في بيتٍ متواضع بريف مدينة قامشلي، ولد عبد الحكيم لأبٍ حُرمَ من الجنسية السورية في إحصاء الحسكة عام 1962، ولأمٍّ أجنبية اكتسبت لاحقاً صفة “مواطنة”، وظلا حتى الآن غير متزوجين في السجلات الرسمية، ومنذ ذلك اليوم، بدأت سلسلة الانتهاكات التي رافقت العائلة في كل مراحل حياتها، والتي لم تكن استثناءً بل نموذجاً لمصير آلاف العائلات الكُردية في سوريا، ممن حُرموا من الجنسية، فأصبحوا مكتومي القيد.
يقول عبد الحكيم هولي (52 عاماً): “كان لدي اثنان من أعمامي وعمّة مسجّلون كمواطنين، لكن والدي الذي اعتُقل عام 1959 على خلفية توزيعه منشورات حزبية، حين جاء إحصاء عام 1962، راجعوا قائمة أسماء للمعتقلين من المنطقة، وكان من بين الأسماء اسم والدي الذي منعوه من الحصول على الجنسية، وعلى مدار سنوات، حاول والدي الاعتراض ثلاث مرات، لكن دون جدوى.”
حرم عبد الحكيم وإخوته من التعليم بسبب صفتهم كمكتومي القيد، واضطروا لترك المدرسة، فيما تابع أعمامه حياتهم كمواطنين. لاحقاً، ورغم السماح لبعض أبناء هذه الفئة بإكمال دراستهم، اصطدموا بسلسلة عراقيل، بدأت من المرحلة الإعدادية، ولم تنتهي عند أبواب الجامعة وسوق العمل وحتى الزواج.
“كنت أحلم أن أدرس الزراعة، وكان إخوتي موهوبين، لكن لم يكن لدينا مستقبل ولا الحق في الحلم به” يقول عبد الحكيم.
مع انتقال العائلة إلى المدينة، كبرت الفجوة، حيث لم يكن التنقل بين المحافظات متاحاً بسهولة، وكانت السلطات تمنعهم من الإقامة في الفنادق أو العلاج في المستشفيات، كل شيء كان يتطلّب “الهوية”، التي لم يمتلكها عبد الحكيم: “كنا ننام عند الأقارب، أو نستأجر بيتاً باسم صديقٍ يحمل جنسية سورية، حتى المواد التموينية التي توزّعها الحكومة، كنّا نضطر لشراء قسائمها من الأهالي بأسعار مضاعفة.”
تزوجتُ بعمر 39 عام، فلم ترضَ العوائل تزويج بناتها لشخصٍ بلا جنسية، وكانوا يعتبروننا بلا مستقبل،” حاول عبد الحكيم رفع دعوى قضائية في محكمة القامشلي عام 2012، طالب فيها بحقه في الجنسية وتعويض عن سنوات الحرمان، يقول إن القاضي أُصيب بالذهول، لأنه أول من يقدّم شكوى من هذا النوع، فوعده برفع الدعوى مع ملفه إلى دمشق، لكن لا شيء تغيّر.
تمكنت والدة عبد الحكيم من الحصول على الجنسية السورية بعد عام 2011، بعد سنوات من اعتبارها من أجانب حسكة، وفي الوقت ذاته، عَلِم عبد الحكيم أن من حق مكتومي القيد التسجيل لدى المؤسسات الحكومية، إلّا أن الوعود تبخّرت في دواليب البيروقراطية. يقول عبد الحكيم إنهم راجعوا أكثر من جهة رسمية، لكن الجواب كان دائماً: “لم يصل الملف بعد”، وفي العام 2019، حين اتجه للمؤسسات الحكومية لمتابعة أوراقه، أخبرته الموظفة أن السيارة التي كانت تحمل أوراقهم إلى دمشق “انفجرت”، ليذهب معها كل أمل بتغيير واقعه.
