اللعب المميت: العنف الرقمي يطرق أبواب الأطفال

“أشعر أن أطفالي فقدوا الإحساس بالمتعة… لم يعد يرضيهم شيء، وكل ما يريدونه هو الأجهزة الإلكترونية،” بهذه الكلمات يصف خالد أحمد، (والد لثلاثة أطفال أعمارهم 14 و12 و6 سنوات) من مدينة قامشلي، معاناته مع إدمان أبنائه على الألعاب الرقمية، فقد باتوا، على حد وصفه، متوترين، سريعي الانفعال، لا يتحملون أية كلمة، ويشعرون بالملل الدائم، حتى إن محاولاته لاقتراح أنشطة بديلة للتسلية لا تلقى منهم أي قبول.

ويقول خالد إنه كان دائماً ضد استخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية، غير أن ظروف “جائحة كورونا” والحظر المنزلي أجبرته على الرضوخ لطلباتهم، خصوصاً أن العائلة تعيش في شقة صغيرة بلا فسحة للعب، ومع غياب المساحات الآمنة بسبب الحرب، لم يجد أمامه خياراً سوى السماح لهم باستخدام الأجهزة لتفريغ طاقاتهم داخل المنزل.

محاولات خالد اللاحقة لتقليص ساعات الاستخدام كانت تُقابل بالرفض، إذ يتساءل أطفاله باستمرار: “لماذا يُسمح لأصدقائنا باللعب ونحن لا؟” ويشير خالد إلى أن تأثير المحيط وسلوكيات الأطفال من الأقارب والأصدقاء، جعل المنع مهمة شبه مستحيلة، مضيفاً أن هذا الجيل بات أكثر عنفاً نتيجة انغماسه في الألعاب الإلكترونية القتالية، حتى بعد سحب الأجهزة منهم، يُلاحظ أنهم يقلدون مشاهد العنف فيها في لعبهم مع بعضهم، فيصل الأمر إلى الضرب كما لو كانوا في معركة حقيقية.

يعترف خالد أنه لا يعرف ما الحل، لكنه يرى أن القضية تتطلب معالجة جذرية، فمحاولاته الحالية لتقليل الاستخدام سرعان ما تفشل، إذ يظهر على أطفاله ضجر شديد، ويبدون وكأنهم فقدوا القدرة على الاستمتاع بأي بديل آخر.

من التسلية إلى الإدمان: كيف تقود الألعاب الإلكترونية إلى العدوانية؟

“أحاول أن أمنع ابنتي من البقاء لفترات طويلة على الهاتف، لكنني لا أستطيع ذلك. كثيراً ما أقوم بتوبيخها دون جدوى، وهذا الأمر يزعجني كثيراً… ولكن ماذا عساي أن أفعل؟” تقول فاطمة (اسم مستعار) من ديريك/المالكية، وهي تتحدث عن معاناتها مع ابنتها البالغة من العمر 15 عاماً. وتضيف أن ابنتها تبقى هادئة أثناء استخدام الهاتف والألعاب الإلكترونية، لكن ما إن تتركه حتى يتحول سلوكها إلى العدوانية، الأمر الذي يدفعها لمسايرتها في كل مرة تفشل فيها بمحاولة تقليل ساعات استخدامها للجهاز.

إنّ الإفراط في استخدام الألعاب الإلكترونية يؤدي إلى الإدمان والسلوك العدواني، بسبب تأثير ذلك على هرمون “السيروتونين” واضطراب النوم، بحسب الطبيب النفسي عبد الحليم حسن، الذي يشبّه التعلّق بالألعاب الإلكترونية، بالإدمان على الكحول أو المواد المخدرة، إذ يبدأ الأمر بنيّة اللعب لفترة قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة، لكن الوقت يمتد لساعات طويلة، وقد يصل الأمر أحياناً للسهر حتى ساعات الصباح.

