“في إحدى المرات، وأثناء تصفحي لمواقع التواصل الاجتماعي، فوجئت بتلقي رسالة من شخص أعرفه تحتوي على صورة ذات طابع جنسي، أُصبت بصدمة كبيرة، ولم أعلم كيف يجب أن أتصرف، وحتى عندما التقيت به في إحدى المناسبات العائلية، تجاهلته تماماً، فلم أملك خياراً آخر.” تقول عبير التي اختارت الحديث باسم مستعار نظراً لحساسية وضعها العائلي.
بهذه الكلمات تبدأ عبير (اسم مستعار)، ثلاثينية من مدينة ديريك/المالكية، سرد تجربتها مع التحرش الإلكتروني. وبسبب طبيعة بيئتها العائلية الصارمة في التعامل مع هكذا حوادث، فضّلت إبقاء ما حدث سرّاً، ولم تخبر أحداً، وظلّ التجاهل هو وسيلتها الوحيدة حتى في مواجهتها المباشرة للمتحرش.
تضيف عبير: “لو تحدثت إلى أحد من عائلتي أو صديقاتي، أعلم أنهم سيلقون باللوم علي، وسيظنون أنني أتحتُ المجال للشخص ليفعل ما فعل. لذلك كان الصمت هو الحلّ الأفضل برأيي”.
تقول ذلك وهي ما تزال تشعر بالخوف وعدم الارتياح حتى اليوم.
توضح الناشطة النسوية زينة بيطار أن العنف الرقمي ليس إلا انعكاساً لبنية اجتماعية قائمة على التمييز والوصاية الذكورية. ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت مساحات واسعة لحرية التعبير، إلا أنها في المقابل فتحت مساحات أخرى للعنف غير المنضبط، خصوصاً في ظل غياب القوانين الرادعة وآليات الحماية، وضعف الوعي، وترسّخ ثقافة التمييز، سواء في التعليم أو المجتمع أو المنظومة القانونية.
من جانبه، يقدّم علاء غزال، المختص بالسلامة الرقمية وأمن المعلومات، تعريفاً للعنف الرقمي قائلاً إنه “أي شكل من أشكال العنف الذي يُسهَّل عبر التكنولوجيا”. وعند الحديث عن العنف الرقمي ضد النساء، يشير إلى أنه يشمل استهدافهن في الفضاء الإلكتروني واستباحتهن، مع تبرير هذا الاستهداف تحت مسميات مختلفة، ما يؤدي إلى شرعنة العنف ضدهن.
ويؤكّد علاء أن عدداً من النساء والناشطات السوريات تعرّضن لحملات ممنهجة هدفت لإسكاتهن، من خلال استغلال المساحات العامة أو الخاصة لاستهدافهن وشن هجمات بحقهن، غالباً تحت ذرائع مختلفة، من بينها الادعاءات أو التبريرات المغلّفة بـ”حرية التعبير”. وتشمل أنماط العنف الرقمي في سوريا والدول المجاورة: الابتزاز، وانتهاك الخصوصية، واختراق الحسابات، وتسريب البيانات الشخصية، مثل أرقام الهاتف، والبريد الإلكتروني، والعنوان، ومعلومات العمل والعائلة.
كما تتضمن الاعتداءات نشر الشائعات والمعلومات المضللة، وتزوير المحادثات والصور والفيديوهات، وهي ممارسات خلفت آثاراً عميقة على المستهدفات. ويعدّ تسريب المحادثات الخاصة من أخطر أشكال العنف الرقمي الذي طال نساء وناشطات سوريات، إضافة إلى استخدام الصور أو المنشورات التي جرى تداولها ضمن دوائر مغلقة كأداة للتشهير والإساءة.
الانسحاب من الفضاء الرقمي من أبرز آثار العنف الرقمي ضد النساء
تعرّضت الإعلامية بيريفان رسول من مدينة قامشلي لحملة تحريض وتشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد نشرها نتائج تحقق من خبر عن اختطاف فتاة، فوجئت بحملة كبيرة تضمنت تحريضاً وتشويهاً بحقها، بحسب توضيحها.
“لم تكن الحملة ضدي بسبب التحقق من حادثة الخطف فحسب، فأنا أقوم بنقل الأخبار عبر صفحتي العامة، وبعد أن قمت بنقل بعض الأخبار المتعلقة بالحكومة السورية الحالية، تعرّضت للكثير من التهديدات وصلت إلى التهديد بالقتل،” تقول بيريفان وتضيف أنها تعرّضت أيضاً لعنف رقمي متمثل بانتهاك خصوصيتها عبر تطبيق صورها الشخصية على صور أخرى “خادشة”.
