“زارتنا سيدة من القرية قبل سنوات، وحين سألتها عن الالتهابات النسائية، أخبرتني أن الالتهابات لا تحدث إلا بعد العلاقة الزوجية، ومنذ ذلك الحين، لم أعد أتجرأ على البوح بالمعاناة التي أعيشها جرّاء الالتهابات البولية، فأنا عزباء، وسمعتي تحت الخطر.” تقول سامية التي اختارت الحديث عن تجربتها باسم مستعار لحساسيات مجتمعية.
سامية فتاة في العشرينات من عمرها، تقطن في قرية بريف مدينة قامشلي، ورغم دعم والدتها لها لزيارة طبيبة نسائية لمعالجة الالتهابات البولية، إلا أنها ما تزال مترددة، وتحاول تفادي الموضوع بالقول إنها لم تعد تعاني من أي ألم منذ فترة طويلة.
وتضيف: “لدي صديقة مقرّبة لا نخفي عن بعضنا شيئًا، لكنني علمت منها، وبالصدفة، أنها زارت طبيبة نسائية بعد معاناة مع الالتهابات، حتى إنها لم تخبر عائلتها بالأمر. نحن العزباوات محكومات بنظرة مجتمعية متحجرة تمنعنا من الاعتناء بصحتنا الجنسية.”
وتكمل سامية: “المجتمعات التي نعيش فيها، تحكم علينا بقسوة، ونعيش في خوف دائم من هذه الأحكام، لكن النتيجة هي أننا نخسر صحتنا، ونخسر الكثير من الفرص للحفاظ على سلامتنا الجسدية والنفسية، وتبقى زيارة العيادات النسائية مرهونة بالزواج.”
وصم اجتماعي يخنق صحة العزباوات
يوضح سمير رمضان، اختصاصي أمراض النساء والأطفال في مدينة دمشق، أن غالبية من يزرنه في العيادة هنّ نساء متزوجات، إما حديثًا أو ممن يعانين من أمراض نسائية متقدمة، مرجّحًا أن يكون سبب ذلك كونه طبيبًا ذكرًا، إلى جانب الحياء الاجتماعي السائد
ويقول: “قد يكون الحياء الاجتماعي سببًا رئيسيًا في امتناع العزباوات عن زيارة العيادة النسائية، إلى جانب ضعف الوعي بأهمية مراجعة طبيب/ة نسائية قبل الزواج، فالكشف السريري بعد بلوغ الفتيات أمر بالغ الأهمية.”
بدورها، تقول شورش عثمان، اختصاصية أمراض النساء في مدينة قامشلي، إن نسبة العزباوات اللواتي يزرن عيادتها قليلة جدًا، وغالبية الحالات تتعلق بعدم انتظام الدورة الشهرية، مؤكدةً أن الأمر مرتبط بالثقافة المجتمعية ونظرة المجتمع للفتيات اللواتي يراجعن العيادات النسائية قبل الزواج.
وفي استطلاع أجراه فريق المنصة في منطقتين، إحداهما بريف مصياف، والأخرى في مدينة دمشق، طُرح سؤال حول ما إذا كانت العزباوات يزرن العيادات النسائية. شمل الاستطلاع 200 فتاة تتراوح أعمارهن بين 16 و25 عامًا، وأظهرت النتائج أن الغالبية لم يزرن عيادة نسائية من قبل.
وتنوّعت أسباب عدم الزيارة بين الريف والمدينة، بين عدم الشعور بالحاجة، والحياء الاجتماعي، مع ذكر خجول للخوف من فقدان العذرية أثناء الكشف نتيجة أي خطأ محتمل من الطبيب/ة.
وتقول غزل عمران (17 عامًا) من مصياف: “عشت معاناة كبيرة مع التهابات المسالك البولية والالتهابات النسائية، وقررت زيارة عيادة نسائية لتلقي العلاج، لكن تجنبًا للأحكام المجتمعية، اخترت عيادة بعيدة عن منطقة سكني.”
مجتمع يجرّم الوعي… وتدفع الفتيات الثمن
يشدد الطبيب سمير رمضان على ضرورة تنظيم جلسات تثقيفية في المدارس أو عبر وسائل الإعلام، للتأكيد على أهمية مراجعة العيادات النسائية، وإنهاء حالة الخوف لدى الأهالي من الفحص السريري. ويوضح أن هذه الزيارات قد تحمي الفتيات مستقبلًا من مشكلات تتعلق بتأخر الحمل، أو من أمراض مزمنة، مثل النزف المرافق لانقطاع الدورة الشهرية، الذي قد يتطور إلى تليّفات، ثم إلى أورام خبيثة.
من جهتها، تكشف الطبيبة غانا صارم أن عدد الفتيات العازبات اللواتي يزرن عيادتها لا يتجاوز حالة واحدة من بين كل تسع حالات، وغالبًا ما تكنّ مقبلات على الزواج، معتبرةً هذا الرقم مؤشرًا خطيرًا على ضعف الوعي الصحي. وترجّح أن سبب ذلك يعود إلى حصر زيارة الطبيب أو الطبيبة النسائية بمواضيع الحمل والإنجاب فقط.
لينا (اسم مستعار)، فتاة عازبة اضطرت قبل عام ونصف لإجراء عملية استئصال رحم، بعد سنوات طويلة من المعاناة الصامتة. بدأت قصتها في المرحلة الثانوية، حيث كانت تعاني من آلام شديدة خلال الدورة الشهرية. وعندما أخبرت شقيقاتها، اكتفين بنصحها بشرب النعناع والراحة، لكن الألم ازداد مع مرور الوقت.
لاحقًا، وعند إخبار والدتها، اكتفت الأخيرة بتقديم أدوية مضادة للتشنج من الصيدلية، ورفضت السماح لها بزيارة طبيب/ة نسائية خوفًا من الفحص السريري. استمرت الآلام سنوات طويلة، ولجأت لينا إلى تأخير الدورة الشهرية بناءً على نصائح زميلات في السكن الجامعي، ما تسبب لاحقًا بعدم انتظامها.
تفاقمت الأمور على مدى أكثر من خمس سنوات، إلى أن أُسعفت بسبب آلام حادة ونزيف شديد. كشف الفحص الطبي عن كتلة ناتجة عن تخثر الدم تطورت إلى تليّفات، ثم إلى ورم غير حميد. كان الهدف المبدئي من العملية عزل الكتلة، إلا أن التصاقها بالرحم نتيجة الإهمال الطويل أدى إلى استئصال الرحم بالكامل.
ولم تتوقف معاناة لينا عند هذا الحد، إذ ظهرت لاحقًا غدد وأورام في الصدر، رجّح الأطباء ارتباطها بالحالة السابقة وبالإهمال في الكشف المبكر. تجربة لينا مثال صارخ على الثمن الصحي الباهظ الذي تدفعه الفتيات بسبب وصمة المجتمع وغياب الالوعي الطبي.