ومع لجوء بعض أفراد العائلة إلى أوروبا، وجدوا أنفسهم أمام معضلة جديدة: “أخي في ألمانيا، وقدّم نفسه مكتوم القيد، وحصل على إقامة لثلاث سنوات، لكن بعد انتهائها طُلب منه جواز سفر سوري لتجديدها، وهو ما لا نملكه كمكتومي قيد.”
والأصعب من ذلك بحسب عبد الحكيم، أنه في بعض السنوات التي بدأت الحكومات الأوروبية تقديم بعض التسهيلات لمكتومي/ات القيد بعد فهم وضعهم/نّ، فإنّ بعض السوريين/ات باتوا/ن يقدّمون أنفسهم/نّ كمكتومي/ات قيد زوراً، للحصول على حق اللجوء أو الإقامة، ما أدّى إلى تشديد الدول الأوروبية على هذا الملف، وأفقده مصداقيته في نظرهم.
“نحن أبناء هذا البلد، لم نطلب أكثر من حقنا في أن نكون جزءاً منه، أن نملك أوراقاً، ونعامل كبشر.” يقول عبد الحكيم.

الجذور التاريخية والقانونية لقضية مكتومي القيد في سوريا
قضية مكتومي/ات القيد في سوريا لا يمكن فهمها خارج سياقها التاريخي والسياسي، إذ ترتبط ارتباطاً مباشراً بتطور أنظمة الحكم في سوريا. بحسب الكاتب والباحث فارس عثمان، فإنّ جذور القضية تعود إلى بدايات الإحصاءات السكانية في سوريا تحت الحكم العثماني، حيث اقتصرت على الرجال في ولايتَيّ دمشق وحلب عام 1861، قبل أن تتسع تدريجياً وتخضع لاحقاً لإشراف سلطات الانتداب الفرنسي، التي أسّست أول سجل للنفوس عام 1922، ليبقى المرجع الرسمي للسكان حتى ما بعد الاستقلال في عام 1946.
بحسب عثمان، فإن الحكومة السورية حاولت عام 1947 تنظيم إحصاء جديد، إلا أنه شابهُ الفوضى والأخطاء، ولم يتمكن من تسجيل الغالبية، ما أدى إلى تأجيل العملية حتى عام 1960، حين أُجري أول إحصاء رسمي في عهد الوحدة مع مصر. بعد سنةٍ واحدة فقط، ومع الانفصال عن مصر، بدأ التحضير لإحصاء استثنائي في محافظة الحسكة فقط، بقرار من الحكومة السورية عام 1962 بالمرسوم رقم 93. يُشير عثمان إلى أن هذا الإجراء كان مُسيّساً بامتياز، إذ استُخدم خطاب التخوّف من “الخطر الكُردي” كمبرر لإقصاء الكُرد في الحسكة، رغم وجودهم/نّ في مناطق أخرى أيضاً مثل عفرين وكوباني، ولم يكن لهذا التخوّف أي أساس من الصحة.
ويؤكد عثمان أن عملية الإحصاء نُفّذت في يوم واحد فقط، بتاريخ 5 تشرين الأول/أكتوبر 1962، عن طريق 300 موظف تم تدريبهم مسبقاً على التعامل مع السكان/الساكنات على أنهم/نّ غير سوريين/ات، أوراقهم مزورة وأصولهم أجنبية، ويضيف أن هؤلاء الموظفين كانوا يُرافَقون غالباً من قبل مختار أو وجيه محلي، وأن الإحصاء أُنجز على عجل، دون استكمال حتى بيانات بعض العوائل نفسها. بعد انقلاب حزب البعث عام 1963، احتُفظ بسجلات الإحصاء كما هي، واعتمدت لاحقاً عام 1965 كأساس رسمي، بحسب عثمان.