عاشت بيريفان ضغوطات نفسية هائلة مع عائلتها، وشعوراً مستمراً بالخوف والتوتر، جرّاء ما تعرّضت له من عنفٍ رقمي، وتهديدات من أشخاص يطلبون منها ترك العمل في المجال الإعلامي، الأمر الذي دفعها للجوء لبعض جلسات الدعم النفسي، للتخفيف من أثر هذا العنف على حالتها النفسية، كل ذلك في ظل غياب الجهات التي يُطلب منها تقديم الدعم اللازم للمُعنّفات رقمياً، لذا فقد كان الحل هو بعض الإجراءات التي قامت بها تقنياً، من إبلاغات على الحسابات التي تعرّضت لها بالتهديد، لكن دون فائدة تُذكر.
وتشير إلى أنها حاولت اتخاذ إجراءات تقنية، كتقديم بلاغات للحسابات التي هدّدتها، لكن دون جدوى، بسبب كون معظم الحسابات وهميّة. تقول:
“أتعرض لحملات تشويه وتحريض شهرياً. وفي كل مرة أنشر فيها خبراً، تأتي التهديدات. لذلك أصبحت أتكتّم على أي زيارة أقوم بها خارج المنطقة حفاظاً على أمني الشخصي”.
العنف الرقمي لا ينعكس على الضحية وحدها، بل يترك ظلاله على محيطها أيضاً. ويرصد علاء تراجعاً ملحوظاً في حضور النساء داخل الفضاء العام، إذ شهدت الأشهر الأخيرة انسحاب عدد منهن من منصات التواصل نتيجة تصاعد الاعتداءات.
ومع ازدياد الاستهداف عبر الإنترنت، تلجأ نساء كثيرات لطلب دعم تقني لتأمين أجهزتهن، أو لحذف بياناتهن وحساباتهن بشكل كامل. ويرى علاء أن من الضروري توفير خطوط مساعدة خاصة بالنساء، تُدار من كوادر مدرَّبة قادرة على تقديم دعم تقني وقانوني ونفسي أولي، ضمن سياسات صارمة لحماية الخصوصية، وتحت إشراف جهات مدنية ونسوية موثوقة، بما يعزز ثقة النساء ويشجعهن على طلب المساعدة بأمان وسرية.
ويشير إلى أنهم يضطرون للتواصل المتكرر مع منصات مثل إنستغرام وفيسبوك وتيك توك، والتي تبدي تعاوناً نسبياً في إزالة المحتوى المسيء أو إيقاف حسابات المبتزين. ويقول إن دور الحكومات، لو كان فعالاً، لكان تأثيرها أكبر بكثير بسبب قنوات التواصل المباشرة التي تمتلكها مع الشركات التقنية.
وتؤكد زينة بيطار أن الثقافة المجتمعية في سوريا ما تزال تُحمّل النساء مسؤولية العنف الذي يتعرضن له، سواء كان جسدياً أو رقمياً، فيما يُعامل الرجل بطريقة مختلفة تماماً. وتضيف أن عدم جهوزية المؤسسات الحقوقية والمجتمعية للتعامل مع العنف الإلكتروني كجريمة حقيقية، يدفع النساء إلى الخوف من “الفضيحة”، بينما يبقى المجرم قادراً على الانتقال من ضحية إلى أخرى.
أين القانون من ردع العنف الرقمي ضد النساء؟
توضح الحقوقية شكرية يوسف أن الإدارة الذاتية لا تملك قانوناً مخصصاً لمكافحة العنف الرقمي ضد النساء، وأن الجريمة الإلكترونية لم تُمنح حتى الآن تعريفاً قانونياً واضحاً. وتشدد على ضرورة بذل جهود مشتركة من المحامين/ات، والقضاة، والهيئة التشريعية، لوضع قوانين واضحة وقوية لمكافحة هذه الجرائم.
وتشير إلى أن العنف الرقمي يتداخل بشكل كبير مع العنف النفسي، خاصة في حالات التهديد والابتزاز، مؤكدةً أهمية وجود قوى أمنية متمرسة بالتطورات التكنولوجية، لتمكينها من الوصول إلى مرتكبي/ات الجرائم الإلكترونية.
