انخفاض الدولار لم يغيّر الواقع.. لماذا تبقى الأسعار مرتفعة؟

“كأن الدولار لا ينخفض إلا على الورق!” بهذه الكلمات يصف نضال داوود، وهو عامل يومي من مدينة الدرباسية بشمال شرقي سوريا، الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الأهالي في عموم مدن المنطقة، فعلى الرغم من ارتفاع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، بعد سقوط النظام السوري في الثامن من كانون الأول/ديسمبر من عام 2024، إلا أن الأسعار في الأسواق لا تزال مرتفعة ولم تعكس هذا الانخفاض، ما زاد من معاناة الأهالي، وخاصة ذوي/ات الدخل المحدود.

يقول نضال: “الأسعار ترتفع مع كل قفزة للدولار، لكن عندما ينخفض، يبرر التجار عدم خفض الأسعار بحجج غير منطقية، مثل أنهم اشتروا البضائع عندما كان سعر الدولار مرتفعاً، أو أن الانخفاض الحالي للدولار غير حقيقي وسيتبعه ارتفاعٌ جديد.”

في الأسابيع الأخيرة، شهدت الليرة السورية تحسناً ملحوظاً أمام الدولار، حيث انخفض سعر الصرف مقارنة بالفترات السابقة، ليسجّل عند إعداد هذا التقرير 9000 ليرة سورية مقابل الدولار الواحد، لكن هذا التحسن لم ينعكس على الأسواق، فأسعار المواد الغذائية، والمحروقات، والألبسة، وحتى الخدمات، بقيت على حالها، بل إن بعضها استمر بالارتفاع، وكأن الدولار لم ينخفض أبداً.

هذا التناقض بين انخفاض سعر الصرف وثبات الأسعار في الأسواق دفع بالكثير من الأهالي إلى تقليص نفقاتهم/نّ، والتخلي عن بعض الاحتياجات الأساسية، بعدما أصبحت الرواتب غير كافية لتغطية المصاريف الشهرية.

تؤكد إيمان محمد، وهي موظفة من مدينة قامشلي، أن ارتفاع قيمة الليرة السورية مقابل الدولار لم يسهم في تحسين وضعها المعيشي، بل على العكس، باتت تشعر بأن قدرتها الشرائية تتراجع أكثر فأكثر.

وتقول: “راتبي كان يكفيني لشراء حاجيات المنزل بالكامل قبل أشهر، أما الآن فقد اضطررت لتقليل المصاريف والاستغناء عن بعض الكماليات، مثل الفواكه واللحوم التي كانت تُعد من الضروريات. كنا نأمل أن يؤدي انخفاض الدولار إلى تحسّن أوضاعنا، لكنه لم يؤثر على الأسعار إطلاقاً.”

وتضيف: “ما كنت أشتريه بمبلغ 50 دولاراً لم أعد أستطيع شراءه اليوم حتى بـ 100 دولار.”

التجار يبررون.. لكن المعاناة مستمرة

يقول فرمان الزعيم، وهو صاحب أحد المحال التجارية لبيع المواد الغذائية في مدينة قامشلي: “أنا أحرص على تسعير البضاعة وفق سعر الدولار اليومي، وهو ما يجب أن يحصل فعلاً، لكن هناك تجار جملة بدأوا بالتعامل بالليرة السورية، ما دفعني لقطع التعامل معهم، والمشكلة أن بعض التجار يرفضون خفض الأسعار بحجة أنهم اشتروا البضاعة بسعر مرتفع، رغم أن الجميع يعلم أن الأسعار تُعدّل بسرعة عندما يرتفع الدولار!”

في ظل هذا الواقع، يجد العمال/العاملات المياومون/ات والموظفون/ات من ذوي/ات الدخل المحدود أنفسهم/نّ الأكثر تضرراً، فالدخل الشهري ثابت ولا يتغير بتغير سعر الصرف، بينما الأسعار في الأسواق تبقى مرتفعة، ما يضعهم/نّ أمام معادلة صعبة هي، إمّا تقليل النفقات إلى الحد الأدنى، أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية تكاليف المعيشة.

