حين يغيب الرفق: صورة عن علاقة الإنسان بالحيوان في مجتمعاتنا

“في ثقافتنا المجتمعية يُستخدم لفظ (الحيوان) كإهانة، متناسين أن هذه المخلوقات أرواح خلقها الله، لا تُقدّر كما ينبغي، بل يُنظر إليها وكأنها بلا قيمة.” تقول براءة إبراهيم من مدينة المالكية/ديريك. 

وتصف براءة ما تشهده يومياً من مشاهد “مؤلمة” في الأحياء، مضيفة: “قبل أيام رأيت مجموعة من الأطفال يرمون كلباً بالحجارة في الشارع، أحياناً أشعر أن الأطفال هنا يستمتعون بإيذاء الحيوانات، للأسف هذه التصرفات السيئة منتشرة بكثرة في مجتمعنا، وأعتقد أن السبب الرئيسي يعود إلى الأهل، فدورهم أساسي في تربية أطفالهم على احترام هذه الكائنات وعدم ضربها أو أذيتها، كثيراً ما أشاهد أيضاً شباناً بالغين يرمون الحجارة على القطط والكلاب، وكأن الأمر اعتيادي.”

وتُعرّف “رعاية الحيوان” وفقاً لقانون اليابسة التابع للمنظمة العالمية للصحة الحيوانية بأنها الحالة الجسدية والعقلية للحيوان في ما يتعلق بالظروف التي يعيش ويموت فيها، وتشير المنظمة إلى أن المبادئ التوجيهية لرعاية الحيوانات الأرضية ترتكز على “الحريات الخمس” التي أُقرت عام 1965 واعترف بها عالمياً، وهي:التحرر من الجوع والعطش وسوء التغذية، والتحرر من الألم والإصابات والأمراض، والتحرر من الإجهاد الحراري والضيق، والتحرر من الخوف والمضايقات، وحرية التعبير عن السلوكيات الطبيعية.

وتوضح المنظمة أن هذه الحريات تعبّر عن توقعات المجتمع للظروف التي يجب أن تعيشها الحيوانات عندما تكون تحت رعاية الإنسان، بما يضمن معاملتها بإنسانية واحترام، بعيداً عن الإيذاء أو الإهمال.

التنشئة المجتمعية وعلاقتها بتعنيف الحيوانات

سيماف حسن من مدينة قامشلي اختارت طريقاً مختلفاً في التعامل مع الحيوانات، إذ ربت كلبتها لمدة خمس سنوات، معتبرةً أنها كانت ملاذها الآمن في الأيام الصعبة. تقول: “حيواناتنا الأليفة لا تحكم علينا بعدد الساعات التي نغيب فيها عنهم، لكنها تكافئنا عن كل لحظة نقضيها معهم. الحب الذي يقدمونه دون مقابل يجعلهم ملاذاً يمنحنا ما نحتاجه من عاطفة وحنان.”

ويُوضح الاختصاصي النفسي أيمن الساير أن طريقة تعامل الإنسان مع الحيوانات تعتمد بدرجة كبيرة على التنشئة الاجتماعية والتربوية. ففي بعض المجتمعات يُربى الطفل على احترام الحيوانات والاهتمام بها، بينما في مجتمعات أخرى يُنظر إليها كوسيلة للنقل أو مصدرٍ للغذاء، دون الاعتراف بقيمتها كروحٍ حية، كما يشير إلى أن بعض الأهالي يعمدون إلى تخويف أطفالهم/نّ من الحيوانات، مما يجعل العنف تجاهها ردّة فعل طبيعية لدى الطفل/ة لاحقاً.

يستذكر محمد (اسم مستعار لشاب ثلاثيني) تجربته قائلاً: “عندما كنت طفلاً، كنت أنا وأصدقائي نعذب قطط الحي بدافع التسلية، ولم يوجهنا أحد إلى خطأ ما نفعله، لكن عندما كبرت وسافرت إلى إحدى الدول الأوروبية، صُدمت من الفرق الكبير في طريقة تعاملهم مع الحيوانات ومن القوانين الصارمة التي تحميها، حينها فقط أدركت كم كنا نسيء لهذه الكائنات التي تشاركنا الحياة على هذا الكوكب.”

ويضيف أيمن الساير أن الأسر التي تربي أبناءها/بناتها على احترام الحيوانات تُنشئ أفراداً أكثر رحمة وتوازناً، بينما الأطفال الذين/اللواتي يعاملون الحيوانات بقسوة منذ صغرهم/نّ يعتادون العنف ويطورون شخصية صارمة وعدوانية تؤثر لاحقاً على تعاملهم/نّ مع البشر، ويؤكد أن “التطبيع مع العنف تجاه الحيوان يمكن أن يكون بوابة لاضطرابات سلوكية واجتماعية أوسع”.

