يقضي سعيد عمر (60 عامًا) يومه بين صناديق النحل التي يعتني بها منذ أكثر من ثلاثة عقود في ريف مدينة ديريك/المالكية في أقصى شمال شرقي سوريا. لم تكن تربية النحل مجرد مصدر رزق، بل شكّلت انتصارًا على إعاقته الحركية، وأصبحت جزءًا من حياته وملاذًا روحيًا، وورثها لأبنائه.
لكن اليوم يواجه سعيد تحديات متزايدة تهدد استمرار هذا الإرث. فقد أثرت التغيرات المناخية والجفاف بشكل مباشر على صحة النحل وإنتاجه، نتيجة تراجع الغطاء النباتي وندرة الرحيق، “أخاف على نحلي كما أخاف على أطفالي”، يقول سعيد بعين يقظة وشغف يرافقه قلق عميق.
تتزايد التحديات التي تواجه مربي النحل في شمال شرقي سوريا مع كل موسم، فإلى جانب الجفاف وتراجع الأمطار، زادت سنوات الحرب من تدهور القطاع الزراعي وغياب السياسات البيئية المستدامة، بحسب ما يوضحه سعيد، حيث يعتمد الإنتاج الزراعي في المنطقة على الأمطار الموسمية، ويؤثر توفرها على تنوع الأزهار وجودة موسم العسل في شهر تموز.

لكن في السنوات الأخيرة، نتيجة تراجع الأمطار وغياب محاصيل استراتيجية مثل القطن والسمسم ودوار الشمس، اضطر النحل للاعتماد على نباتات شوكية محدودة القيمة مثل الشح والزلوع، مما دفع المربيين لنقل مناحلهم إلى مناطق تحتوي مشاريع زراعية توفر الرحيق مثل الذرة والبطيخ.
موسى الجباري (50 عامًا)، مربي نحل من ريف دير الزور، أشار إلى أن الغطاء النباتي الربيعي تراجع هذا العام والسابق بسبب قلة الأمطار، ما أدى لانخفاض وفرة الرحيق، وأثر على المناحل، خصوصاً في الفترة الممتدة بين 15 حزيران وأوائل تموز، بين موسمي الخرنوب والقطن.
وأوضح سعيد من جهته أن المربين بدؤوا هذا العام بنقل المناحل مبكراً، في بداية حزيران بدلاً من تموز، بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، تفادياً لهلاك الخلايا.
تعيش سوريا هذا العام أسوأ موجة جفاف منذ 60 عامًا، وفق منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، مما يهدد أكثر من 16 مليون سوري بانعدام الأمن الغذائي. وذكرت مُساعدة ممثل فاو في سوريا لوكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس) أن 75% من المساحات المزروعة تضررت، والقمح المزروع بعليًا (غير مروي) تأثر بنسبة 95%، فيما يُتوقع أن ينخفض القمح المروي بنسبة 30-40% عن معدله.
تدهور التنوع النباتي يهدد الحشرات الملقّحة
الدكتور أسعد مجباس شيخو، عضو الهيئة التدريسية في كلية الزراعة بجامعة الفرات بالحسكة، قال لمدرسة المناخ إن التنوع النباتي في الجزيرة السورية شهد تراجعاً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، مشيراً إلى اقتراب اختفاء نباتات برية مثل وردة الخشخاش، نتيجة تغير المناخ وسوء توزيع الأمطار، والفلاحات العشوائية، واستخدام المبيدات العشبية.

وأشار إلى أن هذه العوامل أسهمت في زحف التصحر وخروج مساحات رعوية واسعة من الاستثمار، في ظل غياب دورات زراعية مبرمجة. وأضاف أن طبيعة المناخ المتوسطي السائد في المنطقة، والذي يتّسم بجفاف طويل وهطولات غير منتظمة، يجعل الزراعة فيه غير مستقرة، مما ينعكس على التنوع النباتي.
