في سنٍّ يفترض أن ينشغل فيه الأطفال والطفلات باللعب والدراسة بعيداً عن أي تغيرات جسدية مبكّرة، وجدت جميلة (اسم مستعار لسيدة أربعينية من مدينة قامشلي) نفسها أمام تجربة لم تكن تتوقعها مع ابنتها ذات السبع سنوات، فقد بدأت الطفلة تُظهر علامات غير مألوفة في عمرها، مثل زيادة الوزن وظهور الشعر في مناطق مختلفة من جسدها، ليتبين بعد مراجعة الطبيب أنها تعاني من حالة البلوغ المبكر، وهي ظاهرة آخذة في التزايد بين الطفلات وتثير قلق الأطباء والأهالي على حدٍّ سواء.
تروي جميلة تفاصيل هذه المرحلة قائلة: “أخبرنا الطبيب أنه يجب أن تبتعد عن بعض المواد الغذائية مثل العسل، المكسرات، السكريات، والأطعمة الدسمة لأنها قد تؤثر على هرموناتها، كما شدد على أهمية ممارسة الرياضة حتى لا يتأثر طولها. بالفعل غيرنا نظامها الغذائي وعاداتها اليومية وقدمنا لها الدعم اللازم، فسن البلوغ مرحلة حساسة تتغير فيها الهرمونات، ومن المهم أن نهتم ببناتنا ونوجههنّ كي لا يصبن بالاكتئاب أو غيره.”
ويؤكد الدكتور روان تمو، اختصاصي أمراض الغدد الصماء والسكري والبدانة، أن البلوغ المبكر يُعرّف بأنه ظهور الصفات الجنسية الثانوية قبل سن الثامنة عند الإناث وقبل سن التاسعة عند الذكور، موضحاً أن العلامات الأولى لدى الفتيات تشمل بروز الثدي وظهور الشعر تحت الإبط أو في المنطقة الحساسة، بينما تتمثل عند الذكور بظهور الشعر في منطقة العانة وتحت الإبط إلى جانب مؤشرات أخرى.
بين الصمت الاجتماعي والتأثيرات النفسية: تحديات الفتيات مع البلوغ المبكر
لا يقتصر البلوغ المبكر على الجانب الجسدي فقط، بل تتداخل معه عوامل اجتماعية وثقافية تعقّد من كيفية تعامل العائلات معه، فالعادات والتقاليد السائدة، وثقافة المجتمع، إضافة إلى أساليب التربية الأسرية، تتحكم بدرجة كبيرة في وعي الأهالي وحديثهم/نّ عن هذه المرحلة الحساسة. إذ يرى كثيرون/ات أن الخوض في مثل هذه الموضوعات “عيب”، بحسب ما توضحه المعالجة النفسية فالنتينا مراد، وتكمل: “بعض الأهالي يخشون أن يتعرض أطفالهم للإساءة أو الإحراج، لذلك قد يتحفظون على الحديث عن موضوع البلوغ المبكر.”
هذا الصمت يترك أثره العميق على الفتيات، كما تروي مريم (اسم مستعار لسيدة ثلاثينية من ريف قامشلي): “في المرة الأولى التي مررت فيها بالدورة الشهرية، لم أخبر أحداً معتقدة أن مرضاً أصابني وأنني سأموت، وفي المرة الثانية أغمي عليّ في المدرسة، ولم أكن أعلم أن ما أمرّ به جزء من أعراض الدورة الشهرية، إلى أن شرحت لي والدتي لاحقاً ما يحدث: أنه العادة الشهرية. كان يجب أن أعلم بذلك قبل أن أختبره، لكن لا والدتي ولا نساء العائلة أخبرنني بالأمر.”
وتؤكد فالنتينا أن الأثر النفسي على الفتيات يكون كبيراً، إذ تولّد التغيرات الجسدية مشاعر خجل وارتباك، وقد يرافقها توتر وتقلب مزاج وضعف ثقة بالنفس. بعض الفتيات يعانين من العصبية والعزلة، وأخريات يشعرن وكأن الجميع يراقبهن أو على علم بتغيرات أجسادهن، ما يسبب لهن قلقاً وضغطاً نفسياً إضافياً، خصوصاً مع تنبيهات الأهل المتكررة بضرورة إخفاء الأمر عن الذكور في العائلة، وفي أحيانٍ أخرى، تراود بعض الفتيات مشاعر الذنب، معتقدات أن ما يختبرنه نتيجة لرغباتهن الجنسية.
طبياً، يشير موقع “مايو كلينك” إلى أنه من أبرز مضاعفات البلوغ المبكر قصر القامة، إذ قد ينمو الأطفال والطفلات المصابون/ات بسرعة ويبدون أطول من أقرانهم/نّ في البداية، لكن عظامهم/نّ تصل إلى مرحلة النضج مبكراً، ما يؤدي إلى توقف النمو قبل الأوان.
إضافة إلى ذلك، وبحسب الموقع ذاته، يواجه الأطفال والطفلات تحديات نفسية واجتماعية، إذ قد يشعرون بالحرج من التغيرات المبكرة، مثل الدورة الشهرية، الأمر الذي يؤثر على تقديرهنّ لذواتهنّ ويزيد من احتمالات إصابتهنّ بالاكتئاب أو الانجراف نحو سلوكيات ضارة مثل تعاطي المخدرات أو الكحول.
حالات البلوغ المبكر في ازدياد … فما هي الأسباب؟
يؤكد الطبيب روان، أن نسبة العائلات التي تراجع عيادته الخاصة في الوقت المناسب لمعاينة الطفلات، لا تتجاوز 10% فقط، فيما تعيش عائلات أخرى حالة من المفاجأة والصدمة عند معرفتها بإصابة بناتهنّ بالبلوغ المبكر، ويكشف روان أن عدد الحالات التي تراجعه شهرياً يتجاوز 50 حالة، تشكل البدانة السبب المباشر في نحو 30% منها.
