عمال/عاملات النظافة .. المهنة التي لا تُروى حكاياتها

“أفتخر كثيراً بعملي كعاملة نظافة، وأرى أن من ينظر نظرة دونية إلى عمال النظافة هو الجاهل الحقيقي،” تقول سعاد (اسم مستعار  لامرأة أربعينية تعمل في هذه المهنة منذ نحو خمس سنوات) فضّلت عدم الكشف عن هويتها أو مكان عملها، خشيةً من اتخاذ أي إجراءٍ تعسفي بحقها.

قبل أن تعمل في مجال النظافة، كانت سعاد تمتهن الطبخ منذ سبع سنوات لتساند زوجها، وتقول بثقة: “الفقر ليس عيباً”. لكن بعد وفاته، وجدت نفسها تتحمّل وحدها مسؤولية إعالة ابنها، دون أن تتلقى أي دعم من أحد، مؤكدة أن الأمر لم يكن صعبًا عليها كما قد يتصور البعض.

رغم صعوبة العمل ذاته، فإن التحدي الأكبر بحسب ما توضحه الاختصاصية النفسية لافا هسّام، يكمن في النظرة المجتمعية التي تلاحق العاملين والعاملات في مجال النظافة، وهي نظرة محمّلة بالأحكام المسبقة والتمييز الطبقي: “يُنظر إليهم وكأنهم في الهامش، وكأن مهنتهم تنتقص من قدرهم، رغم أنها من أكثر المهن نبلاً وأهمية في حياة المدينة.”

وتضيف لافا أن هذه النظرة لا تأتي من فراغ، بل هي نتاج تراكمات ثقافية وتربوية، إذ ينشأ كثير من الأطفال على سماع عبارات من قبيل: “إن لم تدرس جيداً، فستصبح عامل نظافة”، وكأن هذه المهنة عقوبة، لا عملاً شريفاً، “المدرسة، والبيت، ووسائل الإعلام، جميعها ساهمت بشكل أو بآخر في تكريس صورة سلبية لهذه الفئة، سواء عبر التحقير المباشر أو من خلال التجاهل واللامبالاة”، تقول لافا.

التمييز الصامت: كيف تُساهم الثقافة السائدة في إقصاء عمال/عاملات النظافة؟

يرى الاختصاصي التربوي والاجتماعي يوسف أحمد أن النظرة الدونية التي تطال العاملين والعاملات في مجال النظافة تعود إلى تركيز المجتمع على المظاهر الخارجية، دون إيلاء أية أهمية لنوع العمل أو قيمته، ويضيف: “تبدأ هذه النظرة من اللغة نفسها، حين يُطلق على عامل النظافة لقب (الزبّال)، وهي كلمة تنطوي على تحقير واضح، وتُسهم في إيذاء هذا الإنسان نفسيًا، كما ترسّخ صورة نمطية خاطئة لدى الأطفال والطفلات بأن هذا العمل غير جدير بالاحترام، رغم أن من يمارسه يقدّم جهداً مقابل أجر، تمامًا كأي موظف/ة آخر/أخرى.”

لم يكن عمل سعاد بمنأى عن العنف اللفظي وسوء المعاملة من بعض زملائها أو ممن يتفوقون عليها وظيفياً، حسب قولها، وتوضح أن تلك الإساءات لم تقتصر عليها شخصياً، بل طالت جميع زملائها من عمال النظافة.

“أحد الموظفين يتعامل معنا وكأننا لسنا بشراً، لا يحترمنا أبداً، كثيراً ما كنت أذهب إلى مكان بعيد وأبكي بسبب تصرفاته، وأعتقد لو أنني عملتُ في وظيفةٍ أخرى، لتغيّر تعامله معي، لأن مجتمعنا لا يرى العامل الجالس على الطاولة مساوياً لمن ينظف الأرضيات، وهذه نظرة خاطئة تماماً، فأنا أعمل لأعيل ابني ولست بحاجة لأحد.” تقول سعاد.

