لا يمكن اعتبار العدالة الانتقالية مقتصرة فقط على المحاكم وهيئات ودوائر تتولى مسائل الحقيقة وجبر الضرر، إنما تشمل أيضاً إصلاح المؤسسات العامة، وفي سوريا، يطرح ذلك سؤالاً حول الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الرقابية والمالية في هذا المسار، ومن بينها الجهاز المركزي للرقابة المالية.
الجهاز المركزي للرقابة المالية هيئة مستقلة، تهدف إلى حماية المال العام واسترداد حقوق الدولة والمواطنين من خلال أعمال التدقيق والتحقيق، وتشخيص مواطن الخلل ومعالجتها وفق الأطر القانونية، بحسب التوصيف العام لعمل الجهاز.
وفي هذا السياق، نشر الجهاز المركزي للرقابة المالية عبر منصاته الإعلامية، تحقيقاً موثقاً تناول قضية ضمن قطاع الصحة مرتبطة بمعالجة مرضى السرطان في سوريا، بدءاً من سردية الحادثة والتحقيقات التي جرت، وصولاً إلى جلسات المحاكمة واتخاذ إجراءات قانونية بحق المتورطين.
وكان ذلك بتاريخ 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، الذي شهد، بحسب المعلومات الواردة في التقرير، بدء الخطوات الفعلية من خلال الجهاز المركزي للرقابة المالية، فيما كانت هيئة العدالة الانتقالية قد نص عليها المرسوم الرئاسي رقم (20) لعام 2025، الصادر بتاريخ 17 أيار/مايو 2025، والقاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري.
وبحسب الوكالة الرسمية للأنباء “سانا“، فقد جرى خلال عام التحقيق في 246 قضية فساد مثبتة في عدد من الجهات العامة، بلغ حجم الفساد المالي فيها ما يقارب 527 مليار ليرة سورية، وأكثر من 3 مليارات دولار أمريكي، و140 مليوناً و774 ألف يورو، أما الأموال التي تم تحصيلها فعلياً، فبلغت 75 مليار ليرة سورية، و308 آلاف دولار أمريكي، و68 ألف يورو.
وعلى صعيد الإجراءات القانونية والإدارية بحق المتورطين، شملت الإجراءات إصدار 54 قرار منع مغادرة، وفرض 62 حجزاً احتياطياً على الأموال المنقولة وغير المنقولة.
تقاطع مع مسار العدالة الانتقالية
وحول أهمية العلاقة بين الجهاز المركزي للرقابة المالية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أوضح أحمد حزرومة، عضو الهيئة، أن مسار العدالة الانتقالية يتطلب جهداً متكاملاً بين مختلف القطاعات والهيئات والوزارات في سوريا.
وأضاف أن التنسيق جرى بالفعل مع عدد من الوزارات، بينها وزارات العدل والداخلية والإعلام والشؤون الاجتماعية والعمل وغيرها، بهدف التسريع في عمل الهيئة.
وقال أحمد إن عمل الجهاز المركزي للرقابة المالية طيتقاطع بشكل كبير مع مسار العدالة الانتقالية”، مشيراً إلى أنه جرى التنسيق فعلياً مع الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وأن العمل في هذا المسار يتوسع بشكل أكبر.
وأضاف: “يمكنني أن أؤكد أن قانون الهيئة سيضمن دوراً كبيراً لعمل هذه الهيئات ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا، لكن هذا الدور لا يزال مرتبطاً بإطار قانوني لم يكتمل.”
عراقيل تؤخر النتائج
وعن سبب عدم وجود مذكرات تفاهم أو لقاءات بين هذه الجهات والهيئة، أوضح أحمد أن السبب يعود إلى تأخر صدور قانون هيئة العدالة الانتقالية. وبيّن أن نصوص القانون وبنوده جاهزة ومحيطة بجميع جوانب تحقيق مسار العدالة الانتقالية في سوريا، إلا أن تأخر تشكيل مجلس الشعب للمصادقة على نص القانون حال دون الإعلان عنه والبدء بشكل جدي وأوسع بالعمل.
