“لم يتبقّ من علاقتنا سوى رسالة يومية للاطمئنان، كثيراً ما تتحوّل إلى شجار يفضي إلى قطيعة تمتد لأيام”، تقول آهين عبد الرحمن من مدينة ديريك/المالكية، متحدثةً عن العلاقة التي باتت تربطها بزوجها بعد سفره إلى أوروبا، على أمل لمّ شمل العائلة في المستقبل القريب.
منذ وصوله إلى ألمانيا في عام 2022، تعيش آهين برفقة بناتها الأربع في انتظار اليوم الذي يجتمعن فيه مجدداً كأسرة واحدة، لكن مرور السنوات، وتراكم التحديات النفسية والمادية أضعف علاقتها بزوجها وزعزع الاستقرار العاطفي للأسرة.
“حين سافر زوجي، بعنا كل ما نملك من أثاث وأدوات منزل، ظناً منا أننا سنلتحق به خلال فترةٍ قصيرة، انتقلنا للعيش مؤقتاً في منزل أحد الأقارب، لدرجة أنني لم أُدخل بناتي إلى المدارس، ظناً مني أن السفر قريب، لكن الآن، وبعد ثلاث سنوات، أعدت شراء كل ما يلزم مجددًا، بعدما باتت فكرة السفر بعيدة المنال.” تقول آهين.
حالة آهين لا تشكّل استثناءً، بل تعكس واقع مئات العائلات السورية التي تفككت بعد سفر أحد الأبوين إلى أوروبا، على أمل لمّ الشمل في بلد آمن، لكن هذا الأمل تلقّى مؤخراً ضربة قاسية بعد صدور قرارٍ رسمي عن الحكومة الألمانية في 9 نيسان/أبريل 2025، يقضي بتعليق لمّ شمل العائلات الحاصلة على الحماية الثانوية لمدة عامين.
بين الانتظار، والخذلان، والانفصال الطويل، تتفاقم الآثار النفسية والاجتماعية على الأسر السورية، بينما تبقى قرارات الهجرة معلّقة بمصير سياسي وإداري لا يراعي دائماً تفاصيل الحياة اليومية للناس.
من حلم إلى عبء.. لمّ الشمل الذي صار وجعًا مؤجلًا
“افترقت أنا وعائلتي منذ سنتين، وما زلنا ننتظر لمّ الشمل،” بهذه الكلمات يصف محمد أوسو، الذي هاجر إلى ألمانيا عام 2023، بداية معاناته مع البعد عن أسرته، التي تركها خلفه على أمل اللقاء القريب، ويكمل: “تأثرت علاقتي الزوجية بشكل كبير، إذ سادها التوتر والبعد، وبدأت تظهر علامات عدم الثقة بيني وبين زوجتي بسبب تأخير لمّ الشمل.”
يقول محمد إن التواصل بينه وبين عائلته أيضاً بدأ يواجه صعوبات تقنية وعاطفية، وذلك بسبب سوء جودة الإنترنت في سوريا، وفي الوقت ذاته، فإنّ المكالمات المرئية غير كافية لبناء علاقة عائلية بينه وبين أطفاله كما يصف محمد حالته، خاصةً أن أطفاله يكبرون دون أن يروا والدهم إلا عبر الصور والفيديو.
حين علم محمد وعائلته بقرار تعليق لمّ الشمل، عاشوا حالة اكتئاب شديد، وفقدان الأمل بأن تجتمع العائلة من جديد، وجميع الأحلام والوعود التي كانت تتلقاها زوجته وأطفاله بأن يعيشوا داخل منزلٍ واحد، “تبخرت”، يقول محمد: “اليوم نحن أمام خيارين، إما أن ننتظر سنتين حتى يُعاد فتح ملف لمّ الشمل، أو أن أترك ألمانيا وأعود لسوريا أو أي بلاد أخرى أتمكن فيها من لقاء عائلتي.”
يعيش محمد بين خيارين صعبين، أحد آلاف السوريين/ات العالقين/ات في انتظار لمّ الشمل، يتأرجح يومياً بين الأمل المنقوص بالبقاء في ألمانيا، أو العودة إلى سوريا بحثاً عن حياة تجمعه مجدداً بعائلته. وعلى الضفة الأخرى من الوجع، تعيش سمية، أم لثلاثة أطفال في تركيا، خيبة متزايدة مع مرور كل يوم دون لقاء.
سمية التي اختارت الحديث باسم مستعار، تنتظر منذ قرابة عامين لمّ شملها مع زوجها المقيم في ألمانيا، لكن الانتظار طال، والقرار الأخير بتعليق لمّ الشمل زاد من أوجاعها وأوجاع أطفالها الثلاثة، تقول سمية: “قضينا سنتين في العذاب والقهر، خصوصًا حين يسألني أطفالي باستمرار عن اللقاء مع والدهم، كلما مر الوقت تزداد علينا الصعوبات.”