من جانبها، تُرجع لافا هسّام الاختصاصية النفسية، هذا السلوك المجتمعي إلى خلل عميق في ثقافة تقييم الإنسان، إذ بات الاحترام مرهوناً بالمظهر الخارجي أو نوع الوظيفة أو المكانة الاجتماعية، لا بالجهد المبذول أو قيمة العمل.

تقول لافا: “نعيش في مجتمعات باتت تنظر إلى الوظائف اليدوية والميدانية كدرجات دنيا في السلم الاجتماعي، في حين أن أي عمل شريف، مهما بدا بسيطاً، هو مساهمة جوهرية في تنظيم الحياة، وعندما نربط الاحترام بالمناصب والمظاهر، فإننا نُهين منظومة القيم بأكملها، لأن الكرامة لا تُقاس بثمن الحذاء أو عدد الساعات في المكتب، بل بما يقدّمه الإنسان من نفع، وصدق، وأمانة.”

أما على الصعيد الحقوقي، فيؤكد المحامي قهرمان عيسى أن احترام الكرامة الإنسانية وعدم التمييز بين المهن، والاعتراف بالدور المهني في حماية الصحة العامة، يُعد من الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها عمال النظافة، ويوضح أن هؤلاء العمال/العاملات يُشكّلون إحدى الركائز الحيوية في منظومة الصحة العامة، نظراً لانخراطهم/نّ في أعمال شاقة وخطرة تشمل النفايات الطبية والبيئية والكيميائية.

ويضيف: “حقوق عمال النظافة تُعد جزءاً لا يتجزأ من حقوق العمال الأساسية، وهي مكفولة ضمن قوانين العمل المحلية في معظم دول العالم، بالإضافة إلى المواثيق الدولية، وعلى رأسها إعلان منظمة العمل الدولية.”

غياب الحماية القانونية وتفاقم الأثر النفسي: عاملات نظافة بين الخجل والصمت

على النقيض من شعور سعاد بالفخر تجاه مهنتها، يعاني بعض زملائها وزميلاتها من شعور بالخجل، نتيجة النظرة المجتمعية السلبية المرتبطة بطبيعة هذا العمل، ما يدفعهم إلى إخفاء هويتهم المهنية عن من حولهم، خشيةً من التمييز أو التنمّر.

تقول سعاد: “عاملات أخريات معي يخجلن من عملهن ولا يتحدثن لأحد عن طبيعة عملهن، دوماً ما أقدم لهن الدعم والدافع لإكمال طريقهن في هذه المهنة، لأنها من النعم التي تساعدنا في العيش بكرامة في هذه البلاد.”

وتؤكد لافا هذا السياق، موضحةً أن العديد من العاملين والعاملات في مجال النظافة يعانون من التردد في الإفصاح عن مهنتهم، ليس لغياب الشعور بالفخر، بل خوفاً من التمييز الاجتماعي أو تعرض أبنائهم/نّ للسخرية والتنمر. 

وتتابع: “هذا الشعور يؤدي إلى انخفاض احترام الذات، الميل إلى الانطواء، وأحياناً إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب أو القلق المزمن، أما الأبناء، فقد ينشأون وهم يحملون إحساساً بالعار الطبقي، ما يدفعهم إلى إخفاء مهنة والديهم خوفاً من الرفض أو الاستهزاء المجتمعي، وهو ما يترك أثراً طويل الأمد على ثقتهم بأنفسهم وطموحاتهم وانتمائهم”.

وتعزز منظمة الصحة العالمية هذه المخاوف في أحد تقاريرها، إذ تشير إلى أن بعض العاملين/ات، بحسب طبيعة مهنتهم/نّ أو أسلوب أدائهم/نّ الوظيفي، معرضون/ات بشكل أكبر للمخاطر النفسية والاجتماعية، خصوصاً في قطاعات العمل الصحي أو الإنساني أو الطارئ، حيث ترتفع احتمالية التعرض لصدمات نفسية يمكن أن تؤثر سلباً على الصحة النفسية للفرد.

ورغم ما تتركه الصور النمطية من آثار نفسية حادة على عمال/عاملات النظافة، يفتقر الإطار القانوني إلى وجود نصوص واضحة ومباشرة تحميهم/نّ من التمييز داخل بيئة العمل، أو من التنمر المجتمعي والمهني، كما يؤكد الحقوقي قهرمان عيسى.