وأشار إلى أن الصلة بين الهيئة وهذه المؤسسات ستكون أعمق، لاسيّما فيما يتعلق بالمبالغ المستردة، موضحاً أن التنسيق سيجري للعمل على رفد جزء كبير منها لصندوق جبر الضرر، وهو ما يتم التشاور بشأنه من قبل الهيئة.
ومن جهته، أكد الجهاز المركزي للرقابة المالية، في تصريح خاص عبر مكتبه الإعلامي، أنه يعمل بشكل أساسي على مكافحة الفساد وحماية المال العام، باعتبار ذلك مدخلاً مباشراً لتحسين حياة الأهالي، وجودة الخدمات العامة، وتعزيز الحوكمة وكفاءة إدارة الموارد العامة وتطبيق القانون.
أين تذهب الأموال المستردة؟
وفيما يتعلق بمصير الأموال المكتشفة والمستردة ضمن قضايا التحقيق التي يجريها مفتشو الجهاز، أوضح المكتب الإعلامي أن العمل يقوم على تعزيز سياسة الشفافية والإفصاح الرقابي من خلال إصدار تقارير دورية علنية، سنوية أو نصف سنوية، تتضمن أبرز مؤشرات العمل الرقابي ونتائج المتابعات والتحقيقات والقضايا المكتشفة.
وتتضمن هذه التقارير أيضاً الإنجازات المحققة في مجال حماية المال العام وتعزيز النزاهة، من خلال التصريح بالمبالغ المكتشفة والمبالغ المستردة إلى خزينة الدولة.
كما يقوم الجهاز، بحسب مكتبه الإعلامي، بنشر عدد من قضايا الفساد المكتشفة عبر فيديوهات وبرامج مرئية على منصاته الرسمية، تُعرض خلالها تفاصيل القضية كما وردت في تقارير المفتشين، ونتائج التحقيقات التي خلصت إليها، بما يتيح للرأي العام الاطلاع على نتائج العمل الرقابي بصورة واضحة ومسؤولة.
صلاحيات الجهاز ومساحة عمله
وعن الجهات التي يتعاون معها الجهاز المركزي للرقابة المالية في إصدار القرارات القانونية، بيّن الجهاز أنه هيئة رقابية مستقلة تهدف إلى تحقيق رقابة فعالة على أموال الدولة ومتابعة أداء الأجهزة التنفيذية والإدارية والاقتصادية والجزائية التي ينجم عنها آثار مالية، والمكتشفة من قبله أثناء قيامه بأعمال رقابية أو المحالة إليه.
وبناءً على ذلك، لا يقتصر عمل الجهاز على جهة أو أشخاص معينين دون غيرهم. وعند ورود مخالفات تتعلق بأصحاب المناصب، تُرفع هذه المخالفات إلى رئيس مجلس الوزراء.
ووفق قانون الجهاز، يمكن للجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا، عند الضرورة، الاستعانة بمن يراه من الاختصاصيين والفنيين بصفة خبراء، ووفق الحدود التي يضعها رئيس الجهاز، على أن تحدد أجور هؤلاء الخبراء بقرار من رئيس الجهاز.
مؤسسة مساندة للعدالة الانتقالية؟
من الناحية النظرية والعملية، يمكن اعتبار الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا من المؤسسات التي تساهم في تحقيق أهداف العدالة الانتقالية، بحسب الحقوقي حسن برو، حتى وإن لم يكن قد أُنشئ أساساً كآلية من آليات العدالة الانتقالية، وحتى لو لم يكن العاملون فيه يعتبرون أنفسهم جزءاً من هذا المسار.
