“في كل مرة يُعلن فيها عبر الصفحات المحلية أن المياه عادت للمدينة، أضحك بحزن، لأننا نشتري المياه من الصهاريج منذ بداية الصيف،” تقول سارا محمد من ساكنات مدينة قامشلي، الأخبار المنشورة لا تعكس حقيقة ما يعيشه الناس، فبينما تتحدث بعض الوسائل عن “إصلاح الأعطال” و”استئناف الضخ”، تستمر سارا في شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما يزيد من أعباء أسرتها..
لا تثق سارا بالإعلام المحلي، وترى أنه غالباً ما يفتقر إلى المصداقية، لكن القلق لا يقتصر على انعدام الثقة، بل يتجاوزها إلى المخاوف الأمنية، وتقول: “لا أفضّل التحدث إلى أي وسيلة إعلامية، لأنني أخشى التعرض للمساءلة أو المضايقة من السلطات إذا اعتُبر أنني أتحدث مع جهة مُعارضة”. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فتراها سارا منقسمة ومنحازة، باستثناء بعض الأصوات “القليلة جداً” التي تحاول نقل الواقع كما هو، دون تزييف أو تلميع.
أما نضال أحمد، شاب من مدينة قامشلي، فيرى أن الإعلام النشط في المنطقة يتناول القضايا الملحّة بأسلوب سطحي وانتقائي، ويكمل:”لا يتواصل معنا الصحفيون إلا إذا وقعت حادثة لافتة، وعندما يغطّون حدثاً ما، يركّزون على جانب معين ويتجاهلون جوانب كثيرة.”
هذا التناقض، كما يصفه نضال، يؤدي إلى فجوة ثقة متزايدة بين الناس والعاملين/ات في الحقل الإعلامي، ويضيف: “غالباً ما يكون الناشطون أكثر فاعلية وصدق، لأنهم يعيشون بين الناس، وينقلون الواقع كما هي، بينما يُجبر الإعلامي أحياناً على تقديم مادة مصقولة تخضع للرقابة”.
كافية السعيد تشارك سارا ونضال ذات القلق، لكن بحدة أكبر: “لا أحب التعامل مع الإعلام، لأني أخشى تحريف كلامي أو استخدامه في سياق لا يمثلني،” وترى أن عدد كبير من الوسائل الإعلامية غالبًا ما تُدار وفق اعتبارات سياسية أو تمويلية، وتفتقر لتمثيل صوت الناس الحقيقي، كما تخشى من التداعيات الاجتماعية لنشر رأيها علناً: “لا نعرف من يتلقى كلماتنا، ولا كيف تُستخدم.” تقول كافية.
“قلما تهتم وسائل الإعلام المحلية بكيف نعيش، أو تسألنا عن تفاصيل حياتنا اليومية.” يقول فيصل حسو، من مدينة الدرباسية، لافتاً إلى غياب التغطية اليومية لمشكلات الناس، مقابل التركيز على الأحداث الإقليمية، ويرى أن إعادة بناء الثقة تتطلب تواصلاً مباشراً مع الناس، ونقل أصواتهم/نّ إلى أصحاب/صاحبات القرار، “المتابعة الحقيقية تبدأ بعد النشر، عندما نبحث معاً عن حلول، لا أن نكتفي بتقرير.” يقول فيصل.
رغم اختلاف الخلفيات والانتماءات والمناطق، يجمع بين هؤلاء الشباب والشابات، شعور مشترك بأن الإعلام لا يلبي احتياجاتهم/نّ، وبينما تتسع الفجوة بين وسائل الإعلام والمجتمع، تبدو الحاجة ملحّة لمراجعة الدور الإعلامي وتعزيز العلاقة مع الجمهور، على أساس من الاحترام والمساءلة.
الإعلام المحلي في مواجهة المؤثرين: معركة المصداقية
“كثيراً ما رأيت صحفيين يعِدون النازحين بأن صوتهم سيُحدث فرقاً، لكن شيئاً لم يتغير،” يقول الإعلامي هيبار عثمان، الذي يمتلك تجربة مهنية تمتد إلى نحو 19 عاماً في شمال شرقي سوريا، وبالنسبة له، تعاني العلاقة بين الإعلام والمجتمع من شرخ متفاقم، سببه تراكمات الحرب وسوء الممارسة المهنية وغياب الشفافية.
يرى عثمان أن الثقة تُبنى على الاحترام والمصداقية، وهي قيم تتآكل تدريجياً مع انتشار الأخبار المفبركة والانتهاكات المهنية، ويكمل: “لم أطرق يوماً باب الحياة الشخصية في تقاريري، ولم أنشر لقطة لشخص مرتبك أمام الكاميرا، وأؤمن أن الاحترام يبدأ من العدسة وينتهي بالكلمة.” يقول هيبار.
ويشير هيبار إلى أن المخاوف الأمنية لا تزال تلقي بظلالها على العمل الصحفي، فكثيراً ما يلجأ إلى تغيير أسماء المصادر أو إخفاء هوياتهم/نّ لضمان سلامتهم/نّ، خصوصاً في المناطق الخارجة حديثاً عن سيطرة النظام السابق، ويضيف أن الممارسات غير المهنية لبعض الصحفيين/ات، من قبيل الوعود، ترفع سقف التوقعات لدى الناس، مما يؤدي إلى خيبة أمل ويعمق أزمة الثقة.