إلى جانب الأثر النفسي، تعاني العائلة من ضغوط اقتصادية، حيث توضح سمية أن زوجها يتقاضى راتباً قليلاً لا يكفي لتغطية احتياجاته، مما يدفعها لمحاولات متكررة للحصول على عمل، لكن دون نتيجة حتى الآن، وهذا الانفصال الطويل أثّر بشكل مباشر على علاقتها بزوجها، كما تقول: “كل هذه الأمور أثّرت كثيراً على علاقتنا الزوجية، والبعد الطويل أضعف العاطفة بيننا، خاصةً أن التواصل فقط عبر الهاتف.”
بينما تكافح سمية وحدها في تركيا لرعاية أطفالها، والتمسك بما تبقى من أمل بلقاء شريك حياتها، لا يختلف حال أياز اليغمور، من مدينة قامشلي ومقيم في ألمانيا، عن هذه المعاناة المتكررة التي تتشابه في كلّ قصة لمّ شمل عالقة.
“أنا متزوج وأب لطفلتين، الكبرى عمرها 8 سنوات والصغرى 5 سنوات، قدمت إلى ألمانيا في العام 2022، وتقدّمت بطلب لمّ الشمل في العام 2023، أي منذ أكثر من سنتين ونصف،” يقول أياز ويتحدث عن واقع عائلته المقيمة حالياً في إقليم كردستان، حيث اضطرت زوجته إلى الانتقال برفقة الطفلتين بسبب الحاجة إلى رعاية طبية ونفسية.
“ابنتي الصغرى تعاني من تسرّع في القلب، وحالتها النفسية صعبة جدًا. بعد القرار الأخير بتعليق لمّ الشمل، رفعنا تقريرًا طبيًا إلى منظمة IOM، آملين بالحصول على موعد قريب في السفارة، لكننا تلقينا رفضاً والمبرر أن الحالة ليست مهددة للحياة.” يقول أياز.
عائلة أياز اليوم بلا أوراق نظامية، ومعرّضة للترحيل، في وقت باتت فيه الحياة اليومية أكثر قسوة على الأم والطفلتين، ويعبّر أياز عن حزنه قائلاً: “القرار كارثي من الناحية النفسية والعاطفية والاجتماعية، زوجتي تعاني، وبناتي محرومات من أبسط حقوقهنّ مثل التعليم والذهاب إلى المدرسة، وهذا يخلق توترًا داخل الأسرة.”
رغم تواصله اليومي مع عائلته عبر “واتساب”، لا يمكن لهذا أن يعوّض غياب الأب الحقيقي. ويردف أياز:
“دوري في مقابلات لمّ الشمل قريب جداً – رقمي هو 169، وحاليًا بلغ الدور الرقم 167 – لكن القرار جاء كصفعة بعد ثلاث سنوات من البُعد. نأمل أن يُعاد النظر، على الأقل في ملفاتنا القديمة.”
على الطرف الآخر من المشهد، في مدينة قامشلي، تنتظر آية عيسو زوجها منذ أكثر من سنتين، وهي أم لطفلة لم تُكمل عامها الثالث بعد، تقول إنّ القرار الأخير شكّل صدمةً حقيقية لها ولزوجها، خاصة على المستوى النفسي، حيث زادت الصعوبات في إدارة شؤون الحياة اليومية، لكنها تحاول التماسك بمساعدة الأهل ودعم زوجها عن بُعد، وتقول: “لا أخشى انهيار علاقتنا رغم البُعد، هناك الكثير من التحديات وسنتخطاها سوياً”، تؤكد آية بثقة، إلا أن الألم الحقيقي – كما توضّح – يقع على الطفلة الصغيرة التي تفتقد والدها في مرحلة عمرية حرجة.
ما وراء الانتظار .. تداعيات نفسية واجتماعية لتعليق لمّ الشمل
لالش عتو، وهي أم لثلاثة أطفال، تعيش منذ ثلاث سنوات وشهرين تجربة البُعد عن زوجها الذي سافر إلى ألمانيا بهدف لمّ الشمل الذي لم يتحقق حتى الآن، تصف لالش هذه السنوات بأنها من الأصعب في حياتها، إذ اضطرت لتحمّل دور الأب والأم، دون القدرة على تلبية كامل احتياجات أطفالها النفسية والمادية.
“طفلتي الصغرى لا تعرف والدها ولا تميل له عاطفياً، فقد كان عمرها سنة واحدة عندما سافر، أما أطفالي فإنهم يسألون باستمرار عن والدهم، ولا أملك جواباً شافياً لهم، وهذا أكثر ما يمزّق قلبي.” تقول لالش وتضيف أنها مع تراكم الضغوط، لجأت إلى الأطباء النفسيين وبدأت بتناول أدوية مضادة للاكتئاب، محاولةً فقط “الاستمرار”، تقضي أيامًا طويلة في البكاء حتى الصباح.