ويوضح حسن أن أدبيات العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكم والهيئات والدوائر ذات العلاقة بمسألة الحقيقة وجبر الضرر، بل تشمل أيضاً إصلاح المؤسسات العامة، وهو أحد الأركان الأساسية للعدالة الانتقالية، إلى جانب المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر.
وبناءً على ذلك، يرى حسن أن الجهاز المركزي للرقابة المالية يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في العدالة الانتقالية من خلال كشف الفساد والانتهاكات المالية السابقة التي ساهمت في تكريس الاستبداد أو الإضرار بالمال العام، وتوثيق التجاوزات الإدارية والمالية التي قد ترتبط بانتهاكات حقوق الإنسان أو بإساءة استخدام السلطة.
كما يمكن أن يساهم، وفق حسن، في تعزيز الشفافية والمساءلة داخل مؤسسات الدولة، وإصلاح مؤسسات الحكم ومنع تكرار الممارسات السابقة، وتوفير الأدلة والتقارير التي يمكن أن تستند إليها هيئات المساءلة أو لجان الحقيقة أو الجهات القضائية.
ويؤكد حسن ضرورة التمييز، من الناحية القانونية، بين نوعين من المؤسسات: الأول، المؤسسة الانتقالية المباشرة، وهي التي تنشأ خصيصاً ضمن برنامج العدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة أو هيئات جبر الضرر أو المحاكم الخاصة.
والثاني، المؤسسة المساندة للعدالة الانتقالية، وهي مؤسسة قائمة أصلاً وتؤدي وظائف تسهم في تحقيق أهداف العدالة الانتقالية، مثل أجهزة الرقابة المالية وهيئات مكافحة الفساد وأجهزة التفتيش القضائي ودواوين المحاسبة.
وبالتالي، فإن التوصيف الأدق للجهاز المركزي للرقابة المالية، بحسب حسن، هو أنه: “ليس من آليات العدالة الانتقالية المباشرة بالمعنى الضيق، لكنه يعد من المؤسسات الوطنية المساندة للعدالة الانتقالية، ويساهم بصورة جوهرية في محور إصلاح المؤسسات ومكافحة الفساد وضمان عدم تكرار الانتهاكات.”
وفي الحالة السورية تحديداً، يرى حسن أنه إذا تم تبني برنامج وطني للعدالة الانتقالية مستقبلاً، فمن المرجح أن يُنظر إلى الجهاز المركزي للرقابة المالية كإحدى المؤسسات التي ينبغي تفعيلها وإصلاحها وإشراكها في كشف الفساد واسترداد الأموال العامة وتعزيز المساءلة المؤسسية، وهي أهداف تتقاطع مباشرة مع العدالة الانتقالية.
ويشير إلى أن هناك دائماً ترابطاً مادياً ومعنوياً في السلطات القائمة، وأن من يستلم السلطة يستأثر بالمال، لذلك من الضروري وجود جهاز للرقابة والتفتيش لإظهار مثل هذه التجاوزات المالية بحق المختلفين أو المعارضين للسلطة القائمة.
أما فيما يتعلق بالمطابقة القانونية بين الجهتين، فيؤكد حسن أنه في حال تبين وجود أخطاء أو قصور قانوني، فإن الغاية من التقييم ليست إدانة المؤسسة بحد ذاتها، وإنما تحديد مكامن الخلل وتداركها ضمن عملية الإصلاح المؤسسي، وهو ما يشكل أحد المرتكزات الأساسية للعدالة الانتقالية.
وبينما لا يُعد الجهاز المركزي للرقابة المالية، وفق هذا التوصيف، إحدى آليات العدالة الانتقالية المباشرة، فإن طبيعة عمله في كشف التجاوزات المالية ومكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة تضعه ضمن المؤسسات التي يمكن أن تتقاطع وظائفها مع أهداف هذا المسار، على أن يحدد الإطار القانوني لهيئة العدالة الانتقالية طبيعة هذا الدور وحدوده.