وسائل التواصل الاجتماعي، كما يرى هيبار، ضاعفت الأزمة، إذ بات من الصعب التمييز بين الصحافة المهنية والمحتوى المضلل، ويقول: “لا يمكن مقارنة يوتيوبر بوكالة دولية، فالفرق يكمن في الالتزام بالمهنية، لا بعدد المتابعين،” ويؤمن هيبار أن الحل يبدأ من إشراك المجتمع المحلي في تقييم المادة الإعلامية، بوجود خطوات عملية من قبيل فتح قنوات التواصل الفعالة مع الجمهور، وتمكينه عبر محو الأمية الإعلامية، وتوثيق الأخبار من مصادر متعددة، مع طرح حلول حقيقية للمشكلات.
من جهتها، تؤكد الصحفية ماريا حنا أن العلاقة بين الإعلام والمجتمع المحلي شهدت تحولات ملموسة، بدأت بالتحفظ والخوف، ثم تحولت إلى تفاعل تدريجي، وتقول: “في البداية، كان هناك توجس كبير، حتى في المناسبات الاجتماعية، كان الناس يرفضون الحديث خوفاً من أي بعدٍ سياسي،” وتُرجع ماريا هذا الخوف إلى سياسات النظام السابق، الذي استخدم القمع لإسكات الأصوات. لكن مع تراجع سلطته، بدأ الناس بالتفاعل بشكل أكبر.
لكن بعض الأحداث الأخيرة في مناطق سورية مختلفة كالساحل والسويداء وصحنايا، وما رافقها من انتهاكات، أعادت الخوف لدى شرائح واسعة من الناس، علاوةً على وجود العديد من التحديات المهنية من قبيل صعوبة الوصول إلى المعلومات واحتكارها من قبل جهات محددة، إضافةً إلى التهديدات الأمنية وغياب التصريحات الرسمية.
وترى ماريا أن ضعف المهنية لدى بعض الصحفيين/ات ساهم في تراجع الثقة، قائلةً: “نُقلت أخبار بطريقة تسيء للناس، ما تسبب بقطيعة بينهم وبين الإعلام،” في الوقت الذي فاقمت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، الأزمة، وذلك بسبب انتشار الصفحات العشوائية والمعلومات المفبركة.
“اليوم، يمكن لأي شخص أن يقوم بإنشاء صفحة ونشر ما يشاء دون تحقق،” تقول ماريا داعيةً إلى الشفافية، وإيجاد ميثاق شرف إعلامي، ومحاسبة من يضلل أو يشوه الحقائق، إلى جانب ضرورة تمكين العاملين/ات في المجال الإعلامي.
إنقاذ الإعلام في سوريا يبدأ من دعم الإعلام المحلي
تؤكد منى مجدي، الأستاذة المساعدة في جامعة القاهرة، والعاملة لسنوات طويلة مع الإعلام المستقل في سوريا، أن أزمة الثقة في الإعلام ليست جديدة ولا حكراً على مناطق النزاع، بل هي أزمة عالمية، لكنها تزداد حدةً في البيئات غير المستقرة، حيث تغيب المعلومات ويضعف الإطار القانوني الحامي للعمل الصحفي.
الإعلام المحلي في سوريا هو “إعلام أفراد”، يعتمد على المبادرات الشخصية في ظل غياب الدعم المؤسسي، وحتى المؤسسات الموجودة تعتمد في الغالب على جهود شخصية، لا على بنيان مؤسسي متكامل، بحسب ما تراه منى، موضحةً أنّ هذا النموذج ليس سلبياً بالضرورة، بل يتماشى مع تحولات المشهد الرقمي.
“بوجود التقنيات الرقمية الحديثة، بات بمقدور فرد في غرفة مغلقة، أن ينافس مؤسسة كبرى في التأثير،” لكن انتقاد منى يكمن في غياب الدعم، وتؤكد أن الإعلام المحلي ظل مهمشاً من حيث التدريب والتمويل، ومن وجهة نظرها، فإن إنقاذ الإعلام الوطني السوري، يبدأ من دعم الإعلام المحلي.
في استبيانٍ نفذته منظمة نيكستيب في الفترة الممتدة بين عامَيّ 2023 و2024، استهدف أكثر من ألف شخص من مناطق مختلفة بشمال شرقي سوريا، قال أكثر من 48% من المستهدفين/ات أنهم/نّ لا يثقون بوسائل الإعلام كمنبر لطرح القضايا التي تخصّهم/نّ، بينما قال ما يقارب من 57% إنّ وسائل الإعلام لا تلعب دوراً إيجابياً في طرح قضايا المجتمع ومنها قضايا الفئة الشابة على وجه الخصوص.
“الناس ترى في المؤثر صديقاً، وفي الصحفي ممثلًا لمؤسسة قد تكون منحازة،” تقول منى وتشير إلى أن الجمهور بات يميل إلى المؤثرين/ات المحليين/ات الذين/اللواتي يرونهم/نّ أقرب، وأقل ارتباطاً بأجندات خارجية، وترى أن ما يسمى بـ”الصحفي المواطن” أصبح مرجعاً لدى الجمهور، لأنه ينقل الحدث مباشرة دون تحرير أو رقابة، وتختم حديثها بأن هذه الظاهرة تتوسع، ليس في سوريا فحسب، بل تمتد إلى دول الجوار، وتتطلب مراجعة شاملة للمشهد الإعلامي.
