“أنا لا أحب أن يُقال عني مراهق، هذا الوصف يقلل من شأني ويُبسط مشاعري وأفكاري،” بهذه الكلمات يعبّر سيزار (14 عاماً) من مدينة قامشلي عن شعوره تجاه نظرة المجتمع لمرحلته العمرية، مضيفاً بنبرة وعي تفوق سنّه: “رغم عمري الصغير، أفكر في مستقبلي وأتأمل ما يدور من حولي. أتابع الأخبار وأتخيل نفسي مكان من يعيشون القصف أو من تهدّمت منازلهم، أريد أن أساعد أهلي وأن أقف معهم.”
يرفض سيزار أن يُختزل في صفة “مراهق” كما يُصنفه المحيطون/ات به، فبالنسبة له، هذه المرحلة ليست حالة مؤقتة من التقلّب، بل تجربة وجودية معقّدة تعيشها فئة كاملة وسط عالم مضطرب، يستحقون فيها الاحترام والتقدير الجدي، لا التهميش أو الاستهانة.
“ينظر إليّ الناس على أنني صغير، وحين تحدث مشكلة ويكون لديّ حل أو رأي، أرغب في طرحه والمساهمة، لكن غالباً لا يؤخذ كلامي على محمل الجد، حيث يعتبرونني مجرد مراهق لا يفهم، ويتهمونني بالتهور وعدم النضج، وهذا يشعرني بالإحباط.”
وفي حديثه عن الدعم النفسي، يشير إلى أهمية وجود شخص مقرّب يمكن الوثوق به: “صديقي هو الداعم النفسي الأقرب لي، ولا أثق بالغرباء. حتى إن سُنحت لي فرصة لتلقي دعم نفسي من غريب، فلن أحبّذ الفكرة.”
الحالة التي يمر بها سيزار تسلّط الضوء على حاجة ملحة لإعادة النظر في كيفية فهم مرحلة المراهقة، لا كمصطلح بيولوجي أو نفسي فقط، بل كحالة اجتماعية ونفسية تتطلب الإنصات والفهم، لا الاختزال والتجاهل.
عندما تُغلق الأبواب في وجه المراهقين، ويتعب الأهل في صمت
“أخاف من الشائعات… وأتمنى أن أجد من يسمعني دائماً،” بهذه العبارة يعبّر أحمد السعيد (14 عاماً) من مدينة قامشلي عن مشاعر خوف وقلق، لا يعرف كيف يواجهها، ولا إلى مَن يلجأ لمشاركتها، ويقول بصوت يملؤه التردد: “تراودني مخاوف كثيرة، بعضها غير منطقي لكنها تؤرقني، أسمع إشاعة صغيرة، فلا أنام الليل، وأخاف أكثر أن أقولها لأحد ولا يصدقني، أو يتحدث عني أمام الناس بأني ضعيف.
يقول أحمد إنه هناك الكثير من المواضيع التي يرغب في مناقشتها مع الكبار، لكنه لا يجد من يستمع إليه، وأنه كلما تحدث يواجه إسكاتًا مستمرًا وعدم أخذ أرائه على محمل الجد، وتبقى مشاعره مكبوتة خلف جدار من التحفّظ، يقول: “لا ينبغي عليّ أن أخبر أحداً بأنني حزين أو قلق، على المحيطين بي أن يلحظوا ذلك بأنفسهم، وأتمنى شيئًا واحدًا: أن أكسر حاجز الخوف في سبيل التعبير عن ما بداخلي.”
يُبدي أحمد انزعاجه من سلوكيات بعض الكبار الذين، من وجهة نظره، يظلمونه ويتعاملون معه بأحكام مسبقة: “أكثر ما يزعجني هو عندما لا يُعاملني الكبار بعدل، يحدث أحياناً أن يُكسر شيء في المنزل، فيسارع أحدهم باتهامي دون دليل، أحاول الدفاع عن نفسي وتبرير موقفي، لكن لا أحد يصدقني، لأن لديهم صورة مسبقة عن المراهق بأنه لا يقول الحقيقة.”
“ما يزعجني أيضاً أنني حين أطرح رأياً في مشروع أو فكرة أراها ناجحة، وأشاركها مع من حولي، يستخفون بكلامي، وكأنني أتحدث فقط لإضحاكهم.” يقول أحمد ويختم حديثه بأمنية واحدة: أن يُعامَل باحترام، وأن يُنظر إلى أفكاره بجدية، بعيداً عن اختزال شخصيته في عمره.