وأكد تقرير “فاو” أن انخفاض هطول الأمطار بنسبة 69% عن المتوسط، تسبب بفشل موسم القمح لعام 2024/2025، مما أثّر على الأعلاف والمياه المتوفرة للثروة الحيوانية، وفاقم انعدام الأمن الغذائي.
ويقول شيخو إن بعض المواسم الزراعية، مثل الموسم الحالي وعدد من مواسم سبعينيات القرن الماضي، تميّزت بانعدام نمو النباتات، ما منعها من إنتاج بذور تضمن استمرارها. وأوضح أن النباتات المُزهرة هي الأكثر حساسية لتغير المناخ، خاصةً للجفاف والرياح ودرجات الحرارة، مما يقلل الإخصاب ويضعف جودة الأزهار التي يتغذى عليها النحل.
لا تقتصر أهمية النحل على إنتاج العسل، بل تشمل الحفاظ على النظم البيئية. إذ تعتمد 90% من النباتات المزهرة و75% من المحاصيل الغذائية على التلقيح الذي تقوم به النحل والملقّحات الأخرى. إلا أن هذه الأنواع تواجه تهديدات كبيرة بسبب تدهور المواطن الطبيعية، واستخدام المبيدات، وتغير المناخ، مما يهدد وجودها ويهدد التنوع البيولوجي بأكمله.
تغير المناخ يؤثر على سلوك النحل وصحته
يشرح سعيد أن وفرة الأمطار وانخفاض الحرارة سابقاً كانا يطيلان ساعات عمل النحل في الحقول، مما يعزز الإنتاجية وصحة الملكة. لكن خلال العقد الأخير، أدت موجات الجفاف والحرارة إلى إضعاف دورة حياة النحل، وتقليص مخزون الغذاء الملكي، وبالتالي تراجعت قدرة الملكة على وضع البيوض واستمرار الخلية.
وأضاف أن ارتفاع الحرارة هذا العام أضعف نشاط النحل وقلل ساعات العمل، بينما لاحظ تحسناً بنسبة 80% بعد نقل المناحل إلى بيئة أبرد وأكثر خضرة.
يتفق معه علي جتو، رئيس لجنة النحالين في جمعية الجدائل الخضراء، موضحاً أن التغيرات المناخية أربكت دورة نشاط النحل نتيجة تداخل الفصول، ما جعل توقيت الإزهار غير منتظم وأربك سلوك النحل في الخروج لجمع الرحيق.
وأشار جتو إلى أن موجات الحر والبرد، خصوصاً في الربيع، قللت قدرة النحل على الطيران لمسافاتٍ بعيدة بحثاً عن الغذاء. كما حذّر من خطر الدبور الأحمر والأصفر، اللذين يهاجمان الخلايا في فترات الجفاف، إضافة إلى طائر الوروار المهاجر الذي يؤثر على سلوك النحل الدفاعي، مما دفع المربي الجباري لنقل مناحله إلى الحسكة لتجنب هذه التهديدات.

وتؤكد دراسات أن نحل العسل يلعب دوراً رئيسياً في تلقيح العديد من المحاصيل والأزهار البرية، مما يجعله عنصراً أساسياً في التنوع البيولوجي واستدامة النظم البيئية أثناء عملياته للبحث عن الطعام. ومع ذلك، فإن تغير أنماط الحرارة والأمطار والظواهر الجوية المتطرفة تؤثر بشكل مباشر على سلوك النحل وصحته ونجاح تكاثره.
أما عن الأمراض، يوضح سعيد أن مرض الحضنة يهدد يرقات النحل في بيئات رطبة كالساحل، بينما ينتشر في الشمال الشرقي مرض “الفاروا“، وهو الأخطر، إذ يسبب خسائر كبيرة للمناحل. ونظراً لضعف فعالية الأدوية المحلية وندرتها، يلجأ سعيد لجلب العلاج من كردستان العراق، ما يزيد من أعبائه، داعياً إلى حملة إقليمية لمكافحة الآفة.