ويشير عبد الحليم إلى أن الأطفال والمراهقين/ات الذين يُمنعون فجأة من استخدام الأجهزة الإلكترونية تظهر عليهم/نّ أعراض انسحابية واضحة، مثل القلق، التوتر، الإحباط، أو العدوانية، ويؤكد أن العنف هنا ليس مجرد انعكاس للسلوك في اللعبة، بل جزء من عملية الإدمان نفسها.

كما يوضح أن كثيراً من مستخدمي/ات الألعاب يلجأون/يلجأن إلى مشروبات الطاقة أو المواد الغنية بالسكريات، وهو ما يزيد من حدة السلوك العدواني، نظراً لتأثير هذه المواد على خفض مستوى السيروتونين في الدماغ، ما يجعل الشخص أكثر عرضة للعنف أو السلوكيات الخطرة، ويضيف: “انخفاض السيروتونين مرتبط بزيادة الميل إلى السلوك العدواني، بل وأحياناً بارتكاب الجرائم.”

ويلفت أيضاً إلى أنّ قلة النوم الناتجة عن السهر الطويل أمام الشاشات تعمّق المشكلة، إذ يتأثر استقلاب السيروتونين والميلاتونين، ما ينعكس سلباً على المزاج ويزيد من حدة العدوانية.

أما الألعاب القتالية على وجه الخصوص، فيرى عبد الحليم أنها تُغري اللاعبين/ات بتقمص دور المقاتل/ة، والاندماج في مجموعات افتراضية للقتال والتعاون على خوض المعارك، وهو ما يجعل الأطفال والمراهقين/ات يعيشون الدور بواقعيته وينقلونه إلى سلوكهم/نّ اليومي.

الحوار هو أداة الرقابة الأقوى 

تقول سناء (اسم مستعار) من ديريك/المالكية، وهي أم لثلاثة أطفال، إنها تتبع الصرامة في تربيتهم، مؤكدة أنها لا تتساهل إطلاقاً في موضوع استخدام الهاتف، وتوضح: “أقوم بترهيبهم كلما حمل أحدهم الهاتف لفترات طويلة، لأنني مقتنعة أن للهاتف أضراراً كبيرة على الأطفال، فهو ينعكس سلباً على شخصياتهم وأفعالهم.”

أما بهية عيسو من مدينة قامشلي (أم لخمسة أطفال) فتروي قصتها بمرارة: “حين أنجبت ثلاثة توائم، كنت أضع الهاتف بيد ابني البكر (كان حينها لم يتجاوز العامين) لأشغله، لكن ذلك كان خطأً فادحاً، وانعكس الأمر سلباً على سلوكه، فأصبح عدائياً، وتأخر نطقه حتى اليوم رغم أنه بلغ الثالثة عشرة، أما التوأم الذين يبلغون 11 عاماً فقد بدأوا يقلدونه في إدمانه على الأجهزة.”

تقول بهية إن الأمر ازداد سوءاً بعد أن اشترى والدهم لهم جهاز “بلاي ستيشن”، حيث باتوا أكثر تعلقاً بالألعاب الإلكترونية، وكثيراً ما يضربون بعضهم حتى تسيل الدماء، وتضيف: “عندما أرى المشهد أفزع وأخفي الجهاز، لكننا نرضخ في النهاية لإصرارهم ونعيده إليهم، سجّلتهم في دورة ملاكمة، ووالدهم يصطحبهم للمسبح وملعب كرة القدم لإبعادهم قليلاُ عن الأجهزة، لكن ذلك لم يغير كثيراً، حتى عندما أطلب منهم اللعب في الشارع يرفضون.” 

تشعر بهية اليوم أن أطفالها لا يعيشون طفولتهم كما ينبغي، وكثيراً ما تقوم بتخويفهم بأن أدمغتهم وأعينهم ستتأثر سلباً، لكن دون جدوى، ووحده قدوم المدرسة يخفف من ساعات جلوسهم أمام الشاشات، وتتابع بأسى: “أحياناً لا أقوم بإيقاظهم صباحاً، لأنني أعرف أنهم سيلجأون فور استيقاظهم إلى الأجهزة.”

