من التنوع يولد السلام .. قصة صديقين

“أهلاً بأخي وحبيبي أهلاً.” جملةٌ يرددها محمد شيخي الرجل الخمسيني من مدينة الدرباسية، في كل مرة يقابل فيها صديقه المقرّب خالد حسن، الخمسيني أيضاً، هذه التحية التي يمتد عمرها لأكثر من 17 عام.

في مقهى ميماس، الواقعة وسط سوق مدينة الدرباسية، والتي يملكها محمد، تشكّل نقطة التقاء يومية بصديقه خالد. 

محمد شيخي كردي، أما خالد حسن فهو عربي، والاثنان ينحدران من المدينةِ ذاتها، وقد تحوّل لقاءهما المعتاد إلى مشهدٍ مألوف لدى من يجلس في المقهى، وفي كل مرة، يتم الحديث عن هذه العلاقة التي لم تتأثر يوماً بأية حالة نزاع عاشتها المنطقة سابقاً. 

“هذان الرجلان يجسّدان معنى الأخوة الحقيقية.” هذه الجملة التي نطقها أحد الجالسين في المقهى، حين كانت معدّة القصة تتحاور معهما، وبينما يجلس محمد وخالد معاً على طاولةٍ صغيرة وسط المقهى، يبدأ الحديث عن حكايةٍ قديمة، تُروى مجدداً، عن صداقةٍ امتدت منذ مطلع شبابهما، وعن علاقةٍ اجتماعية لم تكسرها المسافات ولا الأزمات. 

صداقةٌ ورثها الرجلان عن والديهما .. 

بدأت صداقة خالد ومحمد حين كانا في الثامنة عشرة من عمريهما، ونشأت نتيجة علاقة وطيدة بين عائلتَيهما، فقد كانا والديهما صديقَين مقرّبَين، وفي إحدى الجلسات العائلية، طلب والد خالد أن يعمل محمد في معملٍ للمرطبات كانت تمتلكه العائلة حينذاك، “كنت سعيداً حينها بعرض العمل، كما رحّب والدي بالفكرة دون تردّد، وهكذا بدأت رحلتنا معاً.” يقول محمد. 

وعلى مدى 17 عامًا من العمل المشترك، لم تكن العلاقة بينهما مجرد زمالة عمل، بل تجربةً إنسانية عميقة أثرت في كل من حولهما، بحسب ما يوضّحه خالد، الذي يكمل حديثه بـ”تعلمت من محمد كيف أتحدث اللغة الكردية، وكسرنا كل الحواجز بيننا، كنا وما زلنا مثل عائلةٍ واحدة.”

يعود الفضل في التعارف بين محمد وخالد إلى والدَيهما الذين لم يختبرا خلافاً يوماً، ولطالما تُرجمت هذه الصداقة إلى علاقة قوية بين العائلتين، حيث اجتمع أفرادهما كثيراً في المناسبات، سواءً أكانت مناسبات حزنٍ أو فرح. 

“كانت والدتي تحب خالد كما لو أنّه ابنها، في الوقت الذي يتعامل أبنائي مع أبناءه كأنهم إخوة.” يقول محمد ويكمل: “هذه الصداقة دفعتني لأشجّع أبنائي على تكوين صداقات وعلاقات اجتماعية من انتماءاتٍ مختلفة، فأنا متأكد من أن التنوع هو ما يخلق السلام، ويجعل المجتمعات أقوى أكثر تماسكاً.” 

وفي الوقت نفسه، يعمل خالد جاهداً على تعليم أبناءه أن الصداقة الحقيقية، يجب أن تتجاوز الاختلاف بالانتماءات، سواءً أكان الاختلاف دينياً أم إثنياً، وأن التسامح وتقبّل الآخر من القيم التي تنعش العلاقات بين أبناء المجتمعات المختلفة، “لقد علّمت أبناء أن التنوع في العلاقات الاجتماعية والصداقات، يمنحهم الفرصة لفهمٍ أعمق للحياة.” يقول خالد. 

في الحديث المشترك لخالد ومحمد على طاولتهما، يشيران إلى أن الحي مليء بقصص مشابهة، وعلى كل طاولة في المقهى الصغير، يجتمع يومياً، أشخاصٌ من انتماءاتٍ مختلفة، ويعيشون معاً لعقودٍ طويلة من الزمن، في علاقاتٍ بُنيت على أساس الاحترام المتبادل. 

ما يجمع أبناء المنطقة دافع للتغلب على أية محاولة تحريض 

للبحث عن فرصة عمل، انتقل محمد في إحدى السنوات مع عائلته إلى دمشق، واستقر فيها لفترةٍ طويلة، لكن بعد المسافة لم يشكّل عائقاً أمام استمرار التواصل مع خالد، ورغم صعوبة القدرة على التواصل حينذاك، إلا أنهما كانا يطمئنان على بعضهما وعائلتيهما، كلّما سنحت الفرصة. 

يستذكر محمد أحد المواقف التي واجهها، حيث كانت انتفاضة مدينة قامشلي في الأحداث التي شهدها الملعب البلدي بمدينة قامشلي في آذار العام 2004، أثناء تواجد محمد في دمشق، حين كثُر الحديث عن الشقاق الذي ستعانيه العلاقة بين المجتمعين العربي والكردي في سوريا عموماً، وشمال شرقها خصوصاً، لكن محمد كان أكثر إصراراً أن صداقته مع خالد نموذج للعلاقات التي تجمع بين أبناء المنطقة، والتي يمكنها أن تتغلب على أية محاولة لضرب حالة السلم الأهلي بين المجتمعات المتنوعة المتعايشة في هذه البقعة الجغرافية. 

وفي الإشارة إلى الأحداث المتزامنة مع التغيرات التي تشهدها سوريا مؤخراً مع سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر من العام 2024، يؤكّد محمد وخالد أن موقفهما واضح في رفض الحملات والمحاولات التي تهدف لزرع الفتنة أو زعزعة العلاقات بين أبناء المناطق السورية ككل. 

“ما يجمعنا اليوم أقوى من كل محاولات الفتن، فإننا نعيش معاً لأجيالٍ متعاقبة، وإنّ صداقتنا نموذج يمكن البناء عليه واستخلاص نتيجة تفيد بأن العيش المشترك ليس شعار، بل واقع ممكن إن ترسخت لدينا قيَم تقبّل الآخر.” يقول خالد.

“بالفعل إن علاقاتنا في هذه المنطقة مبنية على المحبة والاحترام، وهذه القيم يجب أن تكون أقوى في مواجهة أي خطاب تحريضي، وأداة فاعلة لسلام دائم بيننا.” يقول محمد. 

في مختلف الأزمنة والحالات التي تمر بها المنطقة، يحرص كل من محمد وخالد على نقل الصورة المشرقة لصداقتهما وامتدادها لتشمل عائلتيهما، في محاولةٍ لترسيخ الوعي في محطيهما المجتمعي، بهدف إبقاء هذا الوعي سدّاً أمام أية حالة طارئة تمر بها المنطقة، وسط محاولاتٍ لزعزعة حالة التماسك المجتمعي في سوريا وشمال شرقها. 

وهي ليست مجرد صداقة بين رجلين، بل قصة تحمل في طياتها رسالةً عن التسامح والتعايش بين مكونات المنطقة، وتكشف كيف استطاعا أن يجعلا من صداقتهما نموذجاً يتحدث عنه الجميع، ويراه أبنائهم وأهل الحي مصدر إلهامٍ في مختلف الظروف، بحسب ما يختماه به حديثهما.