لم تكن نسرين خلف، من مدينة ديريك/المالكية بشمال شرقي سوريا، تدرك أن قرارها بالسفر إلى أوروبا عام 1999 بحثاً عن حياةٍ أفضل، سيجعل منها بعد سنوات شاهدة على إحدى أعقد التحولات الاجتماعية والنفسية التي عاشها السوريون/ات في المنافي، تقول نسرين: “غادرت سوريا قبل الحرب بسنوات، لم نكن لاجئين حينها بل مهاجرين نبحث عن فرصة، لكن بعد اندلاع الحرب تغيّر كل شيء، حتى معنى اللجوء ذاته.”
من هولندا، حيث بدأت حياتها في مخيم للاجئين/ات قبل أن تتعلم اللغة وتلتحق بدوراتٍ مهنية، إلى بريطانيا حيث عملت في مدرسة تضم أطفالًا سوريين/ات قادمين/ات من الحرب. تشكلت تجربة نسرين كمرآة لتجربة أوسع يعيشها اللاجئون/ات: محاولة إعادة تعريف الذات بين ثقافتين، وصراع الآباء والأبناء في بيئةٍ جديدة لا تشبه الوطن.
تروي نسرين أن أكثر ما صدمها في البداية لم يكن اختلاف اللغة أو العادات، بل تحديات التربية، فقد وجدت أن كثيراً من الأسر السورية لم تكن مستعدةً لتقبل أسلوب التعليم الأوروبي القائم على النقاش واحترام الطفل.
تضيف: “كان بعض الأهل منبهرين بطريقة التعامل الأوروبية، وآخرون يرفضونها تماماً ويصفونها بأنها تربية غربية لا تليق بنا. حتى الرحلات المدرسية كانت مثار جدل؛ أذكر ثلاث عائلات رفضت إرسال أطفالها إلى متحفٍ يهودي لأنه يتعارض مع معتقداتهم.”
لكن خلف هذه المظاهر، تكمن قصص أكثر ألماً. طفل من درعا، وصل إلى بريطانيا بعد الحرب السورية، تصفه نسرين بأنه كان عنيفاً ومنطوياً، وبعد محاولاتٍ يائسة منها لتخفيف حدة العنف لديه، لجأت إلى الاختصاصية النفسية في المركز، والتي نصحتها بأن تساعده ليرسم، وبعد جهدٍ طويل، رسم الطفل يوماً، بيتاً وطائرات ورجلاً مضرجاً بالدماء، وطفل يجلس في زاوية المنزل، وحين سألته عن الرسم، قال بهدوء: “هذا جدي الذي مات بالقصف، وأنا ذاك الطفل في الزاوية، لا أحد يهتم بي.” تقول نسرين إنها تمالكت دموعها، وأدركت حينها أن هؤلاء الأطفال لا يحملون حقائب فقط، بل ذاكرة حربٍ يصعب محوها.
في عملها اليومي، كانت ترى أن صدمة الواقع الأوروبي لا تقل قسوة على الآباء والأمهات، كثير منهم/نّ كان يعيش تحت ضغط الخوف من القوانين الاجتماعية التي تجرّم العنف ضد الأطفال. تقول: “كانت هناك فكرة خاطئة منتشرة بأن المدرسة ستأخذ الطفل من عائلته إذا اشتكى، لذلك كان بعض الأهالي يدللون أبناءهم بإفراط خوفاً من فقدهم، أو يعنفونهم أكثر في محاولة للسيطرة عليهم، وفي الحالتين كانوا يخسرون التواصل معهم.”

وتضيف أنها تعلمت من تجربتها أن التوازن هو مفتاح التربية في الغربة، فهي لم تتخلّ عن قيمها الشرقية، لكنها وضعت في منزلها ما تسميه “قوانين البيت”: خطوطاً حمراء يتفق الجميع على عدم تجاوزها. تقول: “كنت أقول لأولادي إننا من خلفية شرقية ونحمل عاداتنا، لكننا نعيش هنا وعلينا احترام قوانين هذا المجتمع. بهذا التوازن نجونا من الانقسام بين عالمين.”
عام 2020، عادت نسرين من بريطانيا إلى هولندا للاستقرار فيها مرةً أخرى، ولكن هذه المرة لتعمل ضمن وزارة شؤون اللاجئين في قسم الأطفال والنساء، هناك رأت وجهاً آخر من معاناة اللجوء: أشخاص فارّون/ات من الحرب، لكنهم/نّ يصطدمون بواقعٍ لم يتوقعوه.
