هل العودة آمنة؟ اللجوء السوري على محك القانون الأوروبي

“كنت أعلم أن طريق الوصول سيكون صعباً، لكنني لم أكن مستعداً لما بعد الوصول”، بهذه الكلمات يختصر أحمد تجربته في اللجوء إلى إحدى الدول الأوروبية، بعد رحلة استغرقت أكثر من عامين بحثاً عن الأمان والاستقرار له ولعائلته. وصل مطلع عام 2025، ليكتشف أن نهاية الرحلة ليست بالضرورة بداية حياة جديدة، بل بداية انتظار طويل في ظل تغيّر سياسات اللجوء الأوروبية تجاه السوريين/ات، عقب سقوط النظام السوري السابق.

حتى اليوم، لا يزال أحمد يعيش في أحد مخيمات اللجوء، مثل آلاف السوريين/ات الذين علقوا في منطقة رمادية بين الخوف من الترحيل والعجز عن بناء مستقبل واضح. يقول:

“أخشى العودة إلى سوريا، كما أخشى أن أُرحَّل قسراً. من الصعب أن أبدأ من الصفر، خاصة أنني استدنت كامل تكاليف الهجرة، نحو 25 ألف دولار أميركي (ما يقارب 281 مليون ليرة سورية). كنت أظن أنني سأعمل فور وصولي وأسدد الدين، لكنني اليوم أعيش تحت رحمة قرارات لا أعرف كيف ستنتهي.”

لماذا تغيّرت سياسات اللجوء؟

يربط الباحث في القانون الدولي خالد جبر هذا التحوّل بجملة عوامل سياسية وقانونية داخل الاتحاد الأوروبي، أبرزها تصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية والشعبوية، التي جعلت من ملف اللجوء ورقة انتخابية، وربطته بقضايا الأمن والهوية والاقتصاد.

إلى جانب ذلك، يشير جبر إلى ما يصفه بـ”الإرهاق المؤسسي” لأنظمة اللجوء، إذ تعتبر بعض الدول أن قