انتخابات “سوريا الجديدة” تعيد إنتاج الغياب النسائي

“مجرد خوضي للتجربة هو بحد ذاته نجاح وكسر للحواجز والنمطية، مستمرة إن شاء الله بالسعي ومارح نوقف عند أول خسارة ..على العكس رح نتجاوزها ونبدأ بالعمل ونستفيد من أخطائنا لنوصل لأهدافنا،” بهذه الكلمات تتحدث عليا أحمد إحدى المترشحات لمجلس الشعب السوري عن منطقتها أعزاز بريف حلب، عن تجربتها في أول انتخاباتٍ تُجرى بعد سقوط النظام السوري السابق، في ديسمبر/كانون الأول 2024.

لكن وراء هذا الأمل الشخصي، تكشف العملية الانتخابية التي جرت بين 15 و20 أيلول/سبتمبر 2025 عن صورة مختلفة، إذ تُرى في ملامحها ضعف في التمثيل النسائي، رغم الوعود التي رافقت المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا، بتعزيز المشاركة النسائية في الحياة العامة.

وبحسب الإعلان الدستوري يمثل المجلس الجديد – وولايته من ثلاثين شهراً قابلة للتمديد – السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم وتنظيم انتخابات جديدة. وخلال هذه الولاية يضطلع المجلس بمهمات تشريعية تشمل اقتراح القوانين وتعديلها، المصادقة على المعاهدات الدولية، إقرار الموازنة العامة، والعفو العام، وغيرها.

الانتخابات الأخيرة، التي جرت بطريقة غير مباشرة يعيّن فيها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ثلث الأعضاء، ويُنتخب الباقون عبر هيئات ناخبة فرعية، أسفرت عن مجلس يضم نسبة نسائية متواضعة لا تتجاوز ستة مقاعد من أصل 210، لذا وفي هذا التقرير، نحاول تفكيك أسباب ضعف تمثيل النساء في المجلس الجديد.

بعد سقوط النظام: النساء ما زلن خارج معادلة القرار في سوريا الجديدة

تقول عليا أحمد أن ما دفعها للترشح كان الإيمان بضرورة مشاركة النساء في صنع القرار، وترشحها جاء كخطوة للتأكيد على أنّ النساء قادرات على تمثيل مجتمعاتهن سياسياً واجتماعياً، وللدفع نحو سياساتٍ أكثر عدلاً تجاه الفئات المهمشة، وخاصةً النساء.

إلا أن نتائج الانتخابات جاءت مخيبة للآمال، وتقول عليا: “سبب عدم الفوز هو ضعف الدعم مقارنةً بالمرشحين المدعومين من كتل مُنظّمة، إلى جانب ثقافة مجتمعية لا تزال ترى الرجل الأجدر بالمناصب العامة، إضافة إلى الاستقطابات السياسية التي حددت نتائج الانتخابات أكثر مما فعلت الكفاءة أو البرامج الانتخابية.”

وعن واقع النساء في الفضاء السوري العام، منذ سقوط النظام السوري السابق، تضيف عليا أنّ النساء السوريات وبعد التغيير الذي تشهده البلاد، يجدن أنفسهن أمام تحدياتٍ مضاعفة رغم التحولات العميقة في دورهن في الفضاء العام، فمن جهة وبحسب وصفها، وجدن فرصاً للمشاركة في ظل غياب القبضة الأمنية، ومن جهة أخرى، واجهن مقاومة اجتماعية ودينية وثقافية شرسة، وقفت عائقاً أمام تفعيل دورهن الحقيقي، وتكمل: “ما زالت المشاركة النسائية في صنع القرار محدودة، ومشروطة ببيئة ذكورية وغياب دعم مؤسسي وتمثيل عادل.”

أما الصحافية والنسوية السورية ميسا صالح، فإنها ترى أنه ومنذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السوري السابق، لم تُخفِ السلطات الجديدة في سوريا ملامح المشروع الذي تُعيد من خلاله بناء السلطة: “مشروعٌ لا يحتمل النساء، لا كفاعلات، ولا كرموز، ولا حتى كمكوّن عضوي في مستقبل البلد السياسي أو الثقافي.”

