الوصم الخفي: كيف يشكّل المجتمع صورة مشوّهة عن المهن الإنسانية

تخفي سهام (اسم مستعار لسيدة من مدينة قامشلي) طبيعة عملها في تنظيف المنازل عن جميع من حولها، بما في ذلك أقاربها، خشية نظرة المجتمع التي تجرّد مهنتها من قيمتها الإنسانية. تقول سهام: “أخفي اسمي الحقيقي عن الناس الذين أعمل لديهم حتى لا يعرف أحد أنني أعمل في تنظيف المنازل، فالمجتمع يربط هذه المهنة بصفات سلبية، وهذا ما يؤلمني”. 

تتابع سهام بصوت يغلبه الحزن: “لم أكمل دراستي، وزوجي مريض، وأنا أعمل لتأمين قوت يومي، ألا تكفيني كل هذه الأعباء حتى أحمل عبئاً إضافياً، وهو نظرة المجتمع الدونية لي؟ بدل أن يتم الاحتفاء بجهودي، أُجلد على خياراتي التي لم أملكها.”

ولا تقتصر معاناة سهام على الوصم الاجتماعي، بل تمتد إلى انعدام الثقة التي تواجهها أثناء عملها. تقول: “يتخوفون من تركي بمفردي في أي غرفة خوفاً من سرقة ممتلكاتهم، وهذا مؤلم جداً، فكوني محتاجة لا يعني أنني غير أمينة أو أنني سارقة.” ولتجنّب أية شبهة، طوّرت سهام أسلوباً خاصاً لحماية نفسها من الاتهامات غير المباشرة: “كردّ فعل، أرفض دائماً الدخول إلى أية غرفة بمفردي، وأطلب من سيدة المنزل أن ترافقني حتى أنتهي من عملي وأغادر.”

الوصم المهني… حين تتحول المهن الإنسانية إلى عبء اجتماعي

تتجذر في مجتمعات المنطقة صور نمطية تُثقِل كاهل أصحاب/صاحبات المهن الإنسانية، وتجعلهم/نّ يواجهون/يواجهن حكماً مسبقاً على سلوكهم/نّ قبل أن يُقيَّم أداؤهم/نّ، تهاني أحمد، ممرضة من مدينة قامشلي، تشرح: “هذه المشكلة ليست جديدة، فصورة الممرضة القاسية معممة في المجتمع. الضغط الهائل في العمل، وعدد الحالات التي نتعامل معها. أحياناً أضطر لرفض طلب من المريض أو أحد مرافقيه لأسباب طبية، وهذا يجعلهم يرونني قاسية أو غير متعاونة.”

وتضيف: “هذه النظرة النمطية تسبب لنا إحباطاً كبيراً. فمهما حاولنا أن نكون متعاونين وطيبين، قد لا يتغير رأيهم عنا. هذا يدفعنا أحياناً إلى بناء حاجز عاطفي مع المرضى والتعامل بحذر شديد خوفاً من سوء الفهم أو الحكم المسبق.”

 ولكن تهاني ترى أن الصورة ليست ثابتة، بل تتبدل حين يلمس الناس الجهد الإنساني خلف المهنة:

“تتغير النظرة السائدة عندما يلاحظ المرضى وأهلهم العطف والاحترافية في التعامل. الالتزام بالمواعيد، الصبر، والرد على الاستفسارات، كلها تشكل انطباعاً إيجابياً عن الممرض أو الممرضة”.

وتستدرك: “في المقابل، أي إهمال أو تعامل بعصبية قد يترك أثراً سلبياً يعمم على كل من يعمل في هذه المهنة”.

المهندس بشار سعيد، المتخصص في الهندسة الكهربائية، يواجه وصماً مهنياً من نوع آخر: “كثير من الناس يظنون أن المهندس شخص متكبر بسبب استخدامه مصطلحات تقنية وعلمية. بالنسبة لي، التواضع أساس نجاح أي عمل. قيمة المهندس الحقيقية تظهر في مساعدته للناس، لا في إثبات أنه يعرف أكثر من غيره.”
ويضيف: “سوء الفهم غالباً ما ينبع من استخدام لغة مهنية دقيقة تُفسر أحياناً خطأً على أنها تكبر. وسائل التواصل الاجتماعي تسهم في ترسيخ هذا الانطباع، من خلال مقاطع ساخرة تُقدّم بروح الدعابة لكنها تترك أثراً سلبياً”.

