أهالي السويداء بين دمشق والخطر: معاملة رسمية بثمن باهظ

في مدينة السويداء، تحوّلت أبسط الإجراءات الإدارية إلى معاناة يومية للأهالي، بعد توقف المؤسسات الحكومية عن العمل منذ عدة أشهر، بعد المجازر التي شهدتها المدينة منذ تموز/ يوليو العام الحالي 2025. الأوراق التي كانت تُستخرج خلال ساعات، باتت اليوم تتطلب وسطاء خارج المدينة، ورحلات محفوفة بالمخاطر إلى العاصمة دمشق، وسط ظروف أمنية غير مستقرة.

حنان، من أهالي المدينة، واجهت هذه التعقيدات حين رزقت بطفلها في نيسان/أبريل 2025، لكنها لم تتمكن من تسجيله رسمياً إلا بعد خمسة أشهر. كانت تأمل أن تستقر الأوضاع لتنجز المعاملة بنفسها، إلا أن “الوضع كان من سيء إلى أسوأ”، كما تصفه، فاضطرت إلى توكيل محامٍ في دمشق لتسجيل طفلها، وتضيف: “عدم تفعيل دائرة الأحوال المدنية في المدينة يجبرنا على التوجه إلى العاصمة دمشق للحصول على أوراق نحتاجها في حياتنا اليومية.”

الوضع الأمني المتوتر على الطريق بين السويداء ودمشق يفاقم المشكلة، بحسب ما تصفه حنان، إذ يتردد كثير من الأهالي في مغادرة المدينة خشية التعرّض للخطر، وتلجأ بعض العائلات إلى توكيل محامين ومحاميات في دمشق لإتمام معاملاتهم/نّ وإعادة الأوراق إليهم/نّ، في عملية تصفها بأنها “معقدة ومتشعبة” مقارنة بما كانت عليه سابقاً.

يقول عمار، أحد سكان السويداء الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية:

“أصبح الخروج من المدينة يحتاج إلى موافقات معقدة وإجراءات كثيرة، إضافةً إلى الخوف من الاستهداف، كما حدث قبل أيام حين استُهدِفت حافلة تقل مدنيين من السويداء، قتل على إثرها فتاة وأصيب أشخاص آخرون، ما أثار الذعر بين الأهالي الراغبين بمغادرة المدينة لإنجاز أعمالهم.”

ويضيف عمار أن والدته تنتظر منذ نحو أربعة أشهر الحصول على راتب والده التقاعدي، الذي توفي في العام 2012، الراتب الذي لا يتجاوز 200 ألف ليرة سورية (نحو 17 دولاراً أميركياً)، رغم ضآلة المبلغ، فإن استلامه بات أمراً صعباً، إذ لا تُرسل هذه الرواتب إلى السويداء، ويصف عمار الحال في المدينة بأنه “معقد للغاية”، بدءاً من إغلاق المؤسسات الحكومية ووصولاً إلى ارتفاع الأسعار الذي فاقم الأزمة المعيشية للأهالي.

بين الاستغلال المادي والخطر الأمني… خيارات محدودة أمام الأهالي

“القصر العدلي مفتوح في السويداء لكنه متوقف عن العمل”، يقول المحامي عويضة أبو غازي المقيم في المدينة، موضحاً أن معظم العاملين/ات من قضاة ومحامين/ات وموظفين/ات غائبون/ات بسبب التهجير أو صعوبة الوصول إلى أماكن عملهم/نّ نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات وغياب وسائل النقل، فضلاً عن عدم تلقيهم/نّ الرواتب، ويضيف: “تقتصر الخدمات حالياً على بعض المعاملات مثل الوصاية الشرعية وإذن السفر، في ظل غياب شبه كامل للمحاكم والتقاضي.”

ويشير عويضة إلى أن دائرة الأحوال المدنية متوقفة عن العمل لسببين رئيسيين: انقطاع الكهرباء، وتوقف الشبكة من دمشق، ما يمنع استخراج أي وثيقة أو ثبوتية شخصية، هذا الأمر أجبر الأهالي على استخراج أوراقهم/نّ من العاصمة، ويقول: “ورقة إخراج القيد التي تكلف في سوريا نحو 2000 ليرة سورية (0.2 دولار أمريكي)، تصل كلفتها لأهالي السويداء إلى 200 ألف ليرة (17 دولاراً أمريكياً).” ويؤكد أن القادرين/ات على تحمّل هذه التكاليف هم/نّ فقط المقيمون/ات خارج سوريا.