في ظل هذا الواقع، تتطلب المرحلة مقاربة تشاركية تعتمد على فهم نفسي واجتماعي عميق، لا الاكتفاء بالإرشادات النظرية لفهم هذه المرحلة العمرية، لاسيّما في سياق اجتماعي واقتصادي معقّد، يزيد من الأعباء على الجميع، لاسيّما على الأمهات والآباء. نجوى محمد من مدينة قامشلي، أم لفتاة مراهقة، تقول : “ألاحظ أن ابنتي تغيرت كثيراً، أصبحت تحب الجلوس بمفردها، تغضب بسرعة ولا تهتم بدراستها كما في السابق، حتى باتت وكأنها شخص آخر، أما أنا، فأشعر أحياناً كثيرة بأنني متعبة ولا أملك الطاقة لمساعدتها.”
تقول نجوى بصفتها أمًا إنها تحاول قدر ما تستطيع، لكن الوضع صعب، فهناك صعوبة في الوصول لخدمات الدعم النفسي في منطقتها، علاوةً على أن هذه الخدمات “مكلفة”، حيث أن وضعها المادي لا يمكّنها الحصول على استشارة طبيب/ة نفسي/ة حتى.
تربط نجوى بين ضغوط الحياة وتأثيرها على أسلوب التربية، قائلة:”إفراغ التوتر والغضب التي يشعر بها الوالدين نتيجة الأوضاع السيئة والهموم المتراكمة، يدفع المراهقين إلى التمرد، فهم بدورهم يبحثون عن فرض شخصياتهم في هذه المرحلة العمرية.”
من زاوية أخرى، تستعرض جشنة مصطفى تجربتها في تربية طفليها المراهقين، قائلة: “بدات أنتبه إلى تصرفاتهم أكثر، وعندما أرى تصرفاً غريباً لا أعاتبهم فوراً، بل أحاول الحديث معهم وفهم لماذا يتصرفون بهذا الشكل، فالمراهقون شديدو الحساسية، ويتأذون من أبسط الكلمات، ويخفون الكثير من الأمور بداخلهم، حتى أولادي لا يتحدثون إليّ إلا عندما يشعرون فعلًا أنني أستمع إليهم.”
تؤكد جشنة أن الإصغاء الصادق يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في بناء الثقة. تقول: “أحاول التقرب من أولادي عن طريق اللعب معهم، والحديث والمناقشات بكل ما يخصهم، بالإضافة للخروج معاً إلى الأماكن العامة والنزهات، والأهم من هذا كله، تقدير التغييرات الجسدية والنفسية التي يمرون بها، ووضعها بعين الاعتبار.”
هكذا، بين مشاعر مكبوتة لدى المراهقين/ات، وعجز لدى الأمهات والآباء، تتجلى الحاجة المُلحة لإعادة النظر في الأطر التربوية والدعم المجتمعي الموجه نحو هذه المرحلة العمرية الحرجة، بما يضمن التوازن بين الاحتواء والانضباط، وبين الحزم والإصغاء الحقيقي.
على الصعيد العالمي، تشير التقديرات إلى أن شخصاً واحداً من بين كل 7 أشخاص (14٪) تتراوح أعمارهم/نّ بين 10 أعوام و19 عاماً يعانون من اعتلالات الصحة النفسية، ومع ذلك لا تزال هذه الحالات غير معترف بها وغير معالجة إلى حد كبير.
وعلى وجه الخصوص، يتعرض المراهقون/ات الذين/اللواتي يعانون من اعتلالات الصحة النفسية للاستبعاد الاجتماعي والتمييز والوصم (مما يؤثر على الاستعداد لطلب المساعدة) والصعوبات التعليمية والسلوكيات المجازِفة واعتلال الصحة البدنية وانتهاكات حقوق الإنسان.
المراهقة ليست أزمة… بل اختبار للثقة والمسؤولية المشتركة
يؤمن ريزان مشو، وهو أب لفتاتين تبلغان من العمر 14 و15 سنة، بأن أساس العلاقة السليمة مع المراهقين يبدأ من إيجاد “مساحة أمان” داخل الأسرة، ويقول: “أحرص دائماً على توفير بيئة تشعر فيها ابنتاي بالأمان الكافي لمشاركتي أي أمر يحدث معهما، أو أية فكرة ترغبان بمناقشتها، حتى لو كانت تتعلق بأخطاء وقعتا بها،
نناقش معاً مواضيع حساسة، وعلاقتهما بأصدقائهما، رغم وجود بعض الأمور التي قد يخجلان منها، المهم أن تبقى هذه المساحة موجودة، الأمر الذي يُسهم في تقليص الفجوة بيننا.”