لطيفة من مدينة قامشلي، إحدى الأمهات اللواتي لم يكنّ على دراية بهذه الظاهرة، لاحظت على ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات بعض التغيرات الجسدية مثل زيادة الوزن وظهور رائحة العرق، وتقول: “ظننت في البداية أن قلة الحركة والخمول هما السبب، فنمط حياتنا لم يكن صحياً، نسهر ونستيقظ متأخرين، وحركتنا قليلة، أصبت بالصدمة عندما نبّهتني صديقتي لاحتمالية إصابة طفلتي بالبلوغ المبكر. طفلتي لا تزال صغيرة جداً، فكيف سأتعامل مع هذا الوضع في هذا السن؟”
ويوضح روان أن هناك عوامل عديدة تساعد على ظهور البلوغ المبكر، من بينها التغيرات المناخية مثل ارتفاع درجات الحرارة، والتلوث البيئي، بالإضافة إلى التغير في العادات الغذائية والاعتماد المتزايد على الأغذية الجاهزة الغنية بالكولسترول والدهون التي تسبب البدانة وبالتالي تحفّز علامات البلوغ.
ويضيف: “من الأسباب المهمة في مجتمعنا المؤثرات البصرية ووسائل التواصل الاجتماعي مثل اليوتيوب، إضافة إلى سهر الأطفال وتغير العادات والتقاليد وأنماط العيش، كما أن الأطعمة الجاهزة، وأطعمة المحلات مثل “الشيبس” والبسكويت التي تحتوي على كميات كبيرة من الكولسترول المهدرج لها دور كبير في زيادة النسيج الشحمي والبدانة وبالتالي التحريض على البلوغ المبكر.”
ترى المعالجة النفسية فالنتينا مراد أن غياب الوعي لدى الأهل بمخاطر البلوغ المبكر، أسبابه ونتائجه النفسية والجسدية والسلوكية، يجعلهم/نّ عاجزين/ات عن تقديم الدعم المطلوب لأطفالهم/نّ، وتوضح: “الأطفال يتابعون المشاهير والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي ويقلدونهم، فيما يجد الأهل راحتهم في ترك أطفالهم أمام هذه الوسائل دون تدخل، بعضهم يبرر ذلك بأن جميع أطفال هذا الجيل يفعلون الشيء نفسه، لكن من المهم أن يتوفر الوعي داخل الأسرة، ليس عند الأم فقط بل أيضاً عند الأب، فهذا يولّد لدى الطفلة شعوراً أكبر بالأمان.”
تجربة لطيفة مع ابنتها كانت نقطة تحول في حياتهما، إذ تبيّن بعد الفحوص وجود اضطراب في الهرمونات، ما دفعهما لاعتماد أسلوب حياة صحي يتضمن ممارسة التمارين الرياضية بشكل يومي، تفادياً لاضطرار الطفلة لتلقي إبر في العظام لمعالجة المشكلة.
وتوضح فالنتينا أن غياب الحصص التوعوية حول البلوغ المبكر في المدارس، سواءً أكان للذكور أو الإناث، يشكل عاملاً سلبياً إضافياً، مضيفة: “عندما يتوفر الوعي لدى الطرفين، يصبح الأطفال أكثر قدرة على فهم ما يمرون به حتى في غياب وعي أسرهم، على سبيل المثال، ستدرك الطفلة حينها أنها ليست وحدها في هذه التجربة، ما يقلل من شعورها بالخوف والتوتر.”
من جانبه، يؤكد الطبيب روان أن حرمان الأطفال من عيش طفولتهم/نّ الكاملة، واندماجهم/نّ المفرط مع عالم الكبار، يساهم في تحفيز الهرمونات لديهم/نّ، ويقول: “من المهم أن نركز على أن يعيش الأطفال ما دون الثامنة طفولتهم الطبيعية بعيداً عن السهر الطويل أو الاختلاط الدائم بالكبار، كذلك يجب على الأهل الاهتمام بالنظام الغذائي الصحي كوسيلة وقائية، فيما يعتمد العلاج على شدة التحفيز الهرموني، وقد يتطلب أحياناً استخدام إبر لإيقاف البلوغ المبكر.”
وتشير دراسة طبية إلى أن البلوغ المبكر موجود عند الجنسين، لكنه يظهر لدى الفتيات بمعدل يتراوح بين 8 و20 مرة أكثر من الأولاد، ما يستدعي متابعة دقيقة من قبل الأهل، وغالباً ما ترتبط هذه الحالات بتشوهات أو اضطرابات خفية، لذا يشدد الخبراء على أهمية أن يوضح الوالدان لأطفالهم/نّ ما يحدث بشكل علمي ومبسط، وأن يقدموا لهم/نّ المعرفة الجنسية المناسبة لعمرهم/نّ، حتى يتمكنوا من فهم التغيرات الجسدية التي يمرون بها والتكيف معها دون خوف أو ارتباك.
إنّ تزايد حالات البلوغ المبكر يعكس تداخلاً معقداً بين العوامل البيئية والغذائية والاجتماعية والنفسية، ما يجعل التعامل معه مسؤولية جماعية لا تقتصر على الأسرة فقط، إذ يحتاج الأطفال إلى وعي صحي وتربوي يحميهم/نّ من الآثار الجسدية والنفسية لهذه الظاهرة، فيما يظل دور الأهل والمدرسة والمجتمع الطبي أساسياً في توفير بيئة آمنة وداعمة تضمن لهم طفولة طبيعية ونمواً متوازناً بعيداً عن الصدمات والاضطرابات.
