بعد عام على التغيير السياسي… ماذا ينتظر الاقتصاد السوري اليوم؟

بعد مرور عام على التغيير السياسي في سوريا، يقف الاقتصاد عند مفترق طرق حاسم؛ بين وعود رسمية بنمو واستثمارات قادمة، وواقع يومي يعيشه الصناعيون/ات وأصحاب الورش والمنشآت الإنتاجية، تتداخل فيه فرص الانفراج مع مخاوف الانكماش: شهادات من الميدان، إلى جانب قراءات خبراء وخبيرات، تكشف صورة أكثر تعقيداً مما تعكسه البيانات الرسمية.

“خلال عام واحد فقط اضطررت لتغيير المهنة التي أعمل بها مرتين،” يقول محمد حسن، صناعي وصاحب ورشة لتجميع البطاريات المستخدمة واستيراد الحديثة منها، إضافة إلى ألواح الطاقة الشمسية، في محافظة حماة.

يوضح محمد أن التغيرات السياسية وما رافقها من تسهيلات في الاستيراد لم تنعكس إيجاباً على عمله كما كان متوقعاً، إذ تراجعت القدرة الشرائية لدى المستهلكين/ات بشكل كبير، ما أدى إلى انعدام الأرباح وبدء تآكل رأس المال، ويضيف أنه اضطر بدايةً إلى تخفيض عدد العاملين في الورشة، ثم حصر العمل بتجميع البطاريات واستبدالها مع بلد المنشأ، بالتزامن مع توقف استيراد ألواح الطاقة الشمسية.

ومع استمرار التراجع، تغيّر نشاط الورشة مجدداً ليقتصر على صيانة بطاريات السيارات وأعمال كهرباء السيارات، مستفيداً من توفر المواد الأولية والأيدي العاملة، فيما استغنى نهائياً عن مستودعات التخزين التي تحولت إلى محال تجارية أخرى.

في المقابل، يكشف مهند (اسم مستعار)، صاحب معمل للمنتجات الغذائية في منطقة عدرا العمالية بريف دمشق، أن منشأته الصناعية متوقفة حالياً “حتى إشعار آخر”، موضحاً أن قرار التوقف جاء بعد ما تم تداوله حول رفع أسعار الكهرباء على المنشآت الصناعية، ما جعل الاستمرار في الإنتاج غير ممكن اقتصادياً، ويشير إلى حجم الضرر الذي لحق بالعمال والعاملات والموظفين/ات وأسرهم/نّ، مؤكداً أن خسائر المعمل تُقدّر بالمليارات، في ظل غياب رؤية واضحة لكلفة التشغيل المستقبلية.

على الضفة الأخرى، تبدو الصورة أقل قتامة لدى ريم (اسم مستعار)، صاحبة معمل لتصنيع الحقائب النسائية في محافظة اللاذقية، والتي ترى أن بيئة العمل أصبحت “أسهل نسبياً” مقارنة بالسنوات السابقة، وتوضح أن تخفيض الضرائب والرسوم المفروضة على الاستثمار، إضافة إلى انتهاء الأتاوات أثناء نقل البضائع بين المحافظات أو حتى داخل المحافظة نفسها، ساهمت في تخفيف الأعباء التشغيلية، لكنها تحذّر في الوقت ذاته من قرار رفع تسعيرة الكهرباء، معتبرة أن نجاح أي صناعة إنتاجية يبقى مرهوناً بدراسة حاجات السوق وقدرة المواطنين/ات الشرائية، خصوصاً في هذه المرحلة.

الاقتصاد السوري بين التفاؤل الرسمي واختبارات الواقع

في سياقٍ متصل، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن بيان لاتحاد غرف التجارة السورية توقعات بآفاق واسعة للاستثمار والتنمية، مع إمكانية عودة رجال أعمال غادروا البلاد خلال سنوات الحرب للمشاركة في جهود إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد، كما أكد وزير المالية محمد يسر برنية أن النظام الضريبي الجديد يتضمن إعفاءات وحوافز تهدف إلى مساعدة المنشآت الصناعية على تجاوز التحديات، مشدداً على أن هذا النظام صُمم ليكون داعماً للنمو لا عبئاً على الصناعيين.

