سوريا …كيف يريدها السوريون/ات أن تكون؟

لم يستطع مورلينو، الشاب العشريني من مدينة قامشلي، إخفاء مشاعر الحزن عند سؤاله عمّا يتمناه لبلده سوريا، شأنه شأن العديد من الشباب والشابات الذين/ اللواتي يرغبون في واقع أفضل ومستقبل أقل قسوة من السنوات التي مضت، والتي شكّلت جزءاً من طفولتهم/نّ.

“للأسف، سوريا اليوم بلد منهك، جريح ومتعب، ويعاني من دمار كبير في البنية التحتية نتيجة سنوات الحرب الطويلة. المدن تدمرت، والملايين من أبنائها تهجّروا، وكثيرون فقدوا أرواحهم،” يقول مورلينو ويكمل: “النسيج الاجتماعي السوري تعرّض لتصدعات، والثقة بين أبناء الوطن تراجعت، ورغم ذلك، ما تزال سوريا تحتفظ بروح الحياة، وما زلنا نتمسك بالأمل في مستقبل أفضل.”

في تقرير لمنظمة العفو الدولية، تحدثت الأمينة العامة للمنظمة، أنياس كالامار، عن أن السوريين/ات تعرضوا/ن لـ”سلسلة مرعبة من انتهاكات حقوق الإنسان” تسببت في معاناة إنسانية لا توصف على نطاق واسع، وأكدت أنه يجب اغتنام هذه الفرصة التاريخية للتعويض عن عقود من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. 

مصاعب كثيرة واجهها السوريون والسوريات الذين/اللواتي لا يزالون/ يزلن يعيشون داخل البلاد، وتؤكد الاختصاصية النفسية، جهينة مسلم، أن استمرار حالة انعدام الأمان، إلى جانب الصعوبات الاقتصادية والإنسانية، والصدمات القوية والممتدة، تجعل الجهاز العصبي لدى الإنسان في حالة تُسمى “وضع النجاة”، حيث يتعامل الدماغ على حد وصفها، وكأن الخطر موجود طوال الوقت، فيبقى الجسد في حالة تأهب دائم ويقظة مستمرة، ومع مرور الوقت، تؤدي هذه الحالة إلى زيادة احتمالية الإصابة بالاضطرابات النفسية، وخاصة اضطرابات القلق والاكتئاب ونوبات الهلع.

هل باتت حقوق السوريين/ات أمنيات صعبة التحقيق؟ 

“السوريون أناس مميزون وليسوا سيئين كما يظن البعض، ولطالما كان هذا التميّز واضحاً في أي عمل يقومون به في أي مكان؛ نريد إخبار العالم أننا لسنا طائفيين ولا نكن الكراهية للآخرين، بل العكس، نتضامن مع المتضررين أينما كانوا،” تقول سلمى (اسم مستعار لشابة عشرينية من مدينة حماه) وتضيف أن السوريين والسوريات يمتلكون قدرات وإمكانات مميزة في العمل والتعليم ومختلف المجالات، تبعاً لاختصاصاتهم/نّ المهنية والعملية، وهو ما ترغب سلمى أن يعرفه العالم عن أبناء وبنات بلدها.

شهدت سوريا موجات هجرة واسعة نتيجة الحرب والدمار، وتشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن ما لا يقل عن 6 ملايين سوري وسورية يعيشون كلاجئين/ات، موضحة أن الوضع الإنساني داخل البلاد وخارجها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

أما من لا يزالون داخل سوريا، فيأملون بعيش حياة طبيعية بعيدة عن أجواء الحرب، كما توضح بيريفان قاسو من مدينة حسكة: “من بقي حتى الآن في سوريا يستحق حياة كريمة. عانينا بما فيه الكفاية على مدار سنوات الحرب، ونطمح أن يعم السلام في بلادنا، أن تنتهي الحرب ويسود الأمان. أقصى ما أتمنى أن أتمكن من التنقل بين المدن السورية وأنا أشعر بالأمان، دون الخوف من الخطف أو الاعتقال أو حتى التعرض لعنفٍ لفظي قائم على الطائفية أو غيرها،” كما تضيف.

الأوضاع القاسية التي مر بها السوريون/ات داخل البلاد وخارجها قد تساهم في نشوء شعور بانعدام القيمة الذاتية، ما قد يؤدي إلى الإحساس بالدونية نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية المستمرة، فضلاً عن الممارسات العنصرية في بعض دول اللجوء، وقلة الفرص، والشعور بعدم الانتماء، بحسب ما توضّحه الاختصاصية النفسية جهينة مسلم.

وتشير جهينة  إلى أن هذه العوامل تزيد من هشاشة صورة الذات، إلا أن تأثيرها ليس حتمياً، إذ توجد عوامل حماية مهمة مثل الدعم الاجتماعي، والقدرة على التأقلم، والانخراط في بيئات مختلفة، والتماسك الأسري، والفرص التعليمية، التي يمكن أن تحد من نشوء هذه المشكلات وتساعد على بناء هوية إيجابية وتقدير ذاتي صحي ومرتفع.

