“عشت حالة من الصدمة حين سمعت طفلي الصغير يتحدث بكره وكلمات أكبر من عمره مشيراً إلى رجل أمن في شارع عام في المدينة التي نقطنها.” تقول ريما التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي لأسباب تتعلق بأمنها وأمن أطفالها.
تنحدر ريما من مدينة السويداء، وبعد المجازر التي شهدتها المدينة، وتعرّض منزلها للحرق، انتقلت إلى مدينةٍ سورية أخرى لتستقر بها مع عائلتها، تقول إنها عملت جاهدةً لترميم ذاكرة أطفالها، ودمجهم/نّ بمجتمع يختلف عمّا عانوه/عانينه في مدينتهم/نّ، وكانت قد وضعت عدة سيناريوهات للمشاكل التي قد يعاني منها أطفالها، من عدم قدرة على التأقلم والاندماج، إلا أنها صدمت بمشكلة أعمق.
“شاهد ابني وليد رجل أمن يمر في الشارع، وبدأت تظهر ملامح على وجهه ممتزجة بالخوف والكره، وألصق به تهماً استغربت كثيراً حين سمعتها منه.” تقول ريما، وتوضّح أنها حاولت معالجة الموضوع، عبر محادثات يومية مع أطفالها، تشرح لهم/نّ أنهم/نّ يعيشون اليوم في مكان جديد ويجب عدم اتهام أحد جزافاً بما حدث في السويداء.
وتضيف: “تتالت المواقف تباعاً، فقد تعرّض ابني للتنمر مراراً في المدرسة، وشكّلت لديه ردات فعل تحولت لطباع حادة وانطوائية، مع تهديد مكرر بالرحيل دون إنذار، أما ابنتي فقد طُرِح عليها في المدرسة سؤال: إنتي منّا ولا منهم؟”وقدِمت إليَّ للبحث عن إجابة لم أملكها حتى الآن.
الأطفال في مرمى خطاب الكراهية المتصاعد في سوريا
لمى أيضاً اختارت الحديث باسم مستعار عند الحديث عن تجربة ابنتها لأسباب تتعلق بالحساسية المجتمعية في المنطقة التي تسكن بها، تعيش لمى في ريف دمشق، بعد أن عادت من لبنان. تقول لمى إن ابنتها تعرّفت على سلوكيات عدائية تجاه زملاءها وزميلاتها في المدرسة بحجة “أنهم لا يهتمون بنظافتهم الشخصية”، بعبارات قاسية موضّحةً أنها لن تلعب معهم البتّة.
وعند زيارتها المدرسة للتحقق من الموضوع، لم تجد أي اختلاف عن المدارس السابقة في لبنان، لكنها لاحظت شكاوى متكررة حول سلوك ابنتها العدائي تجاه زملائها وزميلاتها في الصف.
“أراقب ابنتي على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي التي تستخدمها بهدف متابعة وظائفها المدرسية، وأجدها تميل لترك تعليقات سلبية ومسيئة على مجموعات الطلاب. دفعتني هذه الملاحظة للتفكير ملياً، إما بتغيير المدرسة أو عرض ابنتي على طبيب مختص، فقد رفضت حضور جلسات خاصة مع المرشدة النفسية في المدرسة.” تقول لمى.
أصل خطاب الكراهية: مكتسب أم فطري؟
تجارب ريما ولمى تطرح السؤال حول مصدر الكراهية لدى الأطفال، إن كانت مكتسبة من البيئة أم أصيلة. وفي هذا السياق، يوضح أكرم أحمد رئيس مجلس إدارة “هيئة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين” ومدير “المركز الصحفي السوري”، أن خطاب الكراهية لدى الأطفال مكتسب غالباً، فهم/نّ مرآة العائلة والبيئة المحيطة، ولا يُنتجونه بأنفسهم/نّ.
ويشير أكرم إلى أن بعض الأطفال يتبنّون روايات المظلومية الخاصة بالمجموعات التي ينتمون إليها، بمعزل عن معاناة الآخرين/الأخريات، ويعبّرون عن الكراهية عبر رفض اللعب مع أطفال من فئات أخرى والانحياز لمن يشبههم/نّ في الانتماء. ويستشهد بأمثلة من سوريا وتركيا، حيث يتعرّض الأطفال السوريون/ات في تركيا للتنمر الجسدي واللفظي، وهو انعكاس لما تعلموه في الأسرة أو البيئة المحيطة.
الأسرة هي اللاعب الأساسي في إنهاء خطاب الكراهية
تلعب عدة مؤسسات اجتماعية تربوية، دوراً أساسياً في تنشئة الأطفال، أولها الأسرة، التي يكتسب منها الطفل/ة السلوكيات والمبادئ، وتُبنى شخصيته/ها وفق أساليب التعامل معه/ها، بحسب ما توضّحه خيرية أحمد الاختصاصية في علم النفس.
وتشير خيرية أنه من الضروري تعليم الأطفال حقوقهم/نّ، وكيفية ممارستها في الحياة، مع خلق مساحات آمنة للحوار والاستماع لهم/نّ عند الحديث عن تجاربهم/نّ ضمن المؤسسات الأخرى كالمدارس ومجموعات الأصدقاء والصديقات، مع ضرورة توعيتهم/نّ بالإبلاغ الفوري عن أية إساءة أو انتهاك يتعرضون/ن له، موضّحةً أنه من الضروري توعية الطفل/ة بخطورة خطاب الكراهية في سنّ مبكّرة بأساليب تراعي استيعابهم/نّ.
من جهته، يعلل أكرم الأحمد سبب وجود خطاب الكراهية عند الأطفال في سوريا، بوجود عامل مهم جداً وهو طول مدة الحرب السورية، بالإضافة للاستقطاب الإعلامي الذي ولّد ضخاً لخطاب الكراهية بين الأطراف المتنازعة.
ويشير إلى أن ضعف الوعي لدى الأطفال يجعل منهم/نّ بيئة خصبة وحاضنة لخطاب الكراهية، خاصةً وأن معظم أطفال سوريا عاشوا/ن في بيئات مغلقة بسبب الحرب وظروفها، قللت الاحتكاك الإيجابي بينهم/نّ على تنوع بيئاتهم/نّ والتي من شأنها أن تخفف من خطاب الكراهية، بالإضافة لغياب المناهج التعليمية التي تدعم أفكار المواطنة والهوية الجامعة.
تشير خيرية أحمد إلى أهمية تعزيز اندماج الأطفال اجتماعياً، واستخدام التعلم الاجتماعي والعاطفي، وإكسابهم/نّ مهارات نبذ الكراهية عبر أنشطة مختلفة، مثل قراءة القصص، مشاهدة الأفلام التي تحث على العدالة والتسامح والاحترام، ومناقشة أثرها ومغزاها.
وتضيف خيرية أن هذه الممارسات تساعد الأطفال على بناء وعي مبكر يعزز من قبول الآخر/الأخرى ويحد من تكرار الخطاب السلبي في الأجيال القادمة.
