ما وراء الخيوط .. سيداتٌ خلقن سوريا مصغّرة في “أحلام صغيرة”

الشغف بالعمل الإنساني، كان العامل المشترك الذي جمع سيّداتٍ في شمال شرقي سوريا، ودفع بهنّ لإنشاء مساحة تنطلق منها نساء من مختلف المناطق السورية نحو الاستقلال الاقتصادي وبناء مشاريعٍ صغيرة، هذه المساحة التي سمّيت بـ “أحلام صغيرة” تحمل في طيّاتها أحلاماً كانت صغيرة وباتت تكبر يوماً تلو الآخر. 

فاطمة خليل سيدة أربعينية من مدينة قامشلي وهي محلمية الأصل (إحدى العشائر العربية في منطقة الجزيرة السورية)، أتقنت حياكة الصوف مذ كانت في سنٍّ صغيرة، ولم تكتفِ بالحياكة، إنّما نقلت هذه المهارة إلى الكثير من أهالي الحي الذي تقطنه، كما كانت تساعد النساء في تأمين المواد الأولية، وبيع الإنتاج أيضاً. 

احتضنت إحدى الجمعيات المحلية فاطمةَ لتعمل فيها، تعرّفت هناك على نساءٍ أخريات، من بينهنّ سهام أحمد، حيث جمعتهما علاقة صداقة قوية بعدئذ، وفي الوقت الذي أتقنت فيه النساء الأعمال اليدوية، دفعهن الأمر للعمل في إطار مجموعة، أطلقن عليها اسم “أحلام صغيرة”، وكانت الخطوة الأولى، التحضير لمعرض بهدف عرض أعمالهن.

بدأت المجموعة بما يقارب من 15 سيدة، ويتجاوز عددهن اليوم 70 سيدة، وعلى الرغم من التحديات والصعوبات التي واجهنها، إلا أنهن يعملن جنباً إلى جنب بهدف مساندة بعضهن في مواجهة الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة. 

رحلة سيداتٍ نحو تبادل الثقافات والاستقلال الاقتصادي

سهام أحمد سيدة أربعينية من مدينة قامشلي، كُردية بدأت العمل الإنساني منذ ما يقارب من 15 سنة، وكانت البداية من تقديم المساعدة للنازحين/ات من مناطق سورية مختلفة نحو مناطق شمال شرقي سوريا نتيجة الحرب السورية، حيث قامت برفقة أشخاص من محيطها المجتمعي بتأمين المستلزمات الرئيسية للنازحين/ات، وعملت تطوعياً في منظمات المجتمع المدني والجمعيات المحلية لأكثر من ثماني سنوات. 

“في إحدى الجمعيات، عملت ضمن لجانٍ نسائية مختصة بالعمل على مناهضة العنف ضد المرأة، ومن بينهن كانت فاطمة، ودارت نقاشات مطوّلة بيننا وكان التساؤل هو: كيف يمكننا مساعدة النساء من حولنا، وخاصة اللواتي تعرّضن لأنواع مختلفة من العنف، على أن تكون مساعدتنا ذات أثرٍ مستدام؟” تقول سهام. 

بدأت فاطمة وسهام بزيارة بعض النساء، والاطّلاع على أحوالهن، قدّمن الدعم النفسي للبعض منهن، فيما قدّمن مواداً أولية للواتي امتلكن مهارة العمل في مهنةٍ يدوية، وفي ظل هذه الزيارات كانت تكبر مجموعة “أحلام صغيرة” شيئاً فشيئاً. 

“استطعنا أن نكمّل بعضنا البعض، ونفذنا مبادرات عديدة، لا زالت بعضها مستمرة حتى الآن، حيث نقوم بتوزيع القرطاسية في بداية كل عام دراسي، ونشتري ملابس الأعياد للأطفال اليتامى، وكل ذلك عبر التبرعات من أهالي المنطقة، وفي كل مرة نشعر بأهمية الترابط المجتمعي الذي يتيح لنا تقديم المساعدات للمحتاجين.” تقول فاطمة. 

بدأت “أحلام صغيرة” في عام 2020، واحتضنت أحلامَ سيداتٍ سوريات وطموحاتهن بالاستقلال الاقتصادي، كما كانت المساحة التي تعرّفت من خلالها تلك النسوة على ثقافاتهن المختلفة، حيث تواجدت في المجموعة نساء من انتماءات إثنية ودينية مختلفة، وكذلك من مدن سورية مختلفة، من دمشق وكوباني، والرقة، وحمص وإدلب وغيرها، وعملن معاً على تطوير مهاراتهن.