التحديات كما يصفها ريزان “معقّدة”، من بينها الفجوة بين جيل الآباء والأبناء، إلى جانب صعوبة ضبط استخدام الهواتف المحمولة ومحتواها، ويقول: “نحاول تقليل الوقت أمام الشاشات من خلال قضاء وقت أطول معاً، نتناول الطعام معاً، وندردش، ونزور الأقارب، حتى يكون الحيز الأكبر من حياة ابنتينا مرتبطاً بالعائلة لا بالهاتف.”
ومع تقدّم الفتاتين في العمر، بدأت ملامح الاستقلالية وفرض الشخصية بالظهور، وهو ما يتجلى في مزاج متقلّب وسلوكيات جديدة، يقول ريزان ويكمل: “بدأنا نلاحظ بعض التغيّرات، كالعصبية والكذب أحياناً، وهذا سلوك مفهوم في سياق الانتقال من الطفولة إلى النضج، ونحاول دائماً الإصغاء إليهما عند كل حالة نفسية تمران بها، وبالحوار والتواصل الفعّال نصل أحياناً لنتائج إيجابية، حيث يكمن هدفنا أن تصلا إلى مرحلة النضج بأمان.”
ويضيف ريزان أن الاندماج السليم في المجتمع يحتاج إلى أدوات ومؤسسات مساندة: “أفكر دائماً فيما تحتاجه ابنتاي لتندمجا بشكل سليم، لذلك نشجعهما على أنشطة مثل الموسيقى والرياضة، لكننا نحتاج لمساحات آمنة ومشتركة تجمع المراهقين بأقرانهم، للأسف، هذه المساحات نادرة، وإن وُجدت، نخشى من خلفياتها السياسية أو العسكرية.”
من جانبها، تحذر الاختصاصية النفسية زينب الزبيدي من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مشاكل المراهقة بحد ذاتها، بل في تجاهلها، وتشير إلى أن العوامل البنيوية مثل الفقر والنزوح تضاف إلى التغيرات الهرمونية لتشكّل بيئة محفوفة بالضغط، ومنها ما يرتبط بالتغيرات الهرمونية والضغوط الدراسية وتصورهم لأنفسهم،” وتكمل: “للأسف، الكثير من الأهل والمعلمين لا يفهمون طبيعة هذه المرحلة، ويعتقدون أن المراهق يبالغ أو يتدلل، وهذا قد يؤدي إلى تطور اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب.”
وتلفت زينب إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً خطيراً في زيادة شعور المراهق/ة بعدم الكفاية أو النقص، بسبب المقارنات المستمرة مع الآخرين، وتقول: “نلاحظ اضطرابات أكل، أو انسحاب اجتماعي، أو حتى تدهور في صورة الجسد.، الكثير من الحالات التي أتابعها تتعلق بمراهقين لا يشعرون بأنهم مقبولون، ولا يستطيعون تحمّل الضغط بعد الآن.”
وتؤكد أن المدرسة يجب ألا تكون فقط مكاناً للتعليم، بل أيضاً بيئة آمنة، تحمي المراهق/ة من العنف اللفظي أو الإهمال، لأن ذلك قد يدفعه/ها إلى الانعزال أو التصرف بشكل مدمر.
في السياق ذاته، يرى الاختصاصي التربوي يوسف أحمد أن جوهر التعامل مع المراهق/ة يبدأ قبل الوصول إلى مرحلة المراهقة نفسها، ويوضّح قائلاً: “الطفل الذي لا تربطه علاقة حوارية وتواصلية مع أهله في سنواته الأولى، سيتحول حتماً إلى مراهق متمرد أو خائف أو غير منضبط، ولا يمكن إدارة المرحلة بفرض السلطة فقط، بل تحتاج إلى تفهّم، وتقبل، وتشجيع، وترك مساحة خاصة للمراهق مع رقابة مرنة وإرشاد دائم.”
ويشدد يوسف على أن النقد المستمر والقسوة قد يدفعان المراهق/ة إلى البحث عن بيئة بديلة، بيئة بديلة قد تُعرّضهم لمخاطر نفسية واجتماعية، في ظل غياب البديل الآمن والداعم داخل الأسرة.
ختاماً، توضّح كل هذه الشهادات بأن الصحة النفسية ليست رفاهية، وتربية المراهقين/ات ليست مجرد مرحلة عابرة من التقلّبات المزاجية، بل إنها مسؤولية مستمرة، تقوم على الاستماع، والثقة، والوعي، والاحترام، وإنكار معاناة المراهقين/ات أو تبسيطها لا يُلغي وجودها، بل يزيدها عمقاً وخطورة، فكل تجاهل لمشاعرهم/نّ، وكل وصم، وكل إسكات غير معلن، هو خطوة نحو اضطرابات مستقبلية قد تكون أثمانها باهظة.