ومع إعلان قرار تعليق لمّ الشمل الأخير، وجدت العائلة نفسها أمام منعطف قاسٍ، فقررت أن يعمل الزوج في الغربة لسنة إضافية ثم يعود إلى سوريا، حتى لو كان ذلك على حساب مستقبله هناك، “نتواصل يومياً، لكن لا أشاركه كل معاناتي حتى لا أزيد من عبئه، وهذا ما يجعلني أتحمل الضغط وحدي”، تضيف لالش.
الحالة التي تعيشها لالش ليست فردية، بل تمثل نموذجاً واسع الانتشار في مجتمعات اللجوء، وهو ما تؤكده الاختصاصية النفسية كوثر أومو، التي تعتبر البعد القسري عن الشريك/ة والأبناء شكلاً من أشكال الصدمة النفسية، التي تحمل آثاراً شديدة على الطرفين.
تشير كوثر إلى أن هذا النوع من الانفصال يُسبب اضطرابات نفسية للزوجين، تبدأ بالقلق والاكتئاب، مرورًا بإحساس دائم بالعجز، واضطراب في الأدوار، وتآكل في العلاقة العاطفية، لاسيّما مع غياب الأمل بلمّ الشمل. تقول: “ما يحدث مع هذه العائلات لا يتوقف عند الشعور بالحزن فقط، بل يتحول إلى اضطرابات نفسية عميقة قد تؤدي إلى التفكك الأسري، خاصة إذا غاب التواصل الفعال والدعم الخارجي.”
أما الأطفال، كما توضح كوثر، فهم الأكثر هشاشة وتأثراً بهذا الانفصال الطويل، إذ تظهر لديهم/نّ مشاكل في التعلّق العاطفي، سلوكيات مضطربة، وأحياناً صعوبات في التعلم أو تأخر عاطفي وضعف في الثقة بالنفس، يضاف إلى ذلك خطر انتقال الصدمة النفسية المعروفة علميًا بـ”الصدمة العابرة للأجيال”، حيث يحمل الطفل أو الطفلة عبء ألم الأسرة دون وعي.
وتؤكد كوثر أن التحديات لا تُحل فقط بإعادة لمّ الشمل قانونياً، بل تتطلب منظومة دعم نفسي واجتماعي وقانوني، تشمل استشارات أسرية، تدخلات تربوية للأطفال، وتوعية مجتمعية تحارب وصمة الصحة النفسية، فإن طالت فترة الانفصال لعدة سنوات أو غاب الأمل، قد يؤدي ذلك إلى الانفصال العاطفي أو الطلاق، أو تباعد العلاقات بين الآباء والأبناء.
من جهتها، ما زالت سارة (اسم مستعار)، شابة عشرينية من مدينة عامودا في شمال شرقي سوريا، تنتظر منذ ثلاث سنوات أن يجمعها بيت واحد بزوجها الذي يعيش في إحدى الدول الأوروبية بعد حصوله على الإقامة، تصف سارة بداية الفراق بقولها: “في البداية شعرنا بالفقد واللهفة لبعضنا، لكن مع مرور الوقت تحولت هذه المشاعر إلى ضرر نفسي وخيبة أمل.”
قرار تعليق لمّ الشمل زاد من الضبابية واليأس، كما تقول: “علاقتي مع زوجي تتأزم، ومع مرور الوقت تختفي كل المشاعر والعواطف التي كانت تجمعنا، لا سيما العجز الذي أحدثه قرار وقف لمّ الشمل الذي اختفى معه أمل أن يعيش ولدي ضمن عائلة مستقرة.”
هذا الشعور بالإحباط والعجز، يفسره المحامي جلال أمين ضمن إطار قانوني أعقد مما يبدو. يوضح أن معظم اللاجئين/ات السوريين/ات حصلوا/ن على الحماية المؤقتة وليس الكاملة، وهذا يعني أن لمّ الشمل لهم/نّ كان استثناء أكثر من كونه حقاً مكفولاً. ويضيف: “في وقت سابق، تم تعليق لمّ الشمل من 2016 حتى 2018، ثم أعيد فتحه، أما الآن، فالقرار جاء نتيجة ضغط كبير، والمتضررون هم بشكل أساسي حاملو الإقامة المؤقتة.”
فيما يتعلق بالحلول القانونية، يشير جلال إلى أن المسار القضائي، وإن كان متاحاً، لا يقدم ضمانات فورية، بل قد يستغرق سنوات: “يمكن تقديم طعن أمام المحكمة الإدارية العليا أو الدستورية، لكن المدة قد تتجاوز السنتين، ما يجعل جدوى هذه المسارات ضعيفة عملياً.”
كما لا يعلّق جلال الكثير من الأمل على الاحتجاجات أو الاعتصامات: “التأثير الحقيقي يكون عبر الانخراط السياسي، والسوريون للأسف لا يشاركون بفاعلية في الأحزاب أو الهياكل السياسية، وبالتالي يغيب صوتهم حين يُتخذ قرار كهذا داخل البرلمان.”