لم يقتصر عمل تلك السيدات على تطوير مهاراتهن فحسب، بل قمن بتنظيم مبادرات مجتمعية، حيث جمعن التبرعات لتقديم وقود التدفئة، وترميم المنازل، والحلاقة المجانية للأطفال اليتامى، ومساعدة الحالات الصحية للأشخاص الذين يعانون/ين من أوضاع مادية صعبة، بحسب ما توضحه فاطمة.

سيدات من مجموعة أحلام صغيرة

 

أحلام صغيرة تعيد تعريف التكافل المجتمعي 

رابعة الحماد، سيدة أربعينية من مدينة دير الزور، نزحت إلى مدينة قامشلي في عام 2016، وتتقن حياكة الصوف وصنع المونة المنزلية، عملت أيضاً في الجمعية المحلية التي عملت فيها فاطمة وسهام، وساهمت في تأسيس مجموعة “أحلام صغيرة”. 

تقول رابعة إنها عايشت بعض التخوفات في بداية استقرارها في مدينة قامشلي نتيجة الصورة النمطية للعلاقة بين أهالي محافظتَيّ حسكة ودير الزور، والتي كانت تبيّن أن العلاقة سيئة بين المنطقتين، إلا أنه سرعان ما تلاشت هذه الصورة، حين تمكنت رابعة بالفعل من بناء صداقات وعلاقات مجتمعية قوية مع أهالي المنطقة.

“وجودي في مجموعة “أحلام صغيرة” لم يتح أية فرصة لأشعر بأنني في مكانٍ غريب عني، شعرتُ دوماً أنني بين عائلتي، حتى بات هذا التآلف ينتقل لأبنائنا، وأنا شخصياً تلقيت دعماً كبيراً من إدارة المجموعة.” تقول رابعة. 

كل ما تأمله رابعة اليوم أن تحصل المجموعة على دعمٍ كافٍ حتى تتاح الفرصة للمشاريع التي بدأنَ بها أن تكبر، وأن تتاح الفرصة لسيّداتٍ أخريات لأن يبدأن بمشاريعهن الخاصة، حيث تُدار هذه المجموعة بحسب ما تصفه رابعة على أساس الإيمان بطاقة النساء، ولا يوجد أي تمييز على أساس الانتماء.

“وجودي بين نساء من انتماءاتٍ مختلفة ساعدني في التعرف على اللهجات المختلفة للمدن السورية.” تقول رابعة. 

أما فاطمة فإنها تطمح ليومٍ تتمكن فيه من تنظيم مَعارض من مالها الخاص، لمساعدة النساء على عرض أعمالهن، وشراءها منهن، وعلى الرغم من كل التحديات، إلا أنها تتلقى دعماً كبيراً من عائلتها ومن زوجها على وجه الخصوص، الأمر الذي يساعدها في السعي لتحقيق هدفها الأكبر وهو تفعيل دور النساء في المجتمعات السورية. 

“نقوم الآن بفتح باب الانضمام للفتيات أيضاً، لأننا نعي بأن الفئة الشابة هي الأقدر على إحداث التغيير، وأننا نحتاج في مجتمعاتنا لهؤلاء لكي ننهض بالاقتصاد وبمختلف مجالات الحياة من جديد،” تقول سهام وتضيف بأنّ اللحظات الإيجابية عند التحضير لأيّ معرض أو أية مبادرة كفيلة بأن تساعدهن في اجتياز التحديات والعقبات أمام الاستمرار في العمل، وتشير إلى أنّ المجموعة ساهمت كثيراً في اعتماد النساء على أنفسهن، وبَنَت ثقتهنّ بأنفسهن، كما خففت الأعباء المادية والنفسية والاجتماعية، وأن حياة سيدات تغيرت بالكامل، في الوقت الذي بُنيت فيه علاقات مجتمعية قوية يمكنها أن تتجاوز أية أزمات أو حالات طارئة تمر بها البلاد، وتشير سهام أيضاً إلى أنها تتلقى دعماً كبيراً من زوجها وعائلتها لتتمكن من الاستمرار في إدارة المجموعة، والوصول إلى يومٍ تتحقق فيه طموحات جميع النساء ضمن المجموعة.