تضيف سيماف أن تعامل المجتمع مع مربي/ات الحيوانات لا يخلو من النظرة الدونية، موضحة: “كثيراً ما كان يتم التعامل مع مشاعري تجاه كلبتي باستعلاء، لأن البعض يعتقد أن المشاعر يجب أن تُوجَّه للبشر فقط، وليس من الصحي أن نمنحها للحيوانات، كما كنا نصادف أطفالاً يرمونها بالحجارة دون أي توبيخ من أهلهم، وأحياناً يُبعد بعض الأهالي أبناءهم عنها باعتبارها نجسة، البعض أيضاً يربط تربية الحيوان بالرفاهية المادية، وكأن الرحمة حكر على الميسورين.”

وبحسب مبادرة “أُلفا“، تُعد القسوة على الحيوان قانوناً، كل أذى متعمد أو إهمال أو تقصير في توفير الاحتياجات الأساسية مثل الطعام والماء والمأوى والرعاية البيطرية، إضافة إلى العنف الجسدي أو التخلي والهجر، كما تُنظم القواعد الخاصة بتربية وبيع الحيوانات الأليفة الأطر الأخلاقية والتنظيمية، بما يشمل الفحوص البيطرية والتتبّع والرقابة للحد من التكاثر المفرط ومنع انتشار الأمراض.

تقول سيماف إن ارتباطها العاطفي بحيوانها الأليف كان له أثر نفسي عميق، حتى أنها بدأت تنصح أصدقاءها/صديقاتها الذين/اللواتي يمرون بظروف نفسية صعبة بتربية حيوان أليف، تضيف: “وجودها بقربي كان يغنيني عن كل شيء، خصوصاً عندما أمرّ بمشاكل أو ضغوط، كانت مشاويرنا اليومية طريقتي لاستعادة توازني مع نفسي ومع العالم من حولي، لم يكن تأثيرها الإيجابي مقتصراً عليّ فقط، بل امتد إلى جميع أفراد عائلتي.”

وخلصت دراسة حديثة إلى أن اقتناء حيوان أليف يرتبط بخفض مستويات التوتر وضغط الدم، مشيرة إلى أن مالكي/ات الحيوانات الأليفة، بما في ذلك الكلاب والقطط والأرانب، احتفظوا/ن بقدرات معرفية أفضل بعد ست سنوات من العناية المنتظمة بها، ما يؤكد أثر العلاقة بين الإنسان والحيوان في تعزيز الصحة النفسية والعقلية.

 

 ما وراء التطبيع مع العنف ضد الحيوان

يربط البعض حقوق الحيوان بالحرب والأوضاع الراهنة، لتبرير العنف تجاههم، وهو ما يشير إليه أيمن الساير بأنه سلوك خاطئ. ويقول: “الصحة النفسية تعني الرضا عن النفس، والرضا عن المجتمع المحيط سواء أكان بشراً أم حيواناً أو شجراً، الشخصية العادية السوية هي التي تعني هذا التوازن مع المجتمع المحيط، والطفل/ة إن تربى/ت منذ الصغر على العلاقات الجيدة اجتماعياً سواء مع البشر أو الشجر أو الحيوان ستكون صحته/ها النفسية سليمة وسوية، وستكون عكس ذلك إذا كان الأمر معاكساً، إذ تصبح شخصيته/ها عدوانية.”

“في الحرب، وخاصة القريبة والتي تشكل تهديداً مباشراً لك، يكون أول ما نقوم بفعله هو إعادة ترتيب الأولويات، ونفكر بكل ما يمكن أن نأخذه معنا في حال خرجنا من ديارنا، بكل خطة طوارئ كانت كلبتي بسلم الأولويات، لأن الحرب علمني لكي أنجو يجب يكون الذين أحبهم بخير معي.” تقول سيماف.

ويشير أيمن إلى أن الشخصية العدوانية والقاسية والتي تتولد لديه/ها حالة التطبيع مع العنف، يصل إلى درجة يرى فيها العنف والأذية تجاه الآخرين/الأخريات دون اكتراث، حيث يصل إلى مرحلة التبلَد بالمشاعر، ولا يشعر بأن الشخص الذي أمامه، روح ويتعذب.

عدم وجود قوانين صارمة للحد من تعنيف الحيوانات يزيد من خطر تعرضهم لمعاملة قاسية وعنيفة، وترى سيماف أن “الرحمة، الاهتمام والحب تجاه هذه الأرواح الضعيفة تساعد على الوصول لواقع أفضل تجاههم، كما أننا بحاجة لفرق تطوعية وبرامج حكومية تضمن معاقبة من يقوم بإيزائهم.”

وذكر في تقرير للأمم المتحدة أن الهدف 15 من أهداف التنمية المستدامة يتعلق بالحفاظ على الحياة في البر، ويرمي إلى حماية النظم الإيكولوجية البرية وترميمها، وإدارة الغابات على نحو مستدام وغيرها، معتبرة أن النظم الإيكولوجية للأرض حيوية لاستدامة حياة الإنسان، حيث تساهم بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتحمل قيماً ثقافية وروحية واقتصادية متنوعة ومع ذلك، يواجه العالم أزمة ثلاثية تتمثل في التغير المناخي والتلوث وفقدان التنوع البيولوجي.