تقول: “كانوا يظنون أنهم سيصلون إلى بيوت جاهزة ورواتب مرتفعة، لكنهم وجدوا أنفسهم في غرف ضيقة ومرافق مشتركة، بعضهم من أصحاب الشهادات، أطباء ومهندسون، لكنهم لم يستطيعوا العمل قبل تعديل شهاداتهم، فوجدوا أنفسهم في مطاعم أو مهن بسيطة، وتولّد الإحباط بسرعة.”
انعكست هذه الصدمة الاقتصادية والاجتماعية على البنية الأسرية، بحسب نسرين، فالكثير من النساء، شعرن بالحرية للمرة الأولى بعد معاناة من العنف أو التهميش، لكن الحرية المفاجئة تحولت لدى البعض إلى قطيعة داخل الأسرة. تضيف: “رأيت نساءً يرفضن لمّ الشمل مع أزواجهن بعد وصولهن إلى أوروبا، لأنهن شعرن أنهن أخيراً مستقلات، وازداد عدد حالات الطلاق بشكل لافت، مما جعل الأطفال مرة أخرى في قلب العاصفة.”
ورغم حساسية المواضيع الاجتماعية في بيئة اللجوء، لم تتجنب نسرين مواجهة القضايا التي تثير التوتر الثقافي، مثل التعامل مع ظاهرة المثلية الجنسية التي أصبحت أكثر حضوراً في المخيمات الأوروبية، على حد وصفها. تقول: “واجهت الموقف شخصياً مع ابني حين كان أحد أصدقائه مثلياً، لم أتعامل مع الأمر بالرفض أو الغضب، بل حاولت فهمه لأشرح لأولادي أننا نحترم الجميع دون أن نُجبر على تبنّي ما لا يشبه قيمنا. التوعية أهم من العنف أو الإقصاء.”
وتشير نسرين إلى أن التغيير الأكبر الذي لاحظته في السنوات الأخيرة هو ضياع المعايير التربوية بين الخوف من القوانين الأوروبية وسوء الفهم لها. تضيف مبتسمة بأسى: “كثير من الأهالي يظنون أن التربية الحديثة تعني ترك الطفل يفعل ما يشاء، يزورونك في المنزل وأطفالهم يعبثون بكل شيء دون تنبيه، التربية ليست قسوة، لكنها أيضاً ليست استسلاماً.”
وتستذكر حادثة لا تغادر ذاكرتها: “وصلت عائلة سورية إلى أحد مراكز الاستقبال ومعها ثلاثة أطفال، أحدهم أسمر البشرة لا يشبه الآخرين. وبعد ساعات اكتشفنا أن الطفل هو ابن أخت الأب المريضة بالسرطان، وأن الرجل زوّر أوراقه ليسجله باسمه، وحين اعترفت الزوجة بذلك، ألغيت إقامتهم جميعاً، انهارت العائلة، وبقي الطفل بلا هوية.. كانت مأساة إنسانية بكل معنى الكلمة.”
تقول نسرين إنها واجهت مواقف كثيرة جعلتها ترى اللاجئين/ات بعيون مزدوجة: عين الموظفة الأوروبية، وعين الأم السورية. وتضيف: “أحياناً أرى عائلات أعرف أن بقاءها هنا سيدمرها لأنها لا تريد التغيير، وأخرى قادرة على أن تكون قصة نجاح لو منحت نفسها الفرصة للتعلّم.”
اليوم، وبعد أكثر من عقدين في أوروبا، تتبنى نسرين نظرة واقعية لا تميل إلى التجميل ولا إلى الشكوى. تقول: “أوروبا ليست جنة كما يظن البعض، لكنها أيضاً ليست جحيماً، إنها مكان يمكن أن تنجح فيه إذا احترمت النظام وتعلمت اللغة وتصالحت مع الواقع. من يهاجر دون أن يتهيأ نفسياً وثقافياً سيشعر بالضياع مهما كانت ظروفه.”
وتختم حديثها بنبرة تجمع بين التعب والأمل: “أعمل مع الأطفال يومياً، وأرى في عيونهم بقايا الخوف من الحرب. الضحايا الحقيقيون ليسوا فقط من خسروا بيوتهم، بل من فقدوا القدرة على الشعور بالأمان. الغربة لا تنتهي بالوروبا، بل تبدأ هناك.”