في كل مرة يضغط فيها طفل/ة على زر «ابدأ اللعبة»، يفتح باباً إلى عالم مليء بالمغامرات، عالم قد يفيض بالخيال والإبداع، وقد يعجّ في أحيان أخرى بالمشاهد العنيفة التي تترك بصمتها على عقول صغيرة لم تكتمل بعد، بحسب الخبير الرقمي نيرودا الحسين، الذي يشير إلى أن السؤال الجوهري يبدأ من: “كيف يمكن للأهل أن يمنحوا أبناءهم متعة اللعب، دون أن يدفعوا ثمناً من براءتهم؟”

يرى نيرودا أن المشكلة ليست في اللعبة وحدها، بل في غياب الحوار داخل الأسرة، فحين يجلس الأب أو الأم مع طفلهم/طفلتهم، ويسألونه/ها عن شخصياته/ها المفضلة في اللعبة أو اللحظة التي أسعدته/ها فيها، يتحول اللعب إلى “جسر للتواصل” بدلاً من أن يكون جداراً عازلاً، فالحوار، برأيه، هو أداة الرقابة الأقوى، وأهم بكثير من أي برنامج حجب، وأن التكنولوجيا التي صنعت الألعاب، وفّرت في الوقت نفسه أدوات لحماية الأطفال والطفلات منها، ويقول: “هناك تطبيقات مثل Google Family Link، أو خاصية Screen Time على هواتف «آبل»، تمنح الأهل القدرة على تحديد الوقت المسموح به للعب، أو حتى إغلاق الباب أمام ألعاب لا تناسب أعمار أبنائهم/نّ، وأن هذه الأدوات تشبه مفاتيح ذكية، تفتح للطفل ما ينفعه وتغلق أمامه أبواب العنف.”

“الطفل الذي يُمنع فقط، سيبحث عن طرق أخرى للوصول إلى ما يريد، بينما الطفل الذي يُمنح بديلاً ممتعاً سيختار بنفسه ما يفيده، ومن هذه البدائل: الألعاب التعليمية، مغامرات بناء العوالم مثل Minecraft Education، أو حتى أنشطة واقعية كالرسم والرياضة، فهي منافذ تمنح الأطفال سعادة دون أن تزرع فيهم بذور العدوان.” يقول نيرودا

قد يبدو الحجب المباشر حلاً سريعاً – بضغطة زر تُغلق اللعبة وينتهي الأمر- لكن الواقع، كما يقول نيرودا، أكثر تعقيداً، فالأطفال غالباً ما يتقنون التكنولوجيا أكثر مما يتصور الأهل، وقد يجدون طرقاً بديلة للوصول إلى ما مُنعوا/ن منه، لهذا يبقى الحجب إجراءً مؤقتاً، يحتاج دائماً أن يُرافقه وعي أسري ورقابة إيجابية، ورغم ذلك، هناك مواقف لا مفر فيها من الحجب، بحسب ما يوضّحه نيرودا، “مثلاً عند مواجهة ألعاب شديدة العنف أو محتويات غير مناسبة، في هذه الحالة يمكن للأهل الاعتماد على ضبط إعدادات الراوتر، أو استخدام برامج مثل Kaspersky Safe Kids، أو تفعيل القيود العمرية في منصات الألعاب نفسها، لكن الأهم أن يعرف الطفل سبب الحجب، لا أن يشعر بأنه عُوقِبَ دون تفسير.”

العنف في الألعاب الإلكترونية واقع لا يمكن إنكاره. لكن مواجهته، برأي نيرودا، لا تكون بالخوف ولا بالمنع وحده، بل ببناء جسر ثقة بين الطفل/ة وأسرته/ها، واستخدام التقنية كدرع واقٍ لا كسيف مسلط، عندها فقط، يتحول اللعب من تهديد صامت إلى فرصة لبناء خيال نقي وعالم أكثر أماناً داخل عقل كل طفل/ة.