حين يصبح الطموح عبئاً: خريجو/ات الجامعات في مواجهة البطالة

نوروز حمي، شابة في الخامسة والعشرين من عمرها من مدينة قامشلي بشمال شرقي سوريا، تخرجت من كلية العمارة بعد مسيرة دراسة جامعي بدأت عام 2019 وانتهت عام 2024، جاء اختيارها للتخصص بدافع شغفها بالفن والرسم ورغبتها في دراسة مجال يجمع بين الإبداع والعلم، خلال سنوات دراستها اكتشفت أن العمارة ليست مجرد مخططات إنشائية، بل رؤية متكاملة تراعي الإنسان وراحته وتُسهم في تحضر المجتمعات، وهو ما عزز إيمانها بأهمية هذا التخصص وعمّق ارتباطها به.

لكن مع اقتراب التخرج، بدأت تتكشف ملامح واقع مختلف، إذ أدركت وزملاؤها وزميلاتها، أن فرص العمل في مجالهم/نّ شبه معدومة، ورغم محاولاتها تطوير نفسها عبر التدريب على برامج هندسية متخصصة، تلاشى الدافع تدريجياً وتراجع شغفها مع اصطدامها بالفراغ المهني الذي يعيشه الخريجون/ات، تقول نوروز إن ما تعلمته في الجامعة بدأ يبهت مع مرور الوقت، خاصة وأنها لم تجد أية فرصة عملية لربط دراستها بالواقع.

ومما زاد إحباطها، عدم تمكنها حتى الآن من الحصول على شهادة تخرجها نتيجة فوضى إدارية داخل المؤسسات الحكومية بعد سقوط النظام السوري السابق، ما حرمها من أي خطوة لافتتاح مكتب خاص بها أو السعي الجدي للعمل داخل بلدها، وبين فقدان الأمل في فرص العمل المحلية والتطلع إلى السفر بغرض لم الشمل للزواج، تحاول نوروز أن تتمسك بخيط أمل وحيد عبر تعلم برنامج “3D Max” قبل مغادرتها، لعلّه يشكل رصيداً مهنياً يساعدها في الخارج.

قصتها تعكس واقع آلاف الخريجين/ات السوريين/ات الذين/اللواتي يدخلون الجامعة بأحلام كبيرة، ليجدوا/ن أنفسهم/نّ بعد سنوات الدراسة في مواجهة انسداد كامل بسوق العمل، وسط خيبات متراكمة تدفعهم/نّ إما للهجرة أو لترك تخصصاتهم/نّ.

شهادات لا تجد طريقها إلى العمل

قصة خالد العيسى (30 عاماً من الرقة) تكشف جانباً من معاناة الخريجين/ات في البحث عن عمل يليق بتخصصاتهم/نّ، خالد، الذي تخرج عام 2015 من المعهد المالي المصرفي في اللاذقية، كان يحلم بدراسة الحقوق والتطوع في سلك الشرطة، لكن ظروف الحرب غيرت مساره، ورفض أن يكون جزءاً من المؤسسة العسكرية التابعة للنظام السابق، فوجد نفسه يتنقل بين مهن بعيدة عن اختصاصه: عمل كحارس في مستوصف تابع لمنظمة، ثم كمعلم في مدرسة، إضافة إلى تجربة عمل في مؤسسة الضرائب.

رغم ذلك، لم يتمكن حتى اليوم من العثور على عمل يرتبط بدراسته الأكاديمية، ويؤكد خالد أن تزايد أعداد الخريجين/ات يدفع بالكثيرين/ات للعمل في مجالات مختلفة كلياً عن تخصصاتهم/نّ، كما حصل مع أحد أصدقائه خريج “فني تخدير” الذي اضطر للعمل في التدريس.

