على مدى عقودٍ مضت، ورغم كل ما كانت تمر به البلاد من ظروفٍ قاسية، لعبت النساء السوريات دوراً حيوياً في مختلف المجالات، سواءً أكان في العمل السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، ولم يتوقفن عن النضال لأجل حقوقهن، والمشاركة في مستقبل البلاد.
في الوقت الحالي، ومع اقتراب سوريا من مرحلةٍ جديدة، وفي ظل الترقب للتغيير القادم، تبرز بعض التساؤلات حول الدور الذي يجب أن تلعبه النساء في سوريا، وذلك في الوقت الذي لا تزال فيه النساء في مواجهة تحدياتٍ كبيرة قانونياً، واقتصادياً، واجتماعياً، والتي تشكّل عائقاً للكثيرات منهنّ في المشاركة الفعّالة في الحياة العامة، حيث يبقى الأمل معقوداً على الأجيال الجديدة من النساء اللواتي يسعين لكسر الحواجز والمشاركة في صنع التغيير.
يقوم هذا التقرير بمناقشة رؤى مجموعة من النساء السوريات الناشطات في الشأن العام، حول دور المرأة في سوريا الجديدة، والتغييرات الأساسية التي يتطلعنّ إليها، إلى جانب التحديات التي تواجههن، وأهم الخطوات المطلوبة لدعمهنّ في تحقيق طموحاتهن.
هل ستكون المرأة السورية شريكة في بناء المستقبل؟
إنّ وضع النساء في سوريا الجديدة لا يدعو للتفاؤل بشكل كبير، ويأتي هذا التخوّف نتيجة الكثير من النتائج التي ظهرت مؤخراً، ومنها البيان الختامي لـ “مؤتمر الحوار الوطني” الذي عُقد في دمشق بتاريخ 24، و25 شباط/فبراير 2025، والذي استثنى بشكل واضح، قضايا المواطنة وعدم التمييز على أساس الجنس، بحسب ما توضحه صباح حلاق الباحثة والمدربة في قضايا النساء والمواطنة، وتضيف أنّ بيان المؤتمر لم يتناول حقوق المرأة بشكل مستقل، بل تم إدراجها ضمن قضايا الأطفال، إضافةً إلى غياب نظام “كوتا” لضمان تمثيل النساء.

في المرحلة الحالية، من الضروري أن تلعب النساء دوراً محورياً في مختلف مراحل تشكّل سوريا الجديدة، انطلاقاً من المرحلة الانتقالية لصياغة الدستور، وانتهاءً بالانتخابات الرئاسية، وصولاً إلى استقرار البلاد، حسب ما تراه الناشطة المدنية ناز حمي، التي تؤكّد على أنه يجب ألّا يقتصر دور النساء في قضاياهن وحسب، بل أن يمتد لمساحات العمل الاقتصادي والسياسي وغيرها، لتكون شريكةً فاعلة ومؤسسة لهذه المساحات.
وتكمن أبرز التحديات أمام تفعيل دور النساء، في عدم وضوح شكل العملية السياسية والإدارية في سوريا، الأمر الذي يجعل من هذه القضايا في إطار النقاش والتكهنات فقط، حيث ترى الحقوقية والناشطة المدنية شروق أبو زيدان أنّه إلى جانب غموض المرحلة الحالية، لا تزال التحديات التقليدية نشطة، فلا زالت العادات والتقاليد والأعراف، والنصوص التمييزية في القوانين، إلى جانب العامل الاقتصادي، والنظرة النمطية للعمل السياسي والمجتمعي بالنسبة للمرأة، حواجز متينة أمام تفعيل الدور المطلوب للنساء.
وتشير شروق إلى أنّ ضعف الوعي بالحقوق والواجبات، أيضاً من التحديات التي من الضروري تسليط الضوء عليها، وذلك على الرغم من أن النساء قطعن أشواطاً كبيرة خلال السنوات الماضية عبر انخراطهن في العمل السياسي، ونشاطهن الكبير في عمل منظمات المجتمع المدني، لذا فإنه يجب على المدافعات عن حقوق النساء معارضة أية محاولة تحييد للنساء عن أيّ قطاعٍ كان، لضمان مشاركتهن في مختلف القطاعات والمجالات في البلاد.
وفي السياق ذاته، تشير ناز حمي إلى أنه اليوم وفي ظل بيئة سياسية جديدة في سوريا، هناك تحدي هام أمام النساء، وهو عدم القبول بالعودة إلى ما كنّ عليه من قبل، وتشدّد على أهمية مقاومة التعاطي أو تمثيل النساء كنموذج واحد، في ظل هيمنة الرجال كما هو ظاهر حتى الآن من الحكومة السورية المؤقتة.

