تحوّل نمط الحياة المعاصر إلى سباق مع الزمن، تسعى خلاله المرأة العاملة إلى تحقيق توازنٍ دقيق بين مسؤولياتها المهنية والأسرية والاجتماعية، نانسي برصوم، من مدينة قامشلي، تعمل في مجال الصحافة والترجمة، تصف يومها بأنه سلسلة من المهام المتلاحقة، تبدأ بالواجبات المنزلية مروراً بالوصول إلى العمل في الوقت المحدد، ولا تنتهي حتى بعد عودتها متعبة، إذ تنتظرها واجبات اجتماعية وأسرية جديدة.
تقول نانسي إن الضغوط التي تواجهها لا تقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد لتشمل الجانب النفسي أيضاً، فالشعور بالذنب وقلق الأمومة يرافقانها باستمرار: “عندما أكون في العمل، أفكر إن كان أطفالي بخير، وهل تسير الأمور كما يجب؟”
وتضيف أن التوقعات الاجتماعية تزيد من حدة هذا الضغط، إذ يُنتظر منها أن تكون الأم المثالية، والزوجة المتفانية، الموظفة المجتهدة، وسط مقارنات دائمة مع نساء أخريات لا يعملن خارج المنزل. هذا الصراع الداخلي بين الطموحات المهنية وتحقيق الذات من جهة، والمسؤوليات الأسرية من جهة أخرى، يشكّل عبئاً يومياً متزايداً عليها.
يوضح الطبيب النفسي أسامة الشغري أن هذه الضغوط، شأنها شأن أي ضغط نفسيي مزمن، تنشّط الجهاز العصبي الودي مؤقتاً لزياد اليقظة والتركيز والقدرة على التحمل، غير أن استمرار هذا التأهب لفترات طويلة ينهك الجسد والنفس معاً، وقد يؤدي إلى اضطرابات في المزاج والنوم والتركيز، وربما يتطور في بعض الحالات إلى القلق أو الاكتئاب. ويؤكد أن هذه التفاعلات النفسية والجسدية استجابة طبيعية لضغط مستمر، ولا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي.
مثل نانسي، تعيش همرين إبراهيم من المالكية/ديريك، صراعاً نفسياً في خلق توازن بين حياتها المهنية والأسرية، ووصفت ما تمر به بـ “حرب وجدانية”: “أستيقظ صباحاً وأرى نفسي أمام خيارين صعبين: أن أكون أم جيدة وتتابع أمور أطفالها، وبين تواجدي ضمن السياق العام للمجتمع، أي كياني وشخصيتي واستقلاليتي، خلق التوازن بين الأمرين صعب جداً، ولم أكن أتوقع أنني سأعاني بهذا القدر قبل أن أتزوج.”
عبء مزدوج في ظل المجتمع التقليدي
تواجه النساء العاملات ضغوطاً بسبب المنظومة الاجتماعية والاقتصادية القائمة على تقسيم الأدوار التقليدي بين الجنسين، فعمل المرأة خارج المنزل لا يُنظر إليه كضرورة أو حق شخصي، بل كخيار إضافي، بينما تبقى مسؤوليات المنزل والرعاية عبئها الأساسي، بحسب الناشطة النسوية هيمى اليوسفي.
توضح هيمى: “تتحمل النساء عبئاً مزدوجاً، حيث تعمل المرأة بدوامين، الأول في مكان العمل والثاني في المنزل، وغالباً دون تقدير أو دعم، إضافةً إلى ذلك، تغيب السياسات التي تراعي العدالة الجندرية في أماكن العمل مثل ساعات العمل المرنة، إجازات الأمومة والأبوة المتساوية، أو الدعم النفسي، ما يزيد من الصعوبات والتحديات، خاصة للأمهات.”
وتشير إلى أن الضغوط لا تأتي فقط من متطلبات الحياة اليومية، بل أيضاً من التوقعات الاجتماعية، والشعور بالذنب الذي يُفرض على النساء إذا قصّرن في أي مجال، وهو شعور يغذّيه المجتمع والأسرة ووسائل الإعلام التي تمجّد صورة المرأة “الخارقة القادرة على فعل كل شيء”، بدلاً من مساءلة النظام الذي يفرض هذه الضغوط.
الصراع بين الذات والمجتمع
تقول همرين: “المشكلة تكون عندما تتحدث المرأة عن الضغوط والتعب النفسي الذي تتعرض له، يكون الرد من شريكها: لا تعملي خارج المنزل، لست مجبرة على العمل والابتعاد عن أطفالك.”
تشير دراسة إلى أن 28% من الرجال يفضّلون عمل نساء أُسرهم في وظائف مدفوعة الأجر، بينما يفضّل 29% أن تبقى النساء في المنزل، و38% يفضّلون أن يتاح لهنّ القيام بالأمرين معاً. ويعد التوفيق بين العمل ورعاية الأسرة تحدياً عالمياً للمرأة العاملة، وقد ذكرت معظم البلدان التي شملتها الدراسة قضية “التوازن بين العمل والأسرة” باعتبارها من أهم التحديات.
ويضيف الطبيب أسامة: “في ثقافة مجتمعنا، ينحصر دور المرأة في الأسرة بالعمل داخل المنزل، أي القيام بالمهام المنزلية من الطبخ والتنظيف والعناية بالأطفال. ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية، أصبح الاعتماد على دخل الرجل وحده غير كافٍ، والنساء بدأن بالاهتمام بالتحصيل العلمي والاستقلال المالي والمساهمة في تأمين دخل الأسرة.”
