مع خيوط الفجر الأولى، كان صوت الدواب وصخب الآلات الزراعية يملأ سهل سري كانيه/ رأس العين. هناك، حيث امتدت سنابل القمح على مدّ النظر، لم يكن المزارع عدنان عيسو، البالغ من العمر أربعين عاماً، يتوقع أن يحمل له صباحٌ من عام 2019 ما لم يخطر بباله، فقد اضطر يومها إلى مغادرة أرضه وتركها مرغماً، بعد اجتياح الفصائل السورية الموالية لتركيا لمدينته وقريته واستولت على أرضه، فشد الرحال مع عائلته نحو مدينة قامشلي.
يقول عدنان وهو يتأمل صور أرضه عبر هاتفه المحمول: “الأرض بالنسبة لي مثل العِرض، لا يمكن التخلي عنها، وحينما عَلِمْتُ أن غرباء يزرعونها ويحصدون محصولها وكأنها ملكٌ لهم، شعرتُ أن قطعة مني تُنتزع،” ويضيف أن رحلة النزوح كانت قاسية، لكن الأشد قسوة كان ذلك الشعور بالعجز أمام ضياع أرض توارثها عن الأجداد، ورغم ذلك لم يقطع صلته بالأرض، فاستأجر قطعة صغيرة في الدرباسية، وعاد ليبذر من جديد.
لم يكن المحصول وفيراً، كما لم تكن الظروف مشجّعة بسبب قلة الأمطار وارتفاع أسعار البذار والأسمدة وغياب الدعم، لكن عدنان ظل مصراً على الزراعة، ويقول: “لا أستطيع أن أحرم نفسي من خيرات الأرض، حتى لو كان الإنتاج قليلاً، يكفيني أن ألمس التراب بيدي. الزراعة ليست مهنة فقط، هي حياة وكرامة، هي ارتباط بماضينا وأصالتنا.”
ثم يتابع حديثه متأثراً: “في كل موسم حصاد تعود ذاكرتي إلى الماضي، إلى أيامٍ كنّا نخرج جميعاً إلى الحقول مع شروق الشمس، كان موسم الحصاد عيداً حقيقياً، نغني ونضحك بينما نشاهد الحصادات وهي تلتهم السنابل الذهبية. رائحة الخبز المصنوع من قمحنا كانت لها وقع مختلف، وهذا الشعور هو ما يجعلني أتشبث بالزراعة مهما كانت الظروف.” اليوم، يعمل عدنان في أرض ليست ملكه، لكنه يزرعها بالقمح والشعير والمحاصيل العِطرية كالكمون والكزبرة والحبة السوداء، ويجد فيها شعور الانتماء ذاته.
الأرض بين من اضطر لتركها ومن لا يزال يحرسها
محمد صالح عطية، يبلغ من العمر سبعين عاماً، يقيم في مدينة قامشلي منذ نزوحه مع عائلته من مدينة سري كانيه/ رأس العين في العام 2019، عمل في الزراعة طيلة حياته، قبل أن تجبره الحرب على ترك أرضه. محمد الذي يختنق صوته كلما تذكّر تلك اللحظة، يقول: “بدأت الزراعة منذ سنواتٍ طويلة، كانت علاقتي بالأرض قوية جداً، وشعرتُ دوماً أنني أقدّم شيئاً حقيقياً وملموساً.”
بالنسبة لمحمد، لم تكن الزراعة مهنة فحسب، بل أسلوب حياة، لكن حين نزح من مدينته، لم يعد قادراً على الاستمرار، ويستعيد مشهداً محفوراً في ذاكرته: “في أحد مواسم الجفاف، انتظرنا هطول المطر شهوراً متتالية، وحين هطل أخيراً، خرجتُ إلى الحقل كطفلٍ صغير، رفعتُ يديّ للسماء، وبكيتُ من الفرح، لكن سرعان ما توقف المطر، وتبخّر حلم الموسم الناجح،” يقول محمد ويشير إلى أنه مذّاك عَلِمَ أن الاستمرار في الزراعة سيصبح صعباً، حتى أتى النزوح وتحقق شكّه.