“في سوريا هناك أعداد كبيرة من النساء العاملات، والقادرات على ترسيخ فكرة السلام والسلم الأهلي، والإغاثة، وسيكون لهنّ دور كبير في نيل حقوق النساء.” تقول صباح حلاق.
خطواتٌ كثيرة مطلوبة لدعم النساء في سوريا
إنّ وجود قوانين عادلة وصارمة، تحارب التمييز والعنف على أساس الجنس، هو الضمان الأمثل لتحقيق تكافؤ الفرص، وتعزيز مشاركة النساء الفعلية في التغيير القادم في سوريا، وفق ما تراه صفاء طه المديرة التنفيذية لمنظمة رائدات السلام، التي تطمح لـ “أن تكون سوريا الجديدة البلاد التي تتيح الفرصة للنساء كي يكنّ شريكات حقيقيات في بنائها.”
وتشير صفاء إلى أنّ الإصلاح يبدأ بوجود قوانين منصفة للنساء، وضمان تنفيذها بشكل فعلي، وتوفير فرص التعليم والتدريب المستدامة، بالإضافة إلى وجود برامج لرفع الوعي المجتمعي تجاه أهمية مشاركة كافة الفئات المجتمعية ومن ضمنها النساء في التغيير القادم.
حتى تكون القوانين هي الضامن، يجب أن يكون مرجعها دستور متوافق مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وأن يكفل هذا الدستور المواطنة المتساوية بين الجميع، ويضمن تطبيق المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادقت سوريا عليا، وبالتالي فهناك حاجة إلى تعديل القوانين بما يلغي أي تمييز ضد النساء، تقول شروق أبو زيدان.
“أتمنى من كل امرأة أن تدافع عن حقها في التعليم، والعمل، والاختيار، وصولاً للمشاركة، لأن غياب الوعي بهذه الحقوق يؤدي لغياب القدرة على المطالبة بها وخوضها،” تقول شروق وتضيف أن التعويل هو على الأجيال الشابة لتكون المُحدِثة للتغيير.

الطريق نحو بلادٍ تكون فيها النساء شريكات فاعلات لا يزال طويلاً وصعباً، هكذا توصفه صباح حلاق التي تؤكد على ضرورة النضال ووجود تشبيك حقيقي بين جميع الحركات النسوية، مهما كان اختلاف خلفياتها، فالأمر الجامع يتطلب توحيد الجهود للوصول إلى النتيجة المطلوبة لتحسين واقع النساء السوريات.
“يجب علينا نحن النسويات أن نقوم بالتغيير، إلى جانب النص الدستوري، يجب أن توضع آلية واضحة لمشاركة النساء، والتدابير الإيجابية لوصولها لصنع القرار، وجندرة جميع القوانين، لسد الفجوات الكبيرة بين فرص وحقوق وحريات النساء.” تقول صباح.
لا يجب الاكتفاء بتعديل القوانين فقط، حيث يتطلب الوضع الراهن إطلاق مبادرات وبرامج تنموية لتزويد النساء بالمهارات اللازمة للمنافسة في سوق العمل، إلى جانب تعزيز دور المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المحلية التي تعمل على تمكين النساء وتشجيع مبادراتهن، بحسب ما تراه الناشطة المدنية ناز حمي.
ختاماً يمكن القول إنّ تحقيق المساواة والعدالة للمرأة السورية، يبقى تحدياً كبيراً، لكنه ليس مستحيلاً، فمن خلال تطوير القوانين، توفير فرص العمل والتعليم، وكسر القوالب النمطية، يمكن تمهيد الطريق نحو مجتمع أكثر عدالة وإنصافاً للمرأة، حيث تكون شريكة حقيقية في بناء البلاد.