أدّت نتائج الإحصاء إلى حرمان 120 ألف كردي/ة من الجنسية السورية، وتصنيف نحو 75 ألفاً آخرين كمكتومي/ات قيد – أي غير مسجّلين/ات في أي سجل رسمي من سجلات الحكومة – وهو ما شكّل بداية مأساة طويلة. يقول عثمان إنّ هؤلاء المكتومون/ات لم يكن لديهم/نّ أي وجود قانوني: لا يستطيعون تسجيل أولادهم/نّ، أو امتلاك أملاك، أو الزواج، أو العمل في المؤسسات العامة، أو حتى النوم في فندق، ويشير إلى أن الحكومة السورية كانت تطلق عليهم في البداية تسمية “أجانب تركيا”، قبل أن تغير التسمية إلى “أجانب الحسكة” بعد احتجاج تركي رسمي.
اعترفت الحكومة السورية للمرة الأولى عام 1996 بوجود 120 ألف أجنبي/ة، وحوالي 400 ألف مكتوم/ة، بناء على تقارير دولية. لاحقاً، صدرت وثائق مؤقتة تُعرف بـ”الورقة الحمراء”، تُدوّن فيها عبارة “مكتوم القيد”، وتُختم من المختار فقط، دون أن تمنح حاملها أي حقوق قانونية، بحسب ما يوضحه عثمان، ويؤكد أن الجهود السياسية، سواءً أكانت عبر وفود أو عرائض، لم تلقَ أية استجابة حقيقية من الحكومات السورية المتعاقبة، مضيفاً أن النظام السوري قام عام 2011 بتجنيس فئة “أجانب الحسكة” دون أن يشمل مكتومي/ات القيد.}
من جانبه، يؤكد الباحث القانوني والقاضي السابق رياض العلي أن هناك عدة آليات قانونية قابلة للتطبيق لتسوية أوضاع مكتومي القيد بعد سقوط النظام السوري السابق، منها إصدار قانون خاص من قبل برلمان ما بعد المرحلة الانتقالية، يُبسّط إجراءات منح الجنسية بناء على الأصل السوري والإقامة، أو تعديل قانون الجنسية السوري رقم 276 لعام 1969 ليشمل هذه الفئة بشكل صريح، ضمن شروط معينة ميسّرة، كما يرى أنه من الممكن اعتماد الشهادات المجتمعية من مختارين، رجال دين أو منظمات مجتمع مدني، كبدائل عن الوثائق الرسمية المفقودة.
ويقترح العلي إنشاء لجنة وطنية مستقلة تُمنح صلاحيات قضائية أو شبه قضائية للنظر في طلبات التجنيس وتسوية الأوضاع بأثر رجعي، ويضيف أن التجارب الدولية، رغم محدوديتها، تقدم إشارات مهمة يمكن الاستناد إليها، مثل تجربة النيبال عام 2007، التي شهدت خفضاً ملحوظاً في حالات انعدام الجنسية من خلال إجراءات تشريعية شاملة. كما يشير إلى إمكانية الاستفادة من المواثيق الدولية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية خفض حالات انعدام الجنسية لعام 1961، مؤكداً أن سوريا ملزمة بموجب دستورها الانتقالي الحالي بتطبيق ما وقّعت عليه من هذه الاتفاقيات.
ويرى العلي أن المؤسسات الحقوقية، محلياً ودولياً، تملك دوراً أساسياً في توثيق حالات مكتومي القيد، تقديم الدعم القانوني، والضغط على السلطات، سواءً أكان من خلال التقارير أو المناصرة أو دعم المبادرات التشريعية المستقبلية، كما يؤكد أن الدعم المطلوب اليوم لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يشمل أيضاً الدعم النفسي والاجتماعي، خاصة في ظل الأزمات النفسية والوصمة التي يعاني منها الكثير من المكتومين، إضافة إلى ضمان حقوقهم في التعليم والرعاية الصحية والعمل حتى قبل حصولهم على الجنسية.