“لم تعد النساء تحلم فقط بالزواج والإنجاب كغاية الحياة الأسمى، بل غدون إضافة إلى ذلك يحلمن أيضاً بالتخرج والعمل وتحقيق الذات، هذه الحالة لا تخلو من التنافسية على الصعيد النفسي الداخلي لدى المرأة، فمن جهة لا يزال التصور المجتمعي التاريخي موجوداً لديها، والتغيير الحاصل مع التصور الجديد موجود، والتوفيق بينهما قد يكون صعباً حسب المكان الذي تتواجد فيه المرأة ونظرة أسرتها ومحيطها الاجتماعي للموضوع وتفهم شريكها في الحياة الزوجية لذلك.” يقول الطبيب.
الرجال والمساهمة المنزلية: تحدٍ ثقافي
الضغط الكبير يؤثر على شخصيات النساء، حيث يشعرن بالإرهاق بين دور الأم، الزوجة، والموظفة، بالإضافة إلى الميل إلى المثالية وإثبات الكفاءة في جميع المجالات. نانسي تقول:
“زوجي يعاونني في الأعمال المنزلية ويدعمني نفسياً، وهذا التعاون يُخفف العبء اليومي ويعزز الصحة النفسية، لكنه لا يُعفي من تحدي التقاليد والعادات الاجتماعية والصور النمطية للأدوار بين الرجل والمرأة.”
وترى همرين أن النساء بات بإمكانهن العمل والمساهمة في دخل الأسرة، إلا أن الرجال ما زالوا مقيدين بالقوالب النمطية، بعيداً عن الواجبات المنزلية ورعاية الأطفال، ويعود السبب إلى العادات والتنشئة الأسرية التي ترسّخ هذه الصورة، حيث لم يشهدوا مشاركة آبائهم أو إخوتهم في الأعمال المنزلية، ما يجعل الرجل معتاداً على أن تتولى الزوجة كل هذه المسؤوليات، تقول: “حتى نحن، لم نرى آباءنا يساعدون أمهاتنا بالأعمال المنزلية، ولا حتى إخواننا يساعدون أخواتنا، لذا الرجل وإن تزوج يكون معتاداً على قيام زوجته بكل هذه الأعمال.”
توضح هيمى اليوسفي أن هذه النظرة المتوارثة ناتجة عن الثقافة الأبوية التي تكرّس صورة الرجل كمصدر قوة وسلطة، والمرأة كرمز للرعاية والطاعة. الأعمال المنزلية تُعتبر “أنثوية”، ومشاركة الرجل فيها يُعدّ “انتقاصاً من رجولته”، ما يخلق ضغوطاً حتى على الرجال أنفسهم. وتضيف أن غياب التربية على المساواة منذ الطفولة، إضافة إلى الإعلام والدراما، ساهم في تكريس هذه الصورة بدلاً من تقديمها كشراكة طبيعية داخل المنزل.
الحلول: من البيت إلى السياسات العامة
يوضح الطبيب أسامة أن التناقض بين توقعات المجتمع والواقع العملي قد يخلق حواجز للتواصل بين الزوجين، ويولد صراعاً داخلياً بين الحاجة للدخل وتحقيق الذات، وبين الامتثال للتصور المجتمعي للزوجة والأم، مما يولد شعوراً بالتقصير.
“يجب أن نربّي أطفالنا على قيم المساواة والتعاون، لا على الفصل بين أعمال البنات وأعمال الأولاد، ومن المهم أن يرى الأطفال آباءهم يشاركون في الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال، ليفهموا أن هذه مسؤوليات إنسانية لا جندرية.” تقول هيمى.
وتؤكد هيمى على دور المدارس والمناهج التعليمية إلى جانب الإعلام ووجوب التوقّف عن إنتاج محتوى يكرّس الصور النمطية مثل المرأة التي همّها الزواج أو الجمال، والرجل الذي لا يبكي أو لا يخطئ، وأن يتم البدء بتقديم قصص تعكس تنوع النساء والرجال في حياتهن/م اليومية، بما فيها التجارب المختلفة وغير النمطية، كما تشير إلى ضرورة تغيير السياسات العامة بحيث تشجع المساواة الفعلية والعدالة، مثل منح الرجال إجازة أبوة مدفوعة، وتوفير حضانات في أماكن العمل، ودعم النساء العاملات في القطاعات غير الرسمية، هذه الخطوات ليست “تجميلية” بل تؤسس لثقافة يكون فيها تقاسم المسؤوليات أمراً طبيعياً على حد وصفها.
وتنبه دراسة من السياسات الاقتصادية الحالية التي تخفق في مراعاة احتياجات وقضايا المرأة، كما تختلف مع الرأي السائد بأن افتقار المرأة إلى المهارات المطلوبة في سوق العمل هو السبب وراء تدني مستويات مشاركتها في النشاط الاقتصادي، وتؤكد أن التنشئة الاجتماعية هي السبب، وتحذر من أن فرص المرأة في سوق العمل ستبقى محدودة ما لم تُتخذ الإجراءات القانونية والتنظيمية اللازمة لحمايتها.