تراجع الإنتاج يهدد دخل المربيين واستقرار السوق
تأثير التغير المناخي لا يقتصر على كمية العسل، بل طال جودته أيضاً. يوضح سعيد أن وفرة الرحيق سابقاً كانت تضمن عسلاً نقياً، أما اليوم، وبسبب ضعف التنوع الزهري، يعتمد النحل على مصدر أو اثنين، مما يغيّر خصائص العسل ويُحدث ترسبات في العبوة تُضعف ثقة الزبائن. أما الجباري فإنه يرى أن ثقة السوق بالجودة لا تزال موجودة، لكن الانخفاض في المبيعات يعود أساسًا إلى ضعف القدرة الشرائية، أكثر منه إلى تغيّر جودة المنتج.
ويضيف سعيد أن حرارة السنوات الأخيرة خفضت إنتاج العسل بنسبة تفوق 50%، لأن النحل بات يفضل البقاء داخل الخلية لتبريدها بدلاً من الخروج لجمع الرحيق، ويقدّر الجباري انخفاض الإنتاج السنوي بـ30%، بسبب قلة الأمطار والحرارة والرياح، مؤكداً أن هذا التراجع أثّر مباشرة على دخل المربيين، الذين لم يعودوا قادرين على الاعتماد على النحل كمصدر دخل وحيد، خاصة مع انخفاض إنتاج مشتقات النحل الأخرى.
بدوره، يؤكد حبيب أومري، الرئيس المشترك لاتحاد الفلاحين والثروة الحيوانية في مقاطعة الحسكة، أن التغيرات المناخية وانخفاض الهطولات أثرت على سبل عيش المربين، وفتحت المجال لدخول عسل رديء الجودة إلى الأسواق، وأشار إلى تأسيس جمعية للنحالين تضم 41 عضواً في حسكة وريفها، لكنها حتى الآن تقتصر على الدعم الإداري وتوفير مكتب فقط.
وفي السياق ذاته، قال علي جتو إن التغير المناخي بات أبرز تهديد لمهنة تربية النحل، نتيجة جفاف الأنهار وتراجع الغطاء النباتي، ما أدى إلى نقص الرحيق وحبوب اللقاح، كل ذلك انعكس على السوق: الإنتاج انخفض، والأسعار ارتفعت، حيث وصل سعر كيلو العسل إلى 25 دولاراً (265 ألف ليرة سورية)، بعد أن كان 10 دولارات (106 ألف ليرة سورية) قبل خمس سنوات، فيما بلغ العسل الملكي 60 دولاراً (636 ألف ليرة سورية)، ما زاد من صعوبة الشراء للسكان المحليين/ات.
حلول وتوصيات نحو استدامة بيئية تحفظ النحل والتنوع البيولوجي
في مواجهة تحديات المناخ، يدعو الدكتور أسعد شيخو إلى تهيئة بيئة داعمة للنحل من خلال زراعة محاصيل من الفصيلة الخيمية كاليانسون، الكمون، وحبة البركة، إلى جانب الأشجار المثمرة التي تسهم في تلطيف درجات الحرارة وتوفير مصادر غذاء ثابتة.
كما شدد على ضرورة تقليل استخدام المبيدات العشبية مثل مبيد 2,4-D (الملح الأميني)، واستبدال المبيدات الحشرية الضارة بأخرى آمنة للنحل. وأشار إلى إمكانية الاستفادة من تجارب إقليمية ناجحة في بيئات مشابهة، كتركيا واليمن، من خلال تربية النحل في مناطق معزولة بالجبال أو على ضفاف الأنهار، مثل نهر دجلة وجبل عبد العزيز، حيث تقل الأنشطة البشرية والمبيدات.
ويرى شيخو أن النحل جزء لا يتجزأ من النظام الزراعي، مؤكدًاً أن أي مزرعة متكاملة ينبغي أن تضم محاصيل متنوعة، أشجاراً مثمرة، وحيوانات تتغذى على بقايا المحاصيل، إلى جانب تربية النحل، بشرط تنظيم الدورات الزراعية بما يضمن جودة الإنتاج وتوفير الغذاء للنحل.