ويقول: “أحاول دائماً التواصل بشكل بسيط مع الناس ليشعروا أنني لست متكبراً كما يظنون، لكن هذا يجعلني تحت ضغط دائم لأثبت أنني لست مغروراً.”

أما الطبيب رشيد عمر الاختصاصي في أمراض الأطفال من مدينة ديريك/المالكية، فيرى أن “كل صاحب مهنة إنسان، له ما للمجتمع وعليه ما على المجتمع”، مشيراً إلى أن ما يُؤخذ على الأطباء أحياناً قد يعود لعوامل مهنية بحتة، مثل طبيعة الدوام غير المنتظمة التي تؤثر على حياتهم/نّ الاجتماعية. 

ويؤكد رشيد أن هناك نظرة خاطئة تعتبر الأطباء “غير اجتماعيين”، لم يلمسها شخصياً، لكنه يراها في أحاديث الكثير من المحيطين/ات به مجتمعياً فيما يتعلق بعموم أطباء وطبيبات المنطقة، موضحاً أنه يحرص على التفاعل الإيجابي مع الناس داخل عيادته وخارجها، بابتسامة واحترام يبددان أي فكرة عن التعالي، ويشرح أن أثر النظرة المجتمعية يختلف باختلاف الشخصية: “الطبيب المتكبر قد لا يكترث، لكن الطبيب المتواضع يشعر بالظلم من هذا الانطباع، فيسعى أكثر إلى الاندماج وكسب ثقة الناس، حتى لو اضطر أحياناً إلى التصنع لتجنب سوء الفهم.”

الصور النمطية والأحكام المسبقة: إرث ثقافي يعيق تطور الأفراد والمجتمعات

يشدد المرشد الاجتماعي عبد الرحمن بدرخان على أن الصور النمطية والأحكام المسبقة ليست أفكار عابرة، بل إرث ثقافي يثقل المجتمعات ويتوارثه الأجيال: “الأحكام غالباً ما تستند إلى تجارب سلبية فردية تُعمم على مجموعات كاملة. الأفعال السلبية تترك أثراً أعمق وأطول من الأفعال الإيجابية. التصرفات السيئة قد تبقى في ذاكرة الإنسان عشرين أو ثلاثين سنة، بينما قد ينسى الفعل الجميل بعد دقائق قليلة فقط”.

هذا الانحياز الذهني يؤدي إلى تعميم الصفات السلبية على مهن معينة، مثل ربط “القصاب” بـ “النصاب” أو “المهندس” بالمغرور، وحتى على المهن الإنسانية، كالطب وغيرها بحسب ما يوضحه بدرخان ويشير إلى أنها نتيجة سلوكيات جماعات محددة أو ممارسات فردية شاذة، ويؤكد  أن هذه الأحكام المسبقة تنتقل من جيل إلى جيل، إذ يرث الأبناء والبنات الأفكار الثقافية من آبائهم/نّ وأمهاتهم/نّ، مشبهاً الإنسان بـ”تركيبة اجتماعية ثقافية موروثة” تشكل شخصيته/ها ونظرته/ها للعالم.

ويؤكد بدرخان على أهمية أن يكون الفرد عاقلاً في البحث عن إجابات مستقلة بدلاً من اتباع ما ورثه/ها عن آبائه/ها، لافتاً إلى أن الأحكام المسبقة ما هي إلا “مفهوم متوارث ونظرة متعاقبة في الأجيال”، تتسرب إلى الثقافة والتكوين الفكري دون وعي، مسببة انطباعات خاطئة تؤثر على الأفراد والمجتمع.

من جانبها، توضح المعالجة النفسية فالنتينا مراد أن الصور النمطية تشكل “قوالب جاهزة” تفرض على الأفراد، مما يؤثر سلباً على صحتهم/نّ النفسية والاجتماعية، وتضرب فالنتينا أمثلة على المهن التي تتأثر بهذه الصور، مثل مهنة الطب حيث يُنظر إلى الأطباء على أنهم أشخاص أذكياء وغير اجتماعيين/ات، ومهنة التدريس حيث يُصور المعلم/ة على أنه/ها صارم/ة وقاسٍ/ية.

