تم إنتاج هذه المادة ضمن برنامج المناخ والإعلام في سوريا الذي نفذته منظمة غران غرين، ونُشر بالتعاون بين منصّة نيكستوري ومنظمة غران غرين
“يتجه العديد من المزارعين إلى حرق بقايا المحاصيل والأعشاب في الأراضي الزراعية، في سعيهم لتسريع عملية الحرث وتوفير الوقت”، يقول رمضان عتو (57 عامًا)، مزارع من ريف ديريك/المالكية في شمال شرقي سوريا.
رمضان، الذي يمتلك أرضًا زراعية بمساحة 10 هكتارات، يمتنع تمامًا عن هذه الممارسة، مشيرًا إلى أضرارها الجسيمة على التربة والبيئة. ويوضح أن الحرق يؤدي إلى احتراق الطبقة العليا من التربة، مما يقلل الإنتاج ويؤثر على المناخ بسبب تزايد الحرائق وتراجع الهطولات المطرية.
على الجانب الآخر، يوضح شيخموس إبراهيم (60 عامًا)، مزارع يملك أرضًا بمساحة 15 هكتارًا، أنه يلجأ للحرق لتسهيل عملية الحراثة ونثر البذور. لكنه يعترف بأن هذه الممارسة تؤثر سلبًا على الحياة البرية والمواد العضوية التي تُعد سمادًا طبيعيًا للتربة.
التحليل العلمي للأضرار
توضح الخبيرة البيئية هيفين شيخو أن الرغبة في تقليل التكاليف والجهد هي من الأسباب الأساسية التي تدفع المزارعين إلى حرق بقايا المحاصيل. فهم يسعون لتجنب دفع أجور الحرث وتسريع تجهيز الأراضي لمواسم زراعية جديدة. ومع ذلك، تحذر شيخو من العواقب الوخيمة لهذا السلوك، إذ يؤدي إلى تدمير المواد العضوية والكائنات الحية في التربة، مما يسبب خللاً في التوازن البيئي ويؤثر سلباً على الإنتاجية الزراعية على المدى الطويل.
كما يدعم تقرير صادر عن الأمم المتحدة هذا التحذير، مشيراً إلى أن الحرائق الزراعية تقضي على العناصر العضوية الأساسية للتربة، والتي تلعب دوراً محورياً في تحديد درجة الحموضة، وتحسين التهوية، وتعزيز النشاط البيولوجي، ورفع مستوى المغذيات. ويؤكد التقرير أن التربة المحترقة تفقد قدرتها على امتصاص المياه والاحتفاظ بها، مما يعقد عملية التهوية ويضعف الشبكة الحيوية المعقدة في التربة. نتيجة لذلك، تصبح التربة أقل قدرة على أداء وظائفها بشكل طبيعي، مما يؤدي إلى انخفاض التنوع البيولوجي والإنتاجية الزراعية.
وأكدت المهندسة الزراعية كينا علي أن حرق الأراضي الزراعية يترك آثاراً مدمرة، منها قتل الكائنات الحية المفيدة للتربة وتحويلها من تربة خصبة إلى ذات طابع رملي. وأضافت أن هذا السلوك يدمر المواد العضوية في الطبقة السطحية للتربة، وأرجعت ذلك إلى عدم تطبيق الدورة الزراعية، مما يؤدي إلى إنهاك التربة واستنزاف المواد العضوية الضرورية للحفاظ على خصوبتها.
من جانبه، أشار المهندس إيريش شاهين إلى أن الحرائق تسبب فقدان التربة للعناصر المغذية مثل النتروجين والفسفور، وتُحدث تغييرات في توازن معادن التربة. كما تزيد من احتمالية تحول الطبقة العليا للتربة إلى طبقة طاردة للماء، مما يدمر المواد العضوية التي تُبقي التربة خصبة. وأوضح شاهين أن هذا التدهور يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية بمرور الوقت، ويجبر المزارعين على اللجوء إلى استخدام الأسمدة الكيميائية المكلفة لتعويض الخصوبة المفقودة.
في السياق نفسه، أكد تقرير للأمم المتحدة للبيئة أن الحرق الزراعي يقلل من قدرة التربة على احتباس الماء وخصوبتها بنسبة تتراوح بين 25 و30 في المائة، مما يضطر المزارعين إلى الاستثمار في أنظمة ري وأسمدة باهظة الثمن للتعويض عن الأضرار.