الحرب المستمرة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وغياب سيادة القانون، وانتشار الانتهاكات دون محاسبة، حولت حقوق السوريين والسوريات من واقع يجب أن يُعاش إلى حلم بعيد المنال، على حد وصف الحقوقية سيفدا أيو. وتؤكد أن السوري أو السورية، شأنه/ها شأن أي إنسانٍ في العالم، يتمتع بحقوق أساسية يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، منها الحق في الحياة والحرية والأمان، والمساواة أمام القانون، وحرية التنقل والتعبير والمعتقد، والحق في العمل والتعليم والعيش بكرامة دون تمييز أو اضطهاد. وتضيف: “للأسف، في واقع سوريا اليوم، كثير من هذه الحقوق الأساسية أصبحت أشبه بالأمنيات. إذ تواجه جميعها تحديات كبرى، مما يجعل تحقيقها أمراً صعباً في ظل النزاع والانتهاكات المستمرة.”

آمال السوريين/ات في مواجهة خطاب الكراهية

يحلم مورلينو بدولة قانون وعدالة، يعيش فيها المواطنون والمواطنات بحرية وكرامة دون خوف أو تمييز، ويضيف: “أشعر بالحزن تجاه الانقسام والمشاحنات، لأنه يزيد من عمق الجراح والمتاعب ولا يبني شيئاً، لكن يمكننا تجنب ذلك من خلال الاعتراف بآلام الآخرين، وتقبل اختلاف الرأي، ونشر ثقافة الحوار والتسامح، خاصةً عبر التعليم والإعلام، لأن أغلب ما يزيد الكراهية هو نشر الأخبار بأسلوبٍ مسيء.”

هذا ما تؤكده مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقرير لها، إذ ذكرت أنها وثّقت شهادات ومواد مصورة لانتهاكاتٍ وتجاوزات، مشيرةً إلى أن التوترات تفاقمت بفعل تصاعد خطاب الكراهية سواءً أكان عبر الإنترنت أو خارجه، إلى جانب انتشار واسع للمعلومات المضللة، بما في ذلك لقطات مصورة أخرجت من سياقها، ما زاد من مخاوف السكان. وأعربت المفوضية عن خشيتها من أن يؤدي هذا الانتشار المتزايد لخطاب الكراهية والمعلومات المضللة إلى تهديد التماسك الاجتماعي في المجتمع السوري.

ويشير الصحفي علي نمر إلى أن معظم الوسائل الإعلامية لعبت دوراً مزدوجاً، إذ كانت أحياناً تبث رسائل إيجابية، وأحياناً أخرى سلبية، مستفيدةً أو متحججةً بحالة النزاع وتعدد “سلطات الأمر الواقع” على الجغرافيا السورية، ويوضح أن حرية الرأي والتعبير كانت المبرر الدائم للوسائل الإعلامية في تبني خطاب مرفوض وفق القانون الدولي ومعاييره المتعلقة بحقوق الإنسان. 

ويضيف علي: “لماذا النزول إلى هذا المنعطف الخطير في استخدام خطاب يهدد السلم الاجتماعي برمته؟ أعتقد أن التجربة السورية، مع إغلاق عشرات المواقع بعد سنواتٍ من تأسيسها، أكدت أن معظم تلك الوسائل أُنشئت للترويج لأجندات مرتبطة بالنزاع، بهدف تحقيق غايات محددة أعدت مسبقاً من قبل المانحين والممولين معاً، الذين استغلّوا حاجة الصحفيين السوريين للعمل، فقبلوا بسياسات تحريرية مفروضة عليهم، رغم أنهم في حياتهم الخاصة يرفضون هذه التوجهات وخطاب الكراهية جملة وتفصيلاً.”

تعكس الأحداث الجارية في سوريا إلى حد كبير تداعيات الحرب والصراعات الممتدة، التي زرعت خوفاً عميقاً وفقداناً للأمان لدى الأفراد، فالخوف الذي عاشه السوريون/ات لسنوات طويلة، في ظل الحرب والنزوح والفقر وتدمير البنية التحتية، جعلهم/نّ يعيشون في حالة قلق دائم، بحسب جهينة مسلم، التي تؤكّد أن الخوف المزمن يدفع العقل البشري إلى البحث عن وسائل لحماية نفسه والشعور بالأمان، فيلجأ الإنسان وسط هذه الأزمات إلى آليات دفاعية بدائية، مثل تصنيف العالم إلى أبيض وأسود، أو “معنا أو ضدنا”، هذه الآلية تُلغي المساحات الرمادية وتحوّل الآخر المختلف إلى “تهديد وجودي”.

وتضيف جهينة: “في هذه الآلية يُبسّط الإنسان الواقع إلى ثنائية صارمة: معنا أو ضدنا، خير أو شر، أبيض أو أسود.” والسبب وراء ذلك على حد وصفها أن التفكير العميق وتحليل المواقف المعقدة يرهقان العقل ويزيدان القلق، بينما تقسيم الأمور بهذه الطريقة يمنح شعوراً مؤقتاً بالأمان والانتماء، ويقلل الحيرة. 

