلمون/ات، بحسب شهاداتهم/نّ، بتسوية مالية فقط، بل يطرحون أربعة مطالب أساسية، أولها تثبيت المنهاج الذي كانت تعتمده الإدارة الذاتية باللغة الكردية، أسوة بالمناطق التي استمرت فيها العملية التعليمية بالكردية، مؤكدين/ات أنهم تلقوا/ين وعوداً بهذا الخصوص.
وثانيها دمج معلمي/ات عفرين وحلب والشهباء ضمن مؤسسات التعليم، ويقدّر المعلمون/ات بحسب أصحاب الشهادات في هذا التقرير، بأكثر من ألفي معلم ومعلمة، فيما يقدّر عكيد العدد بأكثر من ثلاثة آلاف، وسط غياب إحصائيات رسمية في هذا الخصوص.
وثالثها فتح مدارس قادرة على استقبال الطلاب الذين كانوا يتعلمون باللغة الكردية، إذ يقدّر المعلمون/ات عددهم/نّ بأكثر من 20 ألف طالب وطالبة. أما المطلب الرابع، فهو صرف المستحقات المالية المتأخرة وتعويض المعلمين/ات عن فترة توقف رواتبهم/نّ.
ويجد هؤلاء المعلمون/ات أنفسهم/نّ اليوم في منطقة رمادية بين مرحلتين: منظومة تعليمية كانوا يعملون ضمنها لسنوات، وعملية دمج جديدة لم تتضح لهم/نّ آليات إدراجهم/نّ فيها. وفي ظل هذه التحولات، يقول المعلمون/ات إنهم/نّ لم يحصلوا/ن على ما يعتبرونه حقهم/نّ الأساسي: إجابة واضحة.
“ليش ما اندمجنا نحن كمان؟” ، يسأل عكيد، مشيراً إلى معلمين/ات في مناطق أخرى يقول إن عملية دمجهم/نّ تمت بصورة أسرع. أما خديجة فتختصر مخاوفها بالقول إن سنوات عملها في التعليم لا ينبغي أن تنتهي بمجرد تغيير الجهة الإدارية التي تتبع لها المدارس.
وبعيداً عن الخلافات السياسية والإدارية التي رافقت عملية الدمج، يبقى السؤال الذي يطرحه المعلمون/ات: من يتحمل مسؤولية معلمين/ات أمضوا/ين سنوات في التعليم، ومن يضمن حقهم/نّ في العمل والراتب؟ حتى الآن، يقول المعلمون الثلاثة إنهم لم يحصلوا على إجابة رسمية واضحة عن هذا السؤال.
