قبل ست سنوات، كانت رانيا تملك منزلاً واسعًا، مزوّدًا بحمامٍ خاص، وغرفة نومٍ تختار ستائرها بعناية، أما اليوم، فهي لا تملك حتى ستاراً يفصل فراشها عن فراش عائلة زوجها، حتى حاجتها إلى البكاء تحوّلت إلى رفاهيةٍ لا تستطيع امتلاكها.
اختارت رانيا الحديث باسم مستعار، لحساسية التفاصيل التي تكشفها، حالها حال معظم النساء اللواتي تحدثن لمعدة التقرير، إذ لجأن إلى أسماءٍ مستعارة ليتمكنّ من الحديث بحرية عن معاناة انعدام الخصوصية داخل المخيمات التي يعشن فيها منذ سنوات.
تقطن رانيا في مخيم “سري كانيه” بريف مدينة حسكة، بعدما هجّرت من مدينتها سري كانيه/ رأس العين إثر اجتياح فصائل المعارضة السورية الموالية لتركيا آنذاك للمدينة عام 2019. تصف حياتها بعد النزوح بأنها انتقلت “من الرفاه إلى العراء”، حيث باتت في بحثٍ متكرر عن أية وسيلة تضمن لها الخصوصية، “بات الاستحمام مغامرة يومية أضطر فيها انتظار حلول الظلام، وأركض من الحمام إلى الخيمة وكأنني في سباق. حتى الحيض صار كابوساً.” تقول رانيا.
تعيش رانيا معاناةً كبيرة مع فقدان الخصوصية تطال حياتها الزوجية أيضاً. أربعة أمتار مربعة تجمعها مع أهل زوجها، تفتقد لمساحة تمكّنها من إجراء أية محادثة خاصة مع زوجها، “حتى لقب زوجين سُرق منا”، تضيف، “صرنا نعيش كغرباءٍ تحت هذه الخيمة، وننتظر مغادرة أفراد العائلة للخيمة، لسرقة دقائق من الخصوصية، قبل عودتهم.”
نساء بلا مساحات آمنة: حكايات من مخيمات النزوح
منذ عام 2019، تقيم هذه أم دلال (اسم مستعار) في مخيم واشوكاني بريف مدينة حسكة، بعد تهجيرها إثر اجتياح الفصائل، تقول: “نحن النساء نعاني كثيراً داخل هذا المخيم، وأكبر معاناتنا كانت الحمامات المشتركة، لكننا لاحقاً اضطررنا إلى إنشاء حمامات داخل الخيمة، بحثاً عن قدر أكبر من الخصوصية. لسنا راضين عن هذا الوضع، لكننا نتأقلم مع الظروف المحيطة بنا.”
هذه الحلول المؤقتة جاءت بمشاكل جديدة؛ فبناء الحمامات والمطابخ الخاصة داخل كل خيمة أدى إلى التعدي على المساحات المخصصة للعائلات الأخرى، مما خلق انتهاكات لخصوصية كل خيمة، وتوضح: “بناتنا كنّ صغيرات حين وصلنا، لكن كثيرات منهن بلغن داخل المخيم، وحاولت رفع وعيهن للتعامل مع فترة الدورة الشهرية في هذه الظروف، لكن كثيرًا من العائلات لا يتعامل على هذا النحو» أو «لكن العديد من العائلات لا تفعل ذلك، حيث أن البعض يمنعون بناتهن من الخروج من الخيمة خوفاً من التحرش، أو قد يمنعوهن من الذهاب للحمامات المشتركة خوفاً من المواقف المحرجة أو التعرّض للأذى، فتضطر الأم لمرافقة ابنتها حتى تنتهي من استخدام الحمام.”
أما الحياة الزوجية التي تعيشها أم دلال، فتعيش هي الأخرى تحت وطأة القيود التي يفرضها المكان، تقول: “في المخيم، من الصعب ممارسة العلاقة الزوجية، وقلة الممارسة تسبب ضغوطات للزوج والزوجة، والخيار هو انتظار أن تفرغ الخيمة، وهذا يحدث نادراً، اليوم بتنا نفكر بمشاعر أطفالنا وتربيتهم على حساب علاقتنا الزوجية.”
وترى أم دلال أن هذه الظروف تتجاوز مسألة الراحة الشخصية، وتمس عمق البنية الاجتماعية: “الخيم تحرم الفتيات من التعليم وتدفع إلى تزويجهن مبكراً، وتحرم الأزواج من حياتهم الزوجية، نحن نعيش في خيم تفتقر لأدنى المقومات التي تحفظ كرامة العائلة، والنساء على وجه الخصوص.”
أما الحلم، فيبقى واحداً: العودة إلى المدينة والبيت، حيث الخصوصية والكرامة محفوظتان. لكن حتى اللحظة، تقول أم دلال: “مدننا غير آمنة… والحلم بعيد المنال.”
“كل شيء مشترك … حتى الوجع” بهذه الكلمات تختصر عطية العليوي، النازحة من قرى دير الزور والمقيمة في مخيم قرب مدينة حسكة، حياتها داخل خيمة مقسّمة إلى غرفتين، ومنافع خارجية مشتركة مع الجيران، تقول: “حياتنا مكشوفة لبعضنا، لا أسرار ولا خصوصية… بيوتنا بلا جدران ولا أبواب،” وتشبّه عطية العيش في الخيم، بالحرب، ولكن بلا رصاص: “نحارب لحفظ خصوصيتنا، ونحاول ألا تصل أصواتنا خارج الخيمة، لكننا غالباً لا ننجح.”