من جانبه، شدد حبيب أومري على أهمية توعية المزارعين بمخاطر المبيدات الحشرية على البيئة والنحل، داعياً إلى استخدام مبيدات صديقة للطبيعة، وتقديم دعم مباشر للنحالين، خاصة في ما يخص توفير الوقود لنقل المناحل إلى المراعي الموسمية.
كما طالب المنظمات المعنية بتوفير احتياجات أساسية للنحل كخزانات مياه في فصلي الصيف والخريف، وصناديق نحل بديلة نظراً لارتفاع أسعارها. واقترح أن تشتري الجهات المختصة العسل من المنتجين بالجملة وتسويقه عبر مؤسساتها لتسهيل تصريف الإنتاج.
بدوره، طالب علي جتو بتسهيل الإجراءات القانونية لمنح التراخيص للنحالين، وسن قوانين لحماية المراعي من المبيدات، وفرض رقابة على المواد الكيميائية الزراعية. كما دعا إلى تخصيص أراضٍ لزراعة النباتات الرحيقية، ودعم النحالين بالوقود، الخلايا الخشبية، البدلات الواقية، والأدوية البيطرية، وتنظيم ورش تدريبية لتحسين إنتاج العسل والملكات، إضافة إلى إنشاء صندوق تعويض للمربين المتضررين من الكوارث أو الأوبئة.
وتتوافق هذه التوصيات مع ما جاء في أطروحة الدكتوراه للباحث “MERT KÜKRER” والتي تناول فيها تأثير التغيرات المناخية على النحل في تركيا وعدة مناطق أخرى منها شمال سوريا، الذي أشار إلى أن المناطق الجبلية والأبرد نسبياً قد تكون ملاذات مستقبلية آمنة لنحل العسل في ظل تغير المناخ. واعتبر أن تحديد هذه المواقع وحمايتها أو مراقبتها أو حتى إعادة توطين النحل فيها يمثل خطوة جوهرية للحفاظ على الجماعات النحلية وتنوعها الوراثي.
دراسة أخرى أعدّها عدد من الباحثين/ات، دعت إلى دمج موائل غنية بالأزهار في الأراضي الزراعية، والحد من استخدام المبيدات، واتباع ممارسات زراعية مستدامة، إلى جانب إجراءات فعالة لمراقبة تنقل النحل، بما يسهم في حمايته.
في الميدان، يرى سعيد أن التنقل الموسمي للمناحل إلى مناطق أبرد يبقى حلاً اضطرارياً مكلفاً، في ظل غياب الدعم المؤسساتي، خصوصاً لتأمين الأدوية اللازمة، ويوافقه موسى الجباري، الذي اضطر لنقل مناحله من ثلاث إلى خمس مرات سنوياً، ونقل جزء منها إلى محافظة الحسكة، ما يحمّله أعباء مالية كبيرة، ويرى أن التغيرات المناخية، خاصة قلة الأمطار، قللت من توافر الرحيق وأضعفت المناحل، لاسيما في الفترة الممتدة بين منتصف حزيران وبداية تموز.
كما أشار الجباري إلى أن ظروف المناخ القاسية، كالحرارة العالية أو الرياح أو البرودة المفاجئة، تؤثر سلبًا على سلوك النحل، حيث تقل ساعات عمله نتيجة حاجته لتبريد الخلية وجمع الماء، وهو ما ينعكس على خصوبة الملكة وتكاثر الخلية.
وسط كل هذه التحولات المناخية والبيئية، يبقى مستقبل النحل في شمال شرقي سوريا هشاً معرّضاً لمخاطر متزايدة، بينما يتمسك سعيد وزملاؤه بمهنةٍ يعتبرونها امتداداً لذاكرة الأرض، رغم صعوبة الاستمرار في ظل غياب حلول مستدامة.
- تم إنتاج هذه المادة كمشروع تخرج الدفعة الأولى من دبلوم صحافة المناخ، تحت إشراف مدرسة المناخ بالتعاون مع شبكة الصحفيين الدوليين ومؤسسة GREAN PEACE