ويرى خالد أن المسؤولية لا تقع على عاتق الإدارة الذاتية وحدها، فالمؤسسات القائمة لا تستطيع استيعاب جميع الشباب/الشابات الباحثين/ات عن فرص عمل، لكنه يلفت إلى أن معدلات البطالة في ازدياد، والموظفون/ات العاملون/ات في المؤسسات نفسها يعانون من تدني الرواتب، فكيف بمن لم يجد فرصة عمل من الأساس؟ ويشدد على أن الحل يكمن في خلق فرص عمل حقيقية، وفتح الباب أمام استثمارات الشركات الكبرى في المنطقة، التي ما تزال بيئة خصبة لمشاريع قادرة على تشغيل أعداد كبيرة من الشباب والشابات من أبناء وبنات المنطقة.

أما نيفين حمي (خريجة هندسة معلوماتية من الحسكة عام 2023) فتصف المشكلة بأنها. بعد سنوات الدراسة في دمشق، بكل ما حملته من تكاليف ومسؤوليات وضغوط، عاجزة عن الحصول على وظيفة تتيح لها تطبيق ما تعلمته.

تقول نيفين إنها دخلت هذا الاختصاص بعد أن فوتت رغبتها الأساسية بفارق نصف درجة، لكن سرعان ما أحبّت مجالها وأخلصت له، غير أن الصدمة جاءت بعد التخرج حين اصطدمت بواقع خالٍ من الفرص، وتوضّخ أن ما يُعرض من شواغر لا يصل إلى أصحاب الاختصاص، بل يذهب في كثير من الأحيان إلى آخرين/أخريات عبر شبكة من “الواسطة والمحسوبيات”. وتشير إلى أن المقابلات الوظيفية غالباً ما تتحول إلى إجراء شكلي لا أكثر، ما يحرم الخريجين/ات من إثبات جدارتهم/نّ أو حتى اكتساب خبرة أولية في مجالهم/نّ.

وفي المقابل، يرى المهندس المدني محمد هادي، المسؤول في القسم الهندسي وشريك في شركة Future للمقاولات بمدينة قامشلي، أن جانباً من المشكلة يعود أيضاً إلى سلوكيات بعض الخريجين/ات الجدد الذين/اللواتي يسعون سريعاً للحصول على وظيفة دون أن يكرسوا/ن وقتاً لاكتساب الخبرة اللازمة.

يقول محمد إن على كل خريج/ة أن يمنح نفسه/ها فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة للتدرب واكتساب المهارات قبل المطالبة بفرصة عمل مدفوعة، إذ لا يمكن لأية شركة أن توظف شخصاً غير قادر على أداء المهام المطلوبة منه، ويضيف: “استقبلت أحد الخريجين حديثاً، وطرحت عليه أسئلة بسيطة تتعلق بعملنا، لكنه لم يعرف الإجابة، فنصحته بالتدرب أولاً قبل البحث عن وظيفة.”

تشترك قصص خالد ونيفين مع ملاحظات محمد في رسم صورة متكاملة لأزمة العمل بين الشباب، حيث تتقاطع قلة الفرص مع غياب التدريب العملي وضعف التأهيل بعد التخرج، ما يجعل الحصول على وظيفة مناسبة تحديًا مزدوجًا بين نقص الفرص ونقص الجاهزية.

ما بين الحاجة إلى المهارة وضيق الفرص

تعمل ليزان عبدكي منسقة أنشطة في منظمة بيل، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني الفاعلة في شمال شرقي سوريا، بدأت مسيرتها المهنية متطوعةً لسنوات في عدد من المشاريع والبرامج المجتمعية، واستطاعت بعد اكتساب بعض الخبرات أن تحصل على منصب وظيفي داخل المنظمة.

انطلاقاً من تجربتها، ترى ليزان أن سوق العمل في المنطقة يفرض شروطاً ومعايير متعددة على الراغبين/ات في الحصول على وظيفة، إذ لا تكفي الشهادة الجامعية وحدها، بل يجب أن يمتلك المتقدم/ة مجموعة واسعة من المهارات، أبرزها إتقان لغات أجنبية إلى جانب اللغة الأم، والقدرة على استخدام برامج الحاسوب، بالإضافة إلى المهارات الشخصية المرتبطة بالتواصل والتعامل الفعال.