ويرى علاء أن القوانين السورية الحالية غير كافية إطلاقاً، لأنها لا تراعي سياقات العنف والانتهاكات التي تتعرّض لها النساء في الفضاء الرقمي. ويشدد على ضرورة سنّ تشريعات جديدة تستند إلى دراسة واقع النساء، وبمشاركة جهات نسوية فاعلة. كما يشير إلى أن السلطة في سوريا، في كثير من الأحيان، ساهمت في تكريس هذا العنف أو تجاهله بدل مكافحته.
ويقول إن غياب القوانين الرادعة، إلى جانب توفر أدوات تقنية تُسهّل الاختراق والابتزاز، سمح باستمرار الانتهاكات. ويؤكد أنه تعامل مع العديد من حالات الابتزاز التي شملت تهديداً بنشر صور أو محادثات شخصية، بما فيها صور حميمية.
ويؤكد أن غياب التشريعات الملائمة يؤثر بشكل كبير على النساء، خصوصاً غير المنخرطات في الشأن العام. ويُستخدم التهديد الرقمي غالباً عبر رسائل مباشرة يرسلها شركاء أو زملاء سابقون، تتضمن تهديدات بنشر المعلومات أو الصور.
وتشير بيريفان إلى أن ضعف القوانين، وطول الإجراءات، والتكاليف المالية، دفعها إلى تجنب تقديم أي شكوى قانونية، رغم استمرار تهديدها، ما يتركها في حالة خوف دائم.
قوانين رادعة ووعي رقمي خطوتان أساسيتان لمكافحة العنف الرقمي
ترى زينة بيطار أن تغيير الصورة النمطية بحق النساء شرط أساسي لمكافحة العنف، لكنه غير كافٍ وحده. وتوضح ضرورة العمل على أكثر من صعيد:
“على الصعيد القانوني عبر وضع تشريعات واضحة تجرّم العنف الإلكتروني، وتضمن سبل ووسائل تبليغ سرية وسريعة وآمنة،” تقول زينة وتضيف أنه على صعيد التعليم، يجب العمل على خلق ثقافة رقمية تحترم وتدرك الحدود، إلى جانب التوعية بحقوق النساء.
وترى أن الإعلام يلعب دوراً رئيسياً في التحوّل المطلوب، وذلك عبر كسر الصور النمطية، وخلق الوعي المطلوب، ودعم القيم الصحيحة، والابتعاد عن وصم الضحية، إلى جانب تجريم المعتدين/ات، مؤكّدةً أن العنف الإلكتروني ليس قضية تقنية فحسب، بل قضية تمس العدالة والقانون والمساواة.
وينصح علاء النساء بالتواصل فوراً مع مختص/ة تقني/ة عند مواجهة أي تهديد رقمي، وقد تكون الحاجة قائمة أيضاً لاستشارة قانونية أو دعم نفسي. ويشدد على ضرورة جاهزية مسبقة لأي طارئ، من خلال خطة واضحة للتعامل مع الانتهاكات، والاحتفاظ بقائمة مختصين موثوقين يمكن الاستعانة بهم.
كما يؤكد أهمية إنتاج محتوى توعوي تقني يأخذ في الاعتبار واقع النساء واختلاف البيئات المحلية، إذ أن المواد التوعوية الموحدة غالباً لا تراعي تباين أشكال العنف الرقمي ولا التحديات التقنية الخاصة بكل منطقة أو فئة اجتماعية. كما يشدد على ضرورة إعداد فرق مختصة قادرة على التعامل مع النساء اللواتي يتعرضن للعنف الرقمي أو الابتزاز، بحيث لا تُحمّل الضحية أي عبىء إضافي أو أن تلام على ما حدث لها بسبب مشاركة صورة أو محادثة أو مكالمة. فمثل هذا اللوم قد يزيد من إحباطها وضغطها النفسي، ويدفعها إلى التردد أو الخوف من طلب المساعدة التقنية التي تحتاجها.
ويختتم بالتأكيد على إمكانية استخدام تقنيات بسيطة لتعزيز الحماية، مثل:
تجنّب تبادل الصور الحساسة، استخدام أدوات مشاركة لمرة واحدة، تفعيل الحذف التلقائي للرسائل، الفصل بين الحسابات الشخصية وحسابات العمل، وتحديث بيانات الاسترداد، وتجنّب فتح أي رابط غير متوقع.