وتشير فالنتينا إلى أن الدماغ يميل لإصدار أحكام سريعة لتوفير الجهد وإحساس السيطرة، وأن البيئة الاجتماعية والتكرار المستمر لهذه الصور النمطية يجعل الأفراد يصدقونها دون تفكير، وللتخفيف من آثارها، تقترح عدة حلول: التوعية والتثقيف عبر الإعلام، الانخراط الاجتماعي لكسر القوالب الجاهزة، والدعم النفسي للأفراد المتأثرين/ات، وتختتم حديثها بالقول إن الصور النمطية ليست مجرد آراء عابرة، بل يمكن أن تتحول إلى قناعات داخلية تعيق التطور الشخصي والإبداعي.

الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي: من ترسيخ الصور النمطية إلى تصحيحها

يؤدي الإعلام دوراً محورياً في تشكيل وعي المجتمعات، سواءً أكان بالإيجاب أو السلب، فالإعلام التقليدي، إلى جانب  الدراما السورية، ساهم لعقود في ترسيخ صور نمطية عن أصحاب المهن، حيث يُصوَّر المحامي/ة غالباُ كشخص ثرثار، والطبيب/ة ذو شخصية متقلبة، وهو ما جعل الجمهور يصدق هذه الصور رغم عدم انعكاسها للواقع، بحسب ما يشير إليه الصحفي زانا العلي، ويوضّح أن هذا التكرار المستمر حوّل الأوصاف النمطية إلى حقائق اجتماعية مسلَّم بها، ما عزز الأحكام المسبقة تجاه المهن المختلفة.

ومع ظهور المنصات الرقمية وتنوع المحتوى الإعلامي، بات بالإمكان استخدام الإعلام كأداة فعالة لتصحيح هذه المفاهيم، بحسب زانا، الذي يضيف أنه خلال جائحة كورونا، لعب الإعلام دوراً بارزاً في تقديم الأطباء والطبيبات بصورة بطولية وإنسانية، ما ساهم في كسر الصورة النمطية السلبية عنهم/نّ، كما ساهمت الحملات الإعلامية المكثفة في إعادة تقدير مهنة عامل/ة النظافة، التي كانت تُعتبر “معيبة” اجتماعياً.

ويؤكد زانا أن الدور الفعّال للإعلام يتطلب وعياً بمسؤوليته والتزاماً بعدة مبادئ: إدراك تأثيره على الرأي العام وتجنب إعادة إنتاج الصور النمطية، والبحث عن القصص الواقعية التي تُظهر تنوع المهن والتحديات والنجاحات التي يواجهها أصحابهان بهذا الأسلوب، يستطيع الإعلام أن يتجاوز دوره التقليدي في الترفيه والتوجيه، ليصبح قوة دافعة للتغيير الاجتماعي الإيجابي، من خلال إظهار الجوهر الإنساني وراء المهنة، لا مجرد القوالب النمطية التي حصرته فيها سابقاً.

ختاماً، تتضح آثار الصور النمطية والأحكام المسبقة على الأفراد والمجتمعات، فهي لا تقلل فقط من قيمة المهن بل تؤثر مباشرة على الصحة النفسية، الثقة بالنفس، والإبداع المهني، سواءً أكان الأمر يتعلق بمهنة التمريض أو الطب، أو الهندسة، أو أية مهنة أخرى، يظل الوصم الاجتماعي عبئاً يفرض قيوداً على حرية الفرد في التعبير عن ذاته/ها وإظهار كفاءته/ها، ومع ذلك، يمكن التخفيف من هذه الآثار من خلال تضافر جهود الأسرة، التعليم، الإعلام، والدعم النفسي، لتشكيل وعي مجتمعي أكثر عدلاً وانفتاحاً. من خلال إعادة تقييم الصور النمطية وكسر القوالب الجاهزة، يمكن للمجتمع أن يقدّر جهود كل فرد، ويعزز احترام المهن المختلفة، مؤكداً أن قيمة الإنسان تتجاوز المهنة التي يمارسها، وأن كل فرد يستحق النظر إليه/ها بحياد وإنصاف.