أما المحكمة في السويداء، فعملها مقتصر حالياً على تسجيل واقعات الزواج، في حين يشهد القطاعان العقاري والمالي شللاً تاماً جراء توقف الشبكة المركزية بدمشق، وفق ما يوضحه عويضة.

تعيش المحامية هديل السلمان، ابنة المدينة، المعاناة ذاتها، إذ تملك عدة دعاوى مرتبطة بالقطاع العقاري، لكنها عاجزة عن متابعتها بسبب عدم قدرتها على الحصول على البيانات المالية الضرورية لاستكمال القضايا. وتصف هديل الإجراءات الحالية بأنها “معقدة جداً” وتعرقل عملها القانوني اليومي.

توضح هديل أن هناك حالة استغلال واضحة يتعرض لها أهالي المدينة، فتقول:

“قبل سقوط النظام، كانت تكلفة الأوراق تقتصر على ثمن الطوابع فقط، أما الآن، ورغم أن تسجيل الواقعات بمختلف أنواعها أصبح مجاناً، إلا أن الأهالي يُضطرون إلى توكيل محامٍ ودفع أتعاب وأجور توصيل إلى دمشق والعودة، ما يشكل عبئاً مالياً يفوق طاقتهم.”

وتستذكر هديل حالة امرأة تواصلت معها بعد أن دفعت نحو مليون ومئتي ألف ليرة سورية (ما يعادل 110 دولارات أميركية) مقابل استخراج إخراج قيد فردي، مشيرةً إلى أن تسجيل بعض الواقعات قد تصل تكلفته إلى ما بين 200 و300 دولار أميركي.

السويداء بين الخطر والبيروقراطية: معاملة رسمية بثمن الحياة

يؤكد عويضة أن مشكلات الأهالي متعددة الأوجه، موضحاً أن من يرغب في تسجيل عقد زواج – خصوصاً لأغراض السفر أو لمّ الشمل – يضطر لدفع نحو مليونين وثلاثمئة ألف ليرة سورية (200 دولار أميركي) لإنجاز المعاملة التي كانت سابقاً مجانية تماماً.

ويضيف: “حين سقط النظام السابق، بادرنا وكنا نحو مئة محامٍ بحملة تحت عنوان حماية القصر العدلي في السويداء، وشكلنا فرقاً لتأمين المقر ومنع الفوضى من الوصول إليه، استمرت المبادرة من كانون الأول/ديسمبر 2024 حتى شباط/فبراير 2025، إلى أن استقرت الأوضاع نسبياً، أما الآن، فنحن نعمل ضمن فرق إغاثية لتنظيم توزيع المحروقات والسلل الغذائية.”

ويتابع عويضة أن الجهود المبذولة لتخفيف معاناة الأهالي في ما يخص الأوراق الرسمية تقتصر على مساعدتهم/نّ للتواصل مع محامين ومحاميات في دمشق، نظراً لتعقيد الوضع الأمني في السويداء.

من جانبها، تقول المحامية هديل السلمان: “نحاول إيجاد حلول لكن دون آذان صاغية، ولا يزال التقييد قائماً على أبسط الإجراءات التي يمكن أن تخفف عن الأهالي، ولا نحصل على أي رد من الجهات المعنية عندما نطالب بالعمل يدوياً كحل مؤقت إلى حين عودة الاستقرار،” وتختم بالقول إن “الأسباب وراء هذا التجميد مجهولة، لكن العبء يزداد يوماً بعد يوم.”

رغم محاولات الأهالي والمحامين/ات في السويداء إيجاد حلول بديلة لتسيير شؤونهم/نّ اليومية، تبقى الحياة في المدينة معلّقة بين انقطاع الخدمات وتعطّل المؤسسات وغياب الحلول الرسمية، ومع كل يوم يمر، تتزايد كلفة الإجراءات البسيطة، ليس فقط من الناحية المادية، بل أيضاً بما تحمله من خوف وقلق وعدم استقرار، وبين انتظار عودة الكهرباء والشبكة وتفعيل الدوائر الحكومية، يعيش سكان/ساكنات السويداء على أمل أن تعود مدينتهم/نّ إلى إيقاعها الطبيعي، وأن تتحول المعاملة التي كانت تستغرق ساعات، من جديد، إلى أمرٍ يمكن إنجازه دون وسطاء أو مخاطر.