ويختم العلي بأن أية تسوية عادلة لهذا الملف يجب أن تندرج ضمن مشروع وطني شامل للاعتراف بالمسؤولية، وإعادة الاعتبار لفئة مكتومي القيد، وتعويضهم قانونياً ومعنوياً، وإدراج قضيتهم ضمن أولويات العدالة الانتقالية والإصلاح الدستوري في سوريا المستقبل.
التهميش الإعلامي لقضية مكتومي القيد بعين صحفية خاضت التجربة
تقول الصحفية أفين يوسف من مدينة قامشلي إنها لم تكن تفهم في طفولتها معنى أن تكون “مكتومة القيد”، حتى بدأت ملامح هذه الصفة تظهر بقوة في حياتها اليومية. كانت في السادسة من عمرها عندما رفضت إدارة المدرسة في ريف دمشق تسجيلها لعدم امتلاكها وثائق رسمية، واكتفى والدها بتقديم شهادة تعريف من مختار الحي. تكررت التجربة في المرحلة الإعدادية، حيث واجهت الطلب نفسه من إدارة المدرسة: “نريد إثباتات رسمية”.
في سن المراهقة، بات والدها أكثر صراحة، وقال لها بحزن شديد إنه كان مواطناً سورياً، إلا أن الجنسية سُحبت منه خلال إحصاء عام 1962، مبرزاً هويته السورية القديمة التي لم يعد معترفاً بها.
تتذكر أفين موقفاً حاسماً في حياتها، عندما أرادت التقدّم لامتحانات الشهادة الثانوية، وأصر أمين السر على إحضار هوية رسمية، رافضاً اعتماد شهادة التعريف، لتتوجه إلى وزارة التربية بهدف طلب استثناء كما حصل سابقاً في الإعدادية، لكن طلبها رُفض بعبارة مكتوبة بالحبر الأحمر: “مرفوض لأسباب سياسية”. بذلك، حُرمت من متابعة تعليمها أسوةً بأشقائها الأكبر منها.
لاحقاً، وبعد زواجها، تعرّضت أفين لاستجواب أمني أثناء سفرها من حسكة إلى ريف دمشق. في كراج إحدى المدن، استُدعيت من قبل أحد الضباط بعد أن لاحظ أنها لا تحمل هوية، عندما سألها الضابط عن بطاقة تحملها، أوضحت أنها بطاقة “معسكر الشبيبة” وتستخدمها للسفر لعدم امتلاكها أية وثيقة أخرى، حينها سألها الضابط ساخراً: “ما الذي يثبت أن الطفل الذي معك هو ابنك؟”. فبادرت بإجابة سريعة: “إذا استطعتَ أخذه من بين يدي دون أن يبكي، فهو لك.” بكى الطفل فور اقتراب الضابط منه، فأنهى الأخير الاستجواب وطردها من الغرفة، وسمح لها بإكمال السفر.
في عام 2011، أصدرت السلطات السورية مرسوماً لتجنيس الأجانب، وكانت أفين وعائتلها قد تحولوا من مكتومي القيد إلى أجانب، وبموجب المرسوم الصادر عام 2012، حصلت أفين على الهوية السورية بعد ثلاثة عقود من الانتظار، لكنها ترى أن الإجراء جاء متأخراً: “نلنا أوراقنا، لكن من يعوّض سنوات الحرمان والمعاملة السيئة؟.”
وترى أفين، من موقعها كصحفية، أن الإعلام المحلي لم يتعامل مع قضية مكتومي القيد بالجدية التي تستحقها: “الإعلام لا يزال موجّهاً ومؤدلجاً، ويُهمل الصحافة الاستقصائية، رغم أن هذه القضية يجب أن تكون قضية رأي عام،” تقول أفين، مضيفةً أن تجاهل هذه الفئة مستمر، ولا تُستحضر قضيتهم إلا في سياقات سياسية، لا إنسانية.