ويضيف قهرمان أن غياب الثقافة القانونية لدى الغالبية العظمى من العاملين والعاملات، وشعورهم/نّ بالتهميش والدونية، إلى جانب ضعف فعالية النقابات والمجالس المهنية نتيجة غياب الكفاءة، والخوف من فقدان مصدر الرزق، كل ذلك يسهم في تراجع ثقافة تقديم الشكاوى عند التعرض لأي انتهاك أو إساءة.

إعادة الاعتبار لكرامة العمل: احترام المهن أساس لتماسك المجتمع

تكرار المواقف المسيئة التي تعرضت لها سعاد دفعها إلى التساؤل عن سبب النظرة الفوقية التي يبديها البعض تجاه مهنتها، رغم أنها لا ترى فيها ما يُنقص من قيمتها أو كرامتها، تقول سعاد: “لو لم أتعرض لمثل هذه المواقف، لكانت حياتي أفضل بكثير،” وتتساءل عن مبرر استعلاء البعض ممن يرون/ين أن مهناً أخرى “أفضل وأهم” من وظيفتها كعاملة نظافة.

في هذا السياق، تشير الاختصاصية النفسية لافا إلى ضرورة إعادة تعريف مفهوم “القيمة” في المجتمع. وتوضح: “يجب أن نعلّم أنفسنا وأبناءنا أن الاحترام لا يُبنى على نوع العمل، بل على الطريقة التي يُؤدى بها، وعلى الأثر الإيجابي الذي يتركه الإنسان من حوله. يجب أن نُدرّب أنفسنا على قول كلمة “شكراً” لعامل/ة النظافة تماماً كما نقولها للطبيب/ة أو المهندس/ة، وأن نُربي أطفالنا على احترامهم والتفاعل الإيجابي معهم، لا على تجاهلهم/نّ وكأنهم/نّ غير مرئيين/ات.”

وتُشدد لافا على أهمية دمج مفاهيم العدالة الاجتماعية واحترام جميع المهن ضمن المناهج الدراسية، من خلال القصص والأنشطة التربوية والنقاشات الصفية، معتبرةً أن احترام الإنسان يجب ألا يكون خياراً فردياً، بل مبدأً تربوياً ومجتمعياً راسخاً.

من جانبه، يرى الاختصاصي التربوي والاجتماعي يوسف أحمد أن التوعية تبدأ من الأسرة، لكنها لا تكتمل دون دور فعّال من وسائل الإعلام، التي تتحمل مسؤولية كبيرة في كسر الصور النمطية، خاصة تجاه المهن المرتبطة بالعمل اليدوي، ويؤكد يوسف أن الإعلام المحلي، في كثير من الحالات، تجاهل هذه الفئة، ولم يُعِر قضيتهم/نّ الاهتمام الكافي.

أما من الناحية القانونية، فيدعو الحقوقي قهرمان عيسى إلى ضرورة سنّ تشريع خاص يحمي عاملي وعاملات النظافة من التحقير والتنمر والإساءة، ويضمن لهم/نّ بيئة عمل لائقة وتعويضات مناسبة في حال التعرض للإهانة اللفظية أو أي انتهاك آخر.

 كما يؤكد على أهمية تفعيل دور النقابات ومجالس الشكاوى المجتمعية، وتسهيل الوصول إلى العدالة أمام المحاكم، إضافة إلى إطلاق حملات إعلامية تسهم في رفع مكانة هذه المهنة، وتكريم العاملين/ات فيها في المناسبات العامة.

ورغم كل الجهود والدعوات، لا تزال الصور النمطية حاضرة، تُحدث خللاً في البنية المجتمعية وتنعكس سلباً على فئة تقدم جهداً يومياً مباشراً، وتتعرض لمخاطر صحية مستمرة نتيجة تعاملها مع النفايات والمخلفات، في الوقت الذي ينبغي فيه النظر إلى جميع المهن باعتبارها متكاملة، وجميع العاملين/ات فيها متساوون/متساويات في الكرامة والحقوق، كما تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.