من جهته، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية أن الاقتصاد السوري ينمو بوتيرة تفوق تقديرات البنك الدولي البالغة 1% لعام 2025، مرجعاً ذلك إلى عودة نحو 1.5 مليون لاجئ/ة خلال الفترة الأخيرة. إضافة إلى خطط لطرح عملة جديدة من ثماني فئات نقدية مع حذف صفرين من الليرة السورية.

لكن الناشط السياسي والاقتصادي محمد علبي يرى أن هذه المؤشرات لا تكفي لضمان تعافٍ اقتصادي حقيقي، موضحًا أن اقتصادًا يشكّل الشباب والشابات أكثر من 60% من قاعدته يمكن أن يتحول خلال عقد إلى اقتصاد صاعد أو إلى اقتصاد مُستنزف، والفارق بين الحالتين تصنعه السياسات لا الموارد. والفارق تصنعه السياسات لا الموارد. ويحذّر من استمرار نموذج الاقتصاد الريعي، الذي يدفع الشباب/الشابات إلى الهجرة ويحوّل البلاد إلى اقتصاد طارد للطاقات البشرية، على غرار ما حدث في لبنان، حيث أصبحت الهجرة أبرز صادرات البلاد، واستمرار هذا النموذج، برأيه، يعني فقدان الثروة البشرية وبقاء من لا يملك القدرة على المغادرة فقط.

طريق النهوض… إنتاج، مؤسسات، ودور المغتربين

ترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة نسرين زريق أن النهوض الاقتصادي يتطلب أولاً رفع مستوى التأهيل العملي للسوريين/ات بعد سنوات الانقطاع التي فرضتها الحرب، مع عدم إغفال أثر هجرة العقول والشباب/الشابات والصعوبات المرتبطة بعودتهم/نّ، ما يحرم البلاد من خبرات هي بأمسّ الحاجة إليها.

وتؤكد نسرين على أهمية التدريب ورفع الكفاءات، والاستفادة من تجارب الدول التي مرّت بظروف مشابهة، إلى جانب البحث عن تمويل مناسب للمشاريع، مع تجنب الاستثمارات ذات دورات رأس المال الطويلة في المرحلة الحالية، كما تشدد على ضرورة فهم متطلبات السوق والابتعاد عن المشاريع ذات الطابع الرفاهي، لصالح مشاريع تلبي الاحتياجات الأساسية وتنسجم مع القدرة الشرائية للمواطنين/ات.

بدوره، يؤكد علبي أن التعافي الاقتصادي ليس مسؤولية جهة واحدة، بل عملية متعددة الأطراف تبدأ من السلطة عبر خلق الحد الأدنى من البيئة المؤسسية التي تسمح للاقتصاد “بالتنفس”. ويشير إلى أن الأولوية لا تكمن في إطلاق مشاريع ضخمة، بل في إعادة تأسيس قواعد اللعبة الاقتصادية عبر توحيد السلطة المالية، وتحديث القوانين، وإزالة التعقيدات البيروقراطية، وضبط الأسواق على أساس المنافسة ومنع الاحتكار.

كما يدعو إلى إطلاق برنامج وطني للإنتاج الزراعي والصناعي، وإصلاح النظام المصرفي، ووضع حد للقنوات غير الرسمية، إضافة إلى صياغة سياسة واضحة لجذب رؤوس الأموال، مدعومة بإصلاحات قضائية واستقرار تشريعي.

وفي هذا السياق، يبرز دور المغتربين/ات والمستثمرين/ات السوريين/ات في الخارج، الذين يصفهم محمد بأنهم رأس المال المالي والمهني الأهم اليوم، مشددًا على أن مساهمتهم/نّ يجب ألا تقتصر على التحويلات الاستهلاكية، بل أن تتجه نحو مشاريع ذات أثر طويل الأمد، خاصة في القطاعات الإنتاجية والبنى التحتية الخفيفة، شريطة أن تضمن الدولة حمايتهم/نّ من شبكات النفوذ وتوفر لهم/نّ بيئة قانونية واضحة وعادلة.

يختم علبي بالتأكيد على أن التعافي الاقتصادي في سوريا لن يتحقق عبر قفزات سريعة أو عبر أفراد، بل من خلال بناء مؤسسات قادرة على إدارة الاقتصاد بشفافية وتنافسية، قائلًا:

“ما نحتاجه اليوم ليس فقط مشاريع، بل بداية لعصر اقتصادي جديد، يخرج بسوريا من إدارة الأزمة إلى مسار التعافي الحقيقي.”