“جمعتنا مع هذه العائلة جيرة لسنواتٍ طويلة، لكن لم أتخيل يوماً أن أسكن معهم في غياب عائلتي، ليصبحوا هم عائلتي الثانية.” تبدأ زينب قصتها مع جيرانها بهذه الكلمات، القصة التي حملت في طيّاتها، محبة وود جمعت بين عائلتين مختلفتين بانتمائها الإثني، وسط مدينة الرقة في شمال شرقي سوريا.
زينب الشيخ امرأة تبلغ من العمر 30 عاماً، وتنحدر من عائلة كردية من مدينة الرقة، عاشت طفولتها فيها، لتغادرها مع عائلتها بعد مرور عامٍ على وفاة والدها، وسيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على المدينة في عام 2014، حيث استقرت في مدينة حماه لأربع سنوات، أنهت فيها زينب دراستها في كلية التربية، لتعود بعد ذلك مع عائلتها إلى الرقة في عام 2017، بعد هجرة أخيها إلى إحدى الدول الأوروبية.
عادت زينب إلى منزلها الذي شوّهت الحرب ملامحه، وبدأت رحلة البحث عن عمل، وتمكنت أخيراً من الحصول على فرصة عمل في إحدى المنظمات الإنسانية، وخلال ساعات عملها الطويلة، كانت والدتها تقضيها في زيارة جارتها بعد فراقٍ دام لسنوات، إلا أنهما اضطرا للفراق مجدداً، بعد أن حصلت والدة زينب وشقيقها على حق “لم الشمل” في عام 2021، في الوقت الذي قوبل طلب زينب بالرفض، ومن هنا أخذت حياتها منحىً آخر.
“عشنا حالة من التخبط، ورفضت والدتي السفر وتركي وحيدةً، رغم أنني حاولت إقناعها وبأنني سألتحق بهم حالما يحصل طلبي على الموافقة، لكنها بقيت رافضة إلى أن تدخلت جارتنا أم محمود وعرضت عليّ أن أسكن في منزلها.” أم محمود سيدة خمسينية، تعيش مع زوجها المسن وبناتها، وصديقة مقرّبة لوالدة زينب، خلقت صداقتهما علاقة وطيدة بينهما، امتدت لسنواتٍ طويلة.
بيت الجارة .. ملاذٌ في وجه الغياب
“في بداية سفر عائلتي، اقتضى عملي أن أغيب عن المنزل لساعاتٍ طويلة، كنت أعود بعدها وأتناول بعضاً من الطعام، وأتوجه بعدها إلى منزل جيراننا، لم يكن هذا التغيير سهلاً في البداية، لكن مع مرور الوقت، بدأت ألتمس الحب والدفء من هذه العائلة.” تقول زينب وتكمل إنّ جارتها ساعدتها في تغطية أثاث منزل العائلة، ونقل أغراضها الشخصية إلى غرفة بناتها الثلاث لتستقر هناك بشكل دائم.
في ظل استقرار زينب في منزل جيرانها، نشأت علاقة صداقة قوية بينها وبين دارين (الابنة الوسطى لأم محمود) حيث تشاركا الغرفة والأحاديث الطويلة نهاية كل يوم.
“في البداية، كنت رافضةً فكرة استقرار شخص من خارج العائلة في منزلنا، خاصةً وأنّ زينب مختلفة بانتمائها الإثني، وظننت أن ذلك قد يخلق بعض المشكلات، إلا أن ظني كان خاطئاً، وجمعتنا صداقة قوية فيما بعد.” تقول دارين.
دارين تبلغ من العمر 29 عاماً، درست الهندسة الزراعية وتخرجت في عام 2019، ولم تجد عملاً لها في ظل تخوّفها من العمل في مهنةٍ لا تمت بصلة لاختصاصها العلمي، إلا وجود زينب والأحاديث التي جمعت بينهما، دفعتها للقبول ببدء البحث عن عمل مهما كان نوعه، كما أنها ساعدتها في الانخراط في نشاطات تطوعية لمنظمات المجتمع المدني، كانت البداية لفرصة عمل حصلت عليها فيما بعد في إحدى المنظمات المدنية في المنطقة.
“كانت زينب تحدّثني كل مساء حول ضرورة استثماري لشهادتي، واكتساب خبرات جديدة لأحظى بفرصة عمل، وحدثني كثيراً عن ضرورة مساهمتي في نشر الوعي المجتمعي، وتحسين معيشة عائلتي، وكانت النتيجة حصولي على عمل جيد،” تقول دارين.
حين دخلت زينب إلى عائلة جيرانها، واستقرت معهم، تبدلت أحوال العائلة، فقد ساعدت دارين بإيجاد عمل، وكانت تشعر دوماً أنها تحمل جزءاً من مسؤولية المنزل، بحسب ما ترويه أم محمود، وتكمل: “احتضنتها كما لو أنها ابنتي الرابعة، وتواصلت مع والدتها باستمرار لأطمئنها عليها.
“لو لم تكن جارتي على هذا القدر من الإخلاص، لما تمكنت من الإقدام على هذه الخطوة، فأنا أعرف جوهرها جيداً، إنها سيدة عربية أصيلة.” تقول عايدة والدة زينب، المرأة الكردية الستينية، والأم لولدين وابنة واحدة، والتي أحبت زينب كثيراً كونها الفتاة الوحيدة للعائلة، وكانت مبادرة جارتها باباً للأمل بأن ابنتها ستتمكن من المحافظة على عملها، وستبقى مطمئنة بوجودها في حضن عائلةٍ لم تفرّق بين زينب وبقية أولادها.
“عدت إلى الرقة منذ أشهر قليلة، ووجدت ابنتي ومنزلي في أفضل حال، اليوم تتركني ابنتي لتنام في غرفتها بمنزل الجارة، لقد تعلقت بهم إلى هذا الحد.” تقول عايدة.
تقول زينب ودارين أن صداقتهما، ومن قبلها صداقة والدتيهما، تغلبت على كل الحواجز والعوائق التي حاولت منع هذه العلاقة من التوطيد، نظراً لأن انتمائهما الوطني، ومحبتهما الصادقة، وتمسكهما بهويتَيهما، جعلت العلاقة قوية، وواجهت التحديات كافةً، وكانت دافعاً لتمزيق كل ما قد يفرّق بين المختلفين/ات بالانتماء.