ورغم أن هيئة الزراعة والري في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا أصدرت في 30 نيسان الماضي تعميماً يمنع حرق بقايا المحاصيل الزراعية تحت طائلة المساءلة القانونية، إلا أن المزارعين لم يلتزموا بشكل كامل. حاولت معدة التقرير التواصل مع الهيئة لمعرفة آليات تطبيق القرار وما إذا تم تسجيل مخالفات، لكنها لم تتلق أي رد حتى الآن.
تأثير الحرائق على البيئة والصحة العامة
أوضح المهندس إيريش شاهين أن الحرائق الزراعية لها تأثيرات سلبية كبيرة على البيئة، منها انتشار الغازات الضارة كـ ثاني أكسيد الكربون، وتلوث التربة بالمواد القابلة للاشتعال مثل الكيروسين والزيوت التي تحتوي على الفلزات الثقيلة، مما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وتشكيل سحب دخانية كثيفة.
وأكدت دراسة صادرة عن Climate and Clean Air Coalition أن هذه الممارسات، رغم سرعتها وتكلفتها المنخفضة، إلا أنها غير مستدامة، حيث تنتج كميات كبيرة من جسيمات الكربون الأسود الملوثة وتقلل من خصوبة التربة.
من ناحية أخرى، تشكو خديجة محمد، وهي امرأة تبلغ من العمر 55 عاماً من ريف مدينة ديريك/المالكية، من تأثيرات هذه الحرائق على حياتها اليومية. تقول خديجة:
“كلما نشب حريق أسارع لإغلاق النوافذ والأبواب في المنزل، خشية أن أصاب بنوبة ربو نتيجة الأدخنة والغازات الناتجة عن حرق بقايا الأعشاب والمحاصيل.”
وأضافت أن مرضها بالربو يجعلها أكثر عرضة للتأثر بهذه الأدخنة، مما يزيد من معاناتها الصحية ويدفعها للبقاء في المنزل لتجنب التفاقم.
وأشارت المهندسة الزراعية كينا علي إلى أن الحرائق الزراعية تطلق غازات سامة وجسيمات صغيرة في الهواء تُعرف بـ الكربون الأسود، الذي يؤثر سلباً على جودة الهواء، مما يؤدي إلى مشاكل صحية للإنسان والحيوان. كما تسهم هذه الغازات في ارتفاع درجات حرارة الجو.
وفي تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ذُكر أن العديد من المزارعين يرون في الحرق الزراعي طريقة فعالة من حيث التكلفة لتطهير الأرض وتسميد التربة. ومع ذلك، فإن هذه الحرائق تُعتبر أكبر مصدر عالمي للكربون الأسود، الذي يمثل تهديداً خطيراً لصحة الإنسان والبيئة على حد سواء.
ما هي البدائل المستدامة؟
1- استخدام بقايا المحاصيل كأسمدة عضوية:
تحسين خواص التربة الطبيعية والكيميائية والحيوية.
إمداد التربة بالدبال، الذي يساعد على زيادة خصوبتها.
إطلاق العناصر الغذائية الضرورية للنباتات بشكل بطيء ومستدام.
تثبيت التربة وتقليل تعرضها للتآكل.
2- استخدام البقايا كعلف وحماية التربة:
كعلف للحيوانات، مما يوفر مصدر غذاء إضافياً ويقلل من الحاجة إلى الأعلاف المصنعة.
كغطاء للتربة خلال فترة الراحة، حيث:
تساعد النباتات الميتة في الحفاظ على رطوبة التربة ومنع التبخر.
تسهم في زيادة تسرب المياه إلى التربة وتحسين هيكلها.
3- استخدام البقايا كوقود حيوي:
جمع بقايا المحاصيل واستخدامها لإنتاج الوقود الحيوي، الذي يعد خياراً بديلاً عن الغاز والمواد النفطية، مما يقلل من مشاكل التلوث.
التوعية البيئية بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية وتجنب الحرق.
دعم المزارعين من خلال تقديم الإرشادات والبدائل المستدامة اللازمة من قبل الجهات الحكومية والمنظمات المعنية.
وبالتالي تعكس هذه البدائل إمكانية تحقيق توازن بين احتياجات المزارعين وضرورة الحفاظ على التربة والبيئة. كما أن الاستثمار في التوعية والدعم يضمن تطبيق هذه الحلول على نطاق أوسع.
المصادر:
https://www.unep.org/ar/alakhbar-walqss/alqst/athr-alhrwq-alzrayt-mshklt-jwdt-alhwa
https://aanesgov.org/ar/?p=12710
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D8%A8%D8%A