تصف عطية يومياتها بمرارة: “أبسط الأعمال في الحياة الاعتيادية تصبح محرجة هنا، ننام جميعاً في غرفة واحدة، وندرك أن ذلك غير صحيح، خاصة بوجود أطفال ومراهقين. الاستحمام أو تغيير الملابس يصبح محفوفاً بالخوف من نظرة عابرة من طفل أو جار، أو دخول مفاجئ من أحد أفراد الأسرة. وحتى الاستحمام يحتاج أن يخرج باقي أفراد العائلة من الخيمة.”
تشير أكثر من امرأة التقت بهنّ معدّة التقرير إلى أن الحياة الزوجية داخل المخيمات تتأثر سلباً، وأن هذا الضغط يمتد أحياناً إلى توترات بين الزوجين، وبعض الزوجات يحاولن إيجاد حلول بدائية، مثل “زاوية للستر” باستخدام البطانيات أو الستائر، لكنها تبقى مؤقتة وغير فعالة.
أما في أيام الطمث، فتتحول التفاصيل البسيطة إلى معاناة ثقيلة، تقول شابة في العشرين من عمرها، التقتها معدّة التقرير في أحد المستوصفات الطبية مع والدتها، تبحث عن علاج لآلام الطمث: “في أيام الطمث، لازم أكون حذرة بكل حركة… وين أخبّي الفوط الصحية؟ كيف أغيّرها؟ ما في مكان خاص، ولا وقت بدون عيون الناس. أحياناً بيأثر الوضع على نظافتنا وبحس بالاكتئاب، بلبس تياب غامقة، وبنام وأنا مو مرتاحة… كلنا بنفس الخيمة .. حياتنا كلها قهر نفسي.”
الحق في الخصوصية… بين النصوص الدولية والواقع في المخيمات
تؤكد الحقوقية روفند خلف أن الحق في الخصوصية منصوص عليه في عدد من المعاهدات الدولية، مثل المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي، التي تضمن للنازحين/ات الحق في الخصوصية والحياة الأسرية، وحماية بياناتهم/نّ، لكنها غير ملزمة قانونياً.
وتضيف: “القانون الإنساني الدولي يفرض على أطراف النزاع احترام الحياة الخاصة والمدنية للنساء وعدم استغلال ضعفهن في النزوح، لكن المعايير الدولية لم تكن صارمة بما يكفي لتأمين حياة كريمة للمرأة في بيئة النزوح.”
وتوضح روفند أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة والمنظمات الإنسانية، من خلال توفير مرافق آمنة للنساء والفتيات، وضمان السرية في تقديم الخدمات الطبية والنفسية، وتدريب الكوادر على التعامل مع النازحات باحترام الخصوصية والحساسية الثقافية، وتضيف: “لم نشهد في عملنا بالمحاكم دعاوى تتعلق بمشاكل الخصوصية داخل المخيمات، باستثناء حالات نادرة طلبت فيها الزوجة التفريق عن زوجها، بسبب عدم تأمين المسكن الشرعي.”
من جانبه، يوضح دلوفان حسن، الذي عمل لسنوات في المنظمات الإغاثية والدولية داخل مخيمات المنطقة، أن معايير تصميم المخيمات وفق معايير سفير تحدد مساحة 3.5 أمتار مربعة للشخص الواحد، وتخصص الخيمة لعائلة واحدة، لكن في شمال شرقي سوريا، غالباً لا تُراعى هذه المساحات، ما يجعل خصوصية العائلة محدودة، وخصوصية الفرد شبه غائبة.
ويضيف: “هناك مساحات للغسيل والاستحمام والطبخ، مع فصل حمامات النساء عن الرجال، لكن كثيراً من معايير سفير لا تُطبق لأسباب عدة، منها ضعف التمويل والتخريب، وفي المخيمات المعترف بها أممياً، الوضع أفضل من المخيمات العشوائية.”
ويشير دلوفان إلى أن النساء يشاركن أحياناً في اختيار مواقع الخيام لتجنب الخلافات، لكن التحديات باقية: نقص المساحات، محدودية الموارد، وغياب تدخلات جادة لتحسين خصوصية النساء، كما تحدث حالات تحرش، وتزويج قاصرات، وحرمان للمتزوجين/ات من الحصول على خيمة خاصة، ما يدفعهم/نّ لمشاركة الخيمة مع العائلة الأكبر.
ويضيف: “تعرضت الكثيرات من النساء للتحرش داخل الحمامات. لكن ثقافة الخوف من الفضيحة تمنعهن من الشكوى رغم وجود أقسام حماية. حتى الدعم النفسي مرفوض لدى بعض العائلات، وهناك عزوف عن جلسات التوعية المتعلقة بتزويج القاصرات.”
كما يذكر مثالاً على التحديات اليومية: في إحدى الخيم القريبة من المغاسل، وضع أحدهم بسطة للبيع قرب مكان الغسيل، مما صعّب على النساء الوصول الآمن للمغاسل، إضافة إلى أنه هناك غياب آليات مريحة للتخلص من مخلفات الدورة الشهرية أو الولادة، والاكتفاء بحاويات عامة، ما يسبب إحراجاً كبيراً عند التخلص من الفوط الصحية.