يقول محمد إنّ قرار ترك الأرض والزراعة كان بمثابة جرح غائر له، واليوم، بعد أن تقدّم به العمر، لم يعد يعمل في أية مهنة، يقول: “سافر أبنائي إلى الخارج، وانقطع بذلك آخر أمل لي بمعاودة الزراعة، وباتت حلماً يستحيل تحقيقه مجدداً.”
معروف محمد معروف، مزارع من ريف بلدة أبو راسين بريف مدينة حسكة، قرر التمسّك بأرضه رغم سنوات الحرب والنزوح، يتذكر طفولته في أوائل الثمانينات حين كانت الزراعة بسيطة وغير متطورة، لكنها مصدر العيش الوحيد لعائلته، كان حلمه آنذاك أن يكمل ما بدأه والده وجده: يزرع ويحصد، ويوسّع أرضه كلما استطاع.
في التسعينات، عاش معروف ما يسميه “العصر الذهبي”، مع ظهور أصناف جديدة من القمح والقطن والفول، واستخدام الأسمدة الحديثة التي حسّنت الإنتاج، لكن مع مطلع الألفية الجديدة، بدأت التحديات تتضاعف: ارتفاع أسعار المحروقات، الاعتماد على الكهرباء، انتشار الآفات الزراعية والكوارث الطبيعية من جفاف وحرائق وصقيع، ومع ذلك واصل المزارعون التكيّف للحفاظ على أراضيهم.
جاءت الحرب السورية لتزيد المعاناة، إذ واجه المزارعون صعوبة في العيش بأمان، وهاجر الكثير منهم بعد بيع أراضيهم، يقول معروف بأسى: “كان المشهد مؤلماً أن أرى جيراني يتركون أرضهم ويمضون،” وفي العام 2019، اضطر معروف للنزوح شهراً كاملاً، وخسر جزءاً كبيراً من موسمه، لكنه سرعان ما عاد، متمسكاً بأرضه، مستعيناً بالطاقة الشمسية لتخفيف الكلفة، وببعض الدعم المحدود من بذار وأسمدة وعقود زراعية.
اليوم، يزرع معروف القمح والسمسم والقطن والذرة وحتى الخضار الصيفية، ورغم أن الإنتاج لم يعد كما كان، لكنه يراه كافياً ليواصل، وبالنسبة له، الزراعة ليست مجرد مهنة، بل هوية ممتدة عبر ثلاثة أجيال، يقول: “أنا وُلدت في بيت مزارع، وأبي وجدي قبلي كانوا يزرعون، نحن مع هذه الأرض منذ أكثر من ستين عاماً، لا نفكر بتركها إلا إذا أجبرتنا الظروف الأمنية، الأرض بالنسبة لنا حياة وذاكرة، نكبر معها ونعيش بها.” يقول معروف.
بين عدنان الذي ما زال يقاوم ليبقى على صلة بالأرض، ومحمد الذي اضطر للتوقف رغم تعلقه بها، ومعروف الذي لا يعرف مهنة أخرى غير الزراعة، تتجلى قصة آلاف المزارعين في شمال شرقي سوريا، قصصهم تحمل الآلام ذاتها؛ حربٌ انتزعت البعض من أرضهم، وفي الكفة الأخرى، جفافٌ لا زال يهدد من رفض الاستسلام.
“أنا مزارع ولا مهنة لدي سوى الزراعة، وأنا أؤمن بأن الذي يعمل بجد في أرضه آخذاً بجميع أسباب النجاح لابد أن تنجح زراعته رغم كل الظروف.” يقول معروف. يشهد القطاع الزراعي في سوريا، تدهوراً مستمراً منذ نشوب الحرب السورية في العام 2011، وبحسب منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فإن إنتاج الحبوب في سوريا عام 2024 قُدِّر بنحو 3.4 مليون طن، أي أقل بنسبة 33% مقارنةً بالمعدل قبل الحرب، كما أن إنتاج القمح انخفض هذا العام بنسبة 40%، بحيث يتوقع أن يكون الإنتاج الوطني حوالي 1.2 مليون طن، وهو أدنى بكثير من الاستهلاك المحلي (حوالي 4 مليون طن).