“من ناحية أخرى، الإنسان بطبيعته اجتماعي ويحتاج للانتماء لمجموعة توفر له الحماية والهوية، لكن المشكلة تبدأ حين يرفض الإنسان أو يخاف من الآخرين/الأخريات خارج مجموعته، ويرى فيهم/نّ تهديداً، فيبرر العنف أو القمع ضدهم/نّ، ومع الوقت، يترسخ الخوف من المختلف/ة ويُبرر إقصاؤه/ها والعنف الممارس ضده/ها، وهذا ما نراه في السياق السوري حالياً، لذلك نحتاج إلى وقت وجهد ووعي عميق لبناء ثقافة تقبل الاختلاف وتقليل الخوف.” تقول جهينة.

“التنوع السوري كان أحد الأسباب الرئيسة لوجود خطاب الكراهية، وتأثيره في زيادة الشرخ وتفاقم العداء بين السوريين، حيث جعل هذا التنوع أرضية خصبة أمام من يوظفون هذا الخطاب لمصلحتهم، سواءً أكان على المستوى الشخصي بين الإعلاميين أنفسهم، أو بتوجيه من خلال السياسات التحريرية لعدد من الوسائل الإعلامية.” يقول علي نمر.

على المستوى القانوني، لا يوجد حتى الآن قانون سوري واضح وشامل يجرّم خطاب الكراهية، رغم وجود نصوص عامة تتناول الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو الطائفية، بحسب سيفدا أيو، وتكمل حديثها أن هذا الفراغ القانوني يتيح مساحة واسعة لانتشار هذه الخطابات دون محاسبة فعالة، وتشدد على أن مواجهة خطاب الكراهية تتطلب جهوداً قانونية واجتماعية لتعزيز ثقافة الاحترام والتسامح، إلى جانب تطوير تشريعات صارمة وحملات توعية مجتمعية مستمرة.

أين يكمن الحل؟

يعتقد مورلينو أن كل فرد قادر على إحداث فرق إيجابي، ولو بخطوات صغيرة، عبر التحلي بالأخلاق، ونشر الوعي، واحترام الآخر/الأخرى، والمشاركة في العمل المجتمعي والتطوعي، مع الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، ويقول: “كفرد في هذا المجتمع، أستطيع أن أساهم بنشر المعرفة، بالكلمة الطيبة، بدعم المبادرات الإيجابية، وأن أكون قدوة لغيري من الشباب في التعامل الإنساني والمحترم، فالتغيير يحتاج فقط إلى نية صادقة وعمل مستمر.”

أما سلمى، فترى أن توعية الفرد لنفسه بالمخاطر المحدقة بالبلاد تمكنه من إحداث تغيير إيجابي، إلى جانب تبني خطاب متوازن بعيد عن الطائفية أو الإثنية تجاه أي حدث، ورفض جميع أشكال العنف، وتشير إلى أن الأمر يعتمد أيضاً على الخطاب المنتشر عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

ويضيف علي: “تجنب خطاب الكراهية عبر المهنية والموضوعية في العمل الصحفي، وتدقيق أي خبر أو معلومة قبل نشرها، يضع أمام الإعلاميين مسؤولية اجتماعية كبرى، اليوم، على الإعلام أن يكون جزءاً من الحل لا المشكلة، وألا يتبنى تصريحات حساسة قد تؤدي إلى خلافات عرقية أو دينية، كما حدث مؤخراً.”

وترى جهينة أن تعزيز التعافي النفسي وبناء مقاومة داخلية لدى الأفراد يساعد على تكوين مجتمع متماسك ومتقبل، داعم لتعافي أفراده نفسياً، ويشكل قاعدة صلبة نحو مستقبل أفضل، وتشدد على أهمية بناء شبكات دعم اجتماعي قوية، وطلب المساعدة عند الحاجة، وتقبل مشاعر القلق والخوف والعمل على معالجتها، إلى جانب تطوير التفكير النقدي وتشجيع الحوار المفتوح والاحترام المتبادل، والابتعاد عن التعصب والكراهية.

وتؤكد سيفدا أن الحل الجوهري يكمن في القانون، باعتباره قاعدة لإعادة البناء وإرساء السلام، ومعالجة الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين/ات عنها، وضمان حقوق الضحايا، وتعزيز التعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوري، وتوضح: “في المرحلة الراهنة، يلعب القانون دوراً أساسياً في محاولة حفظ الحقوق وحماية الأفراد، وتنظيم العلاقات، وتوفير العدالة والمساواة، رغم التحديات الكبرى مثل ضعف المؤسسات وانعدام الاستقرار الأمني.”

رغم تعدد المصطلحات والانقسامات، يبقى السوريون والسوريات مشتركين/ات في معايشة المعاناة والمشاعر القاسية التي أفرزتها الحرب، وفي رغبتهم/نّ المشتركة ببناء مستقبل أفضل، يعيش فيه الجميع حياة كريمة، تُصان فيها الكرامة وتُحترم الحقوق.