وبحسب ميسا، لا يُنظر إلى النساء كشريكات في صياغة المرحلة الانتقالية، بل يُعاد إقصائهن كجزء من “الشرط التأسيسي” لإعادة هندسة السلطة والمجال العام، وتوضح: “الحضور النسائي الذي شهدناه في السنوات الأولى للثورة في التنظيم، التوثيق، في الحراك، وفي المبادرات المحلية بدأ بالتراجع القسري مع تصاعد النزعة المركزية الذكورية للسلطات الناشئة، التي أعادت تعريف المجال العام بحيث يصبح حضور النساء فيه مشروطاً ومراقباً ومؤطراً ضمن أدوار تقليدية تُصنَّف على أنها “آمنة”، أو رمزية، لا تهدد توازن القوى الذكورية.”

وهكذا، لا تُقصى النساء فقط من مواقع القرار، بل يُعاد تشكيل وجودهنّ ذاته ليُصبِح تحت الوصاية، وهذا ما جعل المشاركة النسائية في الشأن العام اليوم أكثر هشاشة وتهميشاً، على الرغم من كل الجهود الفردية والجماعية التي تبذلها نساء سوريات في مختلف المناطق، بحسب ما توضحه ميسا التي تؤكّد أنه لا يمكن تقييم واقع النساء في الحياة العامة من دون الإشارة إلى هذا النمط البنيوي من الإقصاء، الذي لا يستهدف النساء كأفراد فقط، بل كفئة سياسية واجتماعية كاملة، تُهدَّد أهليتها للقرار، وشرعيتها في الفضاء العام، من خلال العنف الرمزي والتشريعي والثقافي، الذي يعيد تعريف الذكورة كشرط للفاعلية، ويُبقي الأنوثة في موقع دائم من المراقبة والنفي.

“ضربة قاسية” هي ما يصفه عهد الهندي الباحث الأول في مركز اتصالات السلام، (مقرّه الولايات المتحدة الأميركية)، ما تلقاه الوجود النسائي في الحياة العامة منذ تسلم الحكومة الانتقالية إدارة البلاد، ويتفق عهد مع أن النظام الحالي يقوم على الذكورية الأبوية التي ترفض مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وتؤمن بـ “قوامة الرجل” على المرأة كأحد ركائزها العقائدية، ويضيف: “انعكست هذه الذهنية مباشرة على طبيعة الحكم، فأصبحت مشاركة المرأة تُعامَل كمسألة تجميلية لا جوهرية، إذ تُستخدم النساء لتلميع صورة النظام أمام الخارج، وليس لإحداث تمثيل حقيقي في مواقع صنع القرار.”

من التمكين إلى التجميل: النساء في برلمان سوريا الجديدة

لدى ميسا صالح تحفظ على تسمية “انتخابات مجلس الشعب”، معتبرة أنها ليست عملية انتخابية فعلية، بل هو أقرب إلى آلية تعيين، أُنتج من خلالها جسم سياسي “مطيع وولائي”، وصُمّم ليُلبي حاجة السلطة لإعادة تدوير شرعيتها، وتكريس المزيد من “التمكين السلطوي”، دون اعتبار حقيقي لمبادئ التمثيل، أو للمساءلة، أو حتى للحساسية الجندرية.

وتعتبر أنه في هذا السياق، يصبح وجود النساء داخل هذا المجلس غير معبّر عن إرادة سياسية لتمكين النساء أو ضمان مشاركتهن في الحياة العامة، بل مجرد حضور رمزي لا يُخفي واقع الإقصاء المنهجي، وتقول: “التمثيل هنا خاضع لمنطق الولاء، لا الكفاءة، ولا الرؤية، ولا الالتزام بقضايا النساء، وبالتالي، لا يمكن اعتباره تمثيلاً حقيقياً بأي معنى من معاني العدالة الجندرية أو الشراكة السياسية، بل هو نتيجة مباشرة لبنية سياسية تُعاد هندستها على أسس ذكورية وأبوية، تُقصي النساء عبر القانون، والإعلام، والتعليم، وتُفرغ مشاركتهن من مضمونها الفعلي. وهو ما يجعل من هذا المجلس أداة لإعادة إنتاج السيطرة الذكورية لا لكسرها.”

