نيكستوري – نوار هيفا
بينما كانت العدالة الانتقالية لسنوات، مطلباً مرتبطاً بمرحلة ما بعد النزاع، بدأت ملامحها تظهر وسط أسئلةٍ معقدة حول كيفية الانتقال من مطالب المحاسبة إلى بناء مسار قانوني ومؤسساتي قادر على التعامل مع إرث واسع من الانتهاكات.
ففي الوقت الذي تشهد فيه الساحة السورية احتجاجات تطالب بمحاسبة المتورطين/ات في انتهاكات بحق السوريين/ات، وتنتقد ما يعتبره البعض إعادة حضور لشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، بدأت إجراءات قضائية بحق عدد من المتهمين، بالتوازي مع انتظار إصدار القانون الناظم لعمل هيئة العدالة الانتقالية.
هذا التزامن بين بدء خطوات المحاسبة، وتأخر اكتمال الإطار التشريعي يضع مسار العدالة الانتقالية أمام تحدياتٍ متعددة؛ فمن جهة هناك مطالب شعبية متزايدة بالإنصاف وعدم الإفلات من العقاب، ومن جهة اخرى، تبرز الحاجة إلى بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تمنع تحول العدالة إلى إجراءات انتقائية أو انتقامية.
مسار بدأ قبل اكتمال أدواته القانونية
أكدت وزارة الداخلية السورية في مؤتمرٍ صحفي، وشددت فيه على أن “المحاسبة ليست مطلباً شعبياً فحسب، بل هي التزام رسمي للدولة السورية الجديدة، وركن أساسي في مشروع بناء دولة القانون والمؤسسات”، مبيناً أن الإدارة لديها 5989 موقوفاً عسكرياً، مشيراً إلى توقيف 6 مما يسمى (الدفاع الوطني) سابقاً، وعضو مجلس شعب واحد، وقاضٍ كان مشاركاً في موضوع الحكم على المعتقلين السياسيين بأحكام ظالمة وجائرة، و12 شخص مما يسمى اللجان الشعبية سابقاً، ومحقق تابع للجان الشعبية.
في المقابل، أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في تصريح، أن المحاسبة لا يمكن أن تقوم على الانتقام، بل على المسؤولية الفردية وفق الأصول القانونية، وشددت أن حق الضحايا وذويهم/نّ في معرفة الحقيقة والمطالبة بالعدالة والمساءلة هو “حق مشروع لا يمكن تجاوزه”، مؤكدةً أن العدالة الانتقالية تقوم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، مع رفض العقاب الجماعي الذي قد ينتج مظالم جديدة.
لكن التحدي الأساسي أمام هذا المسار يتمثل في غياب القانون الناظم لعمل الهيئة حتى الآن، إذ لا تزال مسوّدة القانون بانتظار المصادقة عليها من مجلس الشعب، بحسب ما توضحه رند صباغ عضوة الهيئة الانتقالية في سوريا.
وترى رند أن بناء مؤسسة العدالة الانتقالية يشكّل تحدياً بحد ذاته، موضحةً أن الجهود تركزت خلال الفترة الماضية على تأسيس البنية الإدارية واللوجستية للهيئة، عبر تشكيل الفرق واللجان، ووضع الخطط والاستراتيجيات، وتأهيل الكوادر.
وتضيف أن ضعف التمويل يمثّل أحد أبرز العوائق أمام عمل الهيئة، لما يخلقه من أثر على سرعة الإنجاز، واختيار الكوادر، وتوفير الأدوات اللازمة، إلى جانب تحديات أخرى مثل الجرائم المعقدة، ووجود عدد من المتهمين/ات خارج سوريا، والحاجة إلى أرشفة كميات كبيرة من الوثائق والمعلومات وتحليلها.
ما الذي يمكن أن تتعلمه سوريا من تجارب العدالة الانتقالية؟
لا تنظر التجارب السابقة في العدالة الانتقالية إلى إصدار القوانين باعتباره خطوة شكلية، إنما كعنصر أساسي يحدد طبيعة المسار وحدوده، وفي هذا السياق، تشير الصحفية التونسية ألفة بالحسين، التي تابعت تجربة العدالة الانتقالية في تونس، إلى أهمية أن تستفيد سوريا من التجربة التونسية، خصوصاً فيما يتعلق بضرورة وجود قانون واضح يحدد هوية الهيئة وطبيعة عملها والفترة الزمنية التي يغطيها المسار.
وتوضح ألفة أن تجربة تونس واجهت الصعوبات نتيجة طول الفترة الزمنية التي شملها قانون العدالة الانتقالية، والتي امتدت من عام 1955 حتى 2013، ما زاد من صعوبة الوصول إلى الضحايا والشهود والمسؤولين/ات عن الانتهاكات، وأثقل عمل الهيئة.
كما تشير إلى أن التحديات السياسية كانت من أبرز العوائق التي واجهت التجربة التونسية، بسبب الصدامات بين هيئة الحقيقة والجهات السياسية، محذرةً من أن عودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع النفوذ قد تشكّل تحدياً أمام مسار العدالة الانتقالية في سوريا.
وترى رند صباغ من جهتها، أن التحديات التي تواجه سوريا، تتقاطع مع تجارب دول أخرى، وتشمل عوامل سياسية، اجتماعية، داخلية، ودولية، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة ببناء مؤسسة جديدة قادرة على إدارة هذا الملف.
الإعلام شريك في بناء الوعي بالعدالة الانتقالية
إلى جانب القانون والمؤسسات، يمثل الإعلام أحد العناصر المؤثرة في نجاح العدالة الانتقالية، بحسب رند، التي ترى أن دور الإعلام يتمثل في شرح مفهوم العدالة الانتقالية، وتوضيح مساراتها، والحد من خطاب الكراهية والمعلومات المضللة التي قد تعيق هذا المسار.
وتشير ألفة إلى أن تجربة تونس أظهرت أهمية العلاقة بين هيئات العدالة الانتقالية والإعلام، موضحة أن ضعف التواصل بين الطرفين أدى إلى صدامات أثرت على عمل الهيئة، كما لفتت إلى أن الصحفيين/ات في تونس واجهوا/ن تحديات مرتبطة بضعف المعرفة القانونية بمفهوم العدالة الانتقالية وآليات عملها، الأمر الذي أثر بدوره على طبيعة التغطية الإعلامية.
وفي الحالة السورية، يبدو أن الإعلام أمام دور يتجاوز نقل أخبار المحاكمات والإجراءات الرسمية، ليصبح جزءاً من عملية تفسير هذا المسار للجمهور، ومراقبة تطبيقه، والحفاظ على التوازن بين حق الضحايا في العدالة وضرورة الالتزام بمعايير القانون وحقوق الإنسان.
ختاماً، تقف سوريا أمام مرحلةٍ دقيقة، فالمطالبة بالعدالة بعد سنواتٍ من الانتهاكات، تمثّل مطلباً أساسياً للضحايا، لكن نجاخ هذا المسار لا يرتبط فقط بمحاكمة أفراد، بل بقدرة المؤسسات على بناء عملية قانونية شفافة تضمن الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.