يقول نضال داوود: “المشكلة ليست فقط في ثبات الأسعار، بل أيضاً في تراجع فرص العمل، فمع ارتفاع الأسعار وثبات الأجور، لم يعد بإمكاننا تأمين قوت يومنا كما في السابق، وباتت الحياة أكثر صعوبة، وأصبحنا نعيش يوماً بيوم دون أي قدرة على الادخار أو التخطيط للمستقبل.”

وترى إيمان أن السبب الرئيسي وراء استمرار هذه الأزمة هو غياب الرقابة الحكومية على الأسواق، حيث لا توجد جهات تفرض على التجار خفض الأسعار بما يتناسب مع انخفاض الدولار، ما يسمح للبعض بالتلاعب بالأسعار وتحقيق أرباح مضاعفة دون أي مساءلة.

لماذا لم تنخفض الأسعار رغم تحسن سعر الصرف؟

رغم التحسن الملحوظ في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار خلال الفترة الأخيرة، لا تزال الأسعار في الأسواق مرتفعة، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التناقض وتأثيره على الوضع الاقتصادي والمعيشي للأهالي. وبينما يتحدث البعض عن تلاعب التجار وعدم التزامهم بالتسعيرة العادلة، يرى آخرون/أخريات أن المشكلة أعمق من مجرد سعر الصرف، وأن هناك عوامل اقتصادية وسياسية تتحكم بالسوق بعيداً عن العرض والطلب التقليدي.

يكشف همام الربيعي، من مكتب المدينة للصرافة والحوالات بمدينة قامشلي، بعض تفاصيل التغيرات التي طرأت على سعر الدولار، موضحاً كيف لعب بعض التجار وأصحاب رؤوس الأموال دوراً أساسياً في هذه التقلبات، ويقول: “عند دخول هيئة تحرير الشام إلى حلب، كان سعر الصرف 15,500 ليرة لكل دولار، لكن بعض التجار من إدلب استغلوا الوضع ورفعوا السعر بشكل مصطنع، حيث اشتروا كميات ضخمة من الدولار من الأسواق بهدف إضعاف النظام السوري اقتصادياً وتسريع سقوطه، هذا التلاعب رفع السعر إلى 32,000 ليرة سورية، ولكن بعد التغيرات السياسية وسقوط النظام السوري، عاد كبار التجار في المنطقة للعب لعبتهم وخفضوا السعر بشكل حاد، حتى وصل إلى 7,000 ليرة فقط!”

ويوضح همام أن السعر الرسمي في ذلك الوقت 15,000 ليرة، لكن بعض التجار حولوا أموالهم إلى الدولار عندما كان بسعر منخفض، ليتم رفعه مجدداً إلى 14,500 ليرة، ما جعل الناس تتوقع انخفاضاً إضافياً، فبدأوا بتخزين الليرة السورية على أمل أن تهبط الأسعار. لكن في الواقع، السوق بالكامل مبني على الإشاعات وليس على بيانات اقتصادية حقيقية.

ويضيف أن الحكومة لم تصرف أموالًا كافية على الرواتب أو مؤسساتها، ما جعل الأموال متكدسة في البنك المركزي دون تداول حقيقي، وهذا ما أدى إلى عدم تأثير سعر الصرف على الأسواق، موضحاً: “اليوم، وصل الدولار إلى 9,500 ليرة سورية، لكن الأسعار لا تزال على مستويات 16,000 ليرة، لأن الناس توقفت عن الإنفاق خوفاً من التقلبات، خاصة أولئك الذين يتلقون حوالات مالية، فهم يصرفون أموالهم فقط عند الحاجة.”

 

 

ترى جودي أوسي، الموظفة في محل صرافة وحوالات بمدينة قامشلي، أن التغيرات في سعر الصرف أثرت على الحوالات المالية، لكنها لم تنعكس بوضوح على الأسواق. تقول: “من خلال عملي في مجال الصرافة، لاحظنا زيادة في الحوالات المالية القادمة من الخارج بسبب انخفاض سعر الدولار، لكن المشكلة أن التجار لم يتفاعلوا مع هذه التغيرات، والسبب الرئيسي هو أنهم اشتروا الدولار بأسعار مرتفعة سابقاً، ولا يثقون بأن السعر الحالي سيبقى مستقراً.”