وفي تصريح للجنة العليا للانتخابات لبعض الوسائل الإعلامية، فإن نسبة تمثيل النساء في المجلس الجديد بلغت نحو 4% فقط، وتعتبر عليا هذه النسبة “ضعيفة جداً”، ومؤشر قوي عن هشاشة التشريعات المناصرة للنساء، خاصةً وأن النساء لا يزلن غائبات عن مراكز النفوذ الحقيقية داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وغالباً ما يتم تهميش أصواتهن في القضايا الحساسة أو المصيرية، وبالتالي، فإن هذه النسبة لا تعكس تطلعات النساء السوريات في “سوريا الجديدة” التي يُتوقع أن تقوم على العدالة والمواطنة والمساواة، بحسب ما تصفها بها عليا.

ويقول عهد من جهته: “ما نراه اليوم من تخصيص نحو 20% من مقاعد مجلس الشعب للنساء لا يُعدّ تقدّماً حقيقياً، بل محاولة لإضفاء طابع تجميلي على نظام في جوهره معادٍ للنساء. كثير من هؤلاء اللواتي يتم تعيينهن لا يمثلن الفكر النسوي أو قضايا النساء، بل يكرّرن الخطاب الذكوري ذاته، مؤكدات على أدوار تقليدية ومحدودة للمرأة.”

ويكمل: “لذلك يمكن القول إن سوريا تشهد اليوم أحد أسوأ المراحل في تاريخها الحديث فيما يتعلق بمكانة المرأة ودورها. فبلدٌ كانت النساء فيه دوماً رائدات في التعليم والنضال والعمل العام، أصبح اليوم يعيش مرحلة انحطاط اجتماعي وأخلاقي تجاه المرأة، بفعل نظام يرى فيها زينة للواجهة وليس شريكاً في بناء الدولة.”

آفاق تحسين واقع النساء في سوريا الجديدة

رغم التراجع الذي تشهده مشاركة النساء في الحياة السياسية بعد التغيير الحاصل في سوريا، تتفق الأصوات النسوية والمدنية على أن الطريق نحو التمكين الحقيقي لا يزال ممكناً، لكنه يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الشعارات إلى الفعل، ترى عليا أحمد أن تحسين دور النساء في المرحلة المقبلة يبدأ من تمكينهن سياسياً واقتصادياً وتعليمياً، لأن الوعي والقدرة الاقتصادية هما المدخل الأساسي للمشاركة الفاعلة، إلى جانب تبنّي سياسات تشريعية تضمن حصة فعلية للنساء في مواقع القرار، وتغيير الخطاب الإعلامي والمجتمعي نحو الاعتراف بهن كقائدات وشريكات في صناعة المستقبل، وليس كرموز شكلية في واجهة المشهد، وتشدد على أن “التغيير في سوريا لن يكون حقيقياً ما لم تكن المرأة في قلبه، لا على هامشه.”

أما الباحث عهد الهندي، فيرى أن الأمل لا يزال قائماً في الحركات النسوية والمدنية التي تواصل نضالها، جنباً إلى جنب مع الرجال المؤمنين بالمساواة والحرية، لإضعاف البُنى السلطوية الأبوية وبناء بديلٍ سياسي يحترم كرامة الإنسان، نساءً ورجالاً، ويعيد للمرأة السورية مكانتها الريادية في المجتمع والسياسة.

تذهب الصحافية والنسوية ميسا صالح أبعد من ذلك، معتبرة أن تعزيز مشاركة النساء في الشأن العام يستلزم إعادة تعريف الشأن العام نفسه. فالمسألة، برأيها، لا تقتصر على وجود النساء داخل المؤسسات الرسمية، بل على توسيع مفهوم الشأن العام ليشمل العدالة الاجتماعية، والحقوق الجسدية والاقتصادية، وخلق فضاءات آمنة وفاعلة للنساء، خصوصاً في المناطق المهمشة، وترى أن بناء حركة نسوية عابرة للانقسامات، تؤمن بالتغيير الجذري لا الترقيعي، هو الشرط الأول لولادة سوريا أكثر عدلاً وإنسانية.

في ظل الإصرار المتزايد من ناشطات/ين وفاعلات/ين مدنيات/ين وباحثات/ين على قلب المعادلة، يبدو أن معركة النساء في سوريا لم تعد مع السلطة فحسب، بل مع البنية العميقة التي رسّخت الذكورية كقانون غير مكتوب للحياة العامة، ومع ذلك، فإن أصوات النساء التي تتقدّم اليوم، ولو من الهامش، تُعيد التذكير بحقيقةٍ لا يمكن تجاوزها: أن لا عدالة في سوريا من دون النساء، ولا مستقبل من دون حضورهنّ الكامل في القرار والمصير.