وتشير ليزان إلى أن الخريجين والخريجات يواجهون تحديات كبيرة في إيجاد فرص عمل تتناسب مع اختصاصاتهم/نّ، أهمها ضعف الخبرة العملية، فالمعرفة النظرية المكتسبة في الجامعة لا تؤهلهم/نّ للانخراط مباشرة في سوق العمل، بينما تشترط غالبية الشركات والمنظمات – سواءً أكانت عامة أو خاصة – وجود خبرة عملية سابقة، وفي المقابل، تقلّ فرص التدريب التي يمكن أن تكسبهم/نّ المهارات المطلوبة، مما يجعل معادلة العمل شبه مستحيلة: لا عمل بلا خبرة، ولا خبرة بلا عمل.

وتوضح أن منظمات المجتمع المدني حاولت سد هذه الفجوة من خلال فتح باب التطوع أمام الشباب والشابات، ليتمكنوا/نّ من اكتساب الخبرة الضرورية التي تساعدهم على دخول سوق العمل لاحقاً. وتستشهد بتجربة منظمة بيل التي أتاحت عبر برامجها ومبادراتها فرص تدريب وتطوع ساعدت الكثير من الشبان والشابات على تطوير قدراتهم/نّ، ومع ذلك، يبقى حجم المنافسة على الوظائف مرتفعًا جدًا، إذ قد يتقدم ما يقارب ألف شخص لشاغر واحد، ما يجعل فرص القبول محدودة جدًا، وتُمنح الأفضلية لمن يمتلك أكبر قدر من المؤهلات والخبرة.

وتضيف ليزان أن المشهد يزداد تعقيداً بسبب بعض القيود المجتمعية والثقافية التي تحدّ من مشاركة النساء في سوق العمل في بعض المناطق، فضلاً عن اشتراطات التوظيف التي قد تخص جنساً معيناً دون آخر.المشهد يزداد تعقيداً بسبب بعض القيود المجتمعية والثقافية التي تحدّ من مشاركة النساء في سوق العمل في بعض المناطق، فضلاً عن اشتراطات التوظيف التي قد تخص جنساً معيناً دون آ

ومن واقع تجربتها الشخصية كطالبة في كلية الهندسة المدنية، تقول إنها رغم دراستها الأكاديمية تفتقر إلى الخبرة العملية في البرامج الحاسوبية المتعلقة بتخصصها، وتنتظر أية فرصة للتدرب عليها، لذلك، ترى أن الحل يكمن في أن تقوم الجامعات والمعاهد بإطلاق برامج تدريبية عملية مرافقة للدراسة النظرية، إضافة إلى وضع سياسات توظيفية أكثر مرونة ودعماً لمشاريع التدريب المهني التي تسهم في ردم الفجوة بين التعليم وسوق العمل.

وفي الإطار ذاته، يوضح فاروق الماشي، الرئيس المشترك لـ “هيئة الشؤون الاجتماعية والكادحين” في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، أن الهيئة أنشأت “مكتب العمل” كإحدى الخطوات التنسيقية للمساهمة في إيجاد فرص العمل في المنطقة. ويؤكد أن الأعداد الكبيرة من المسجلين/ات في المكتب تعكس الحاجة الهائلة للوظائف، إذ يتقدم مئات الشباب والشابات من مختلف الاختصاصات سعياً للحصول على فرصة عمل واحدة.

ويشير فاروق إلى أن الهيئة تعطي الأولوية لخريجي/ات الجامعات في مناطق شمال شرقي سوريا، إلا أن التحديات ما تزال كبيرة، أبرزها العدد الضخم من الباحثين/ات عن عمل، بمن فيهم النازحون/ات الذين/اللواتي لجؤوا/ن إلى المنطقة خلال سنوات الحرب، ما يزيد من حجم الضغط على الموارد والإمكانات المتوفرة.