وتضيف أن الحل لا يكمن فقط في ضبط سعر الدولار، بل في وضع سياسات اقتصادية واضحة، قائلة: “يجب أن يكون هناك توازن بين ضخ الليرة في الأسواق وبين فرض رقابة صارمة على الأسعار لضمان تناسبها مع التغيرات في سعر الصرف، كما يجب دعم القطاعات الإنتاجية، لأن الاعتماد المفرط على الاستيراد يجعل أي تقلب في الدولار يؤثر بشكل مباشر على الأسعار.”

هل يشهد السوق انخفاضاً قريباً في الأسعار؟

على الرغم من الأزمات المتلاحقة، لا يخفي بعض الخبراء والخبيرات تفاؤلهم/نّ بإمكانية حدوث تحسن اقتصادي إن لم تطرأ أية مستجدات سياسية أو عسكرية تؤدي إلى اضطرابات جديدة.

آلان اليوسف، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي بجامعة بروكسل في بلجيكا، يشير إلى أن التغير السياسي الأخير أثر بشكل كبير على الاقتصاد السوري، حيث أدى ضخ كميات كبيرة من الدولار من الخارج، خاصة من العائدين/ات إلى سوريا بعد سقوط النظام السوري ، إلى زيادة الطلب على الليرة السورية، مما رفع قيمتها، كما ساهمت الحوالات الخارجية في زيادة المعروض من العملات الأجنبية، مما عزز ارتفاع قيمة الليرة السورية.

إلى جانب العوامل الاقتصادية، لعبت العوامل النفسية دوراً رئيسياً، حيث دفع التفاؤل بتغير النظام، العديد من الأهالي إلى الإيمان بأن السوق سيتحسن، مما زاد الطلب على الليرة وخفض المعروض منها، فارتفعت قيمتها بشكل ملحوظ.

أما عن عدم انخفاض الأسعار رغم ارتفاع قيمة الليرة، فيرى آلان أن الأمر أكثر تعقيداً من مجرد تحسن سعر الصرف، فالطلب المتزايد الناتج عن التفاؤل الاقتصادي أدى إلى ارتفاع الاستهلاك، مما قلل من حساسية الأهالي تجاه الأسعار، وأتاح للتجار فرصة الإبقاء على الأسعار مرتفعة لزيادة أرباحهم.

من جهة أخرى، يؤكد آلان أنّ البنية التحتية التجارية لا زالت ضعيفة بعد سنوات الحرب، كما أن العقوبات المفروضة تعيق حركة الاستيراد، مما يجعل استجابة الأسواق بطيئة لأي تغير في العرض والطلب. وحتى مع تحسن قيمة الليرة، لا تزال التكاليف مرتفعة بسبب ضعف شبكات التوريد وغياب الرقابة الفعالة، مما يعرقل انخفاض الأسعار، كما أن المخاوف من عدم الاستقرار الأمني تجعل المستثمرين مترددين في ضخ أموالهم في السوق، إذ يخشون من اندلاع أزمة جديدة قد تؤدي إلى خسائر فادحة. لذلك، فإن إعادة تنشيط السوق وخفض الأسعار يتطلبان وقتاً طويلًا، ربما يمتد لعام أو أكثر، حتى تستعيد الشبكات التجارية قوتها وتتحقق الثقة بالوضع الاقتصادي الجديد.

ويوضح آلان أن هناك عدة سيناريوهات يمكن أن تؤدي إلى تحسن الأوضاع، قائلًا: “إن لم تندلع حرب جديدة، فقد نرى تحسناً في الوضع الاقتصادي خلال العام المقبل. قد تصل مساعدات خارجية، أو تزداد فرص العمل، مما يعني توفر سيولة نقدية أكبر في السوق، وهذا سيؤدي إلى تحريك عجلة الاقتصاد وتشجيع عمليات التصدير والاستيراد.”

ويؤكد آلان أن السوق بحاجة إلى مرونة أكبر ليكون قادراً على التجاوب مع التغيرات، موضحاً: “إذا زادت فرص العمل والاستثمارات، فإن الناس ستتمكن من الادخار أو الاستثمار في مشاريع صغيرة، مما يعزز النشاط الاقتصادي. لذلك، من الضروري أن يراقب الأهالي الوضع بعناية لمعرفة كيفية استغلال الفرص المتاحة بأفضل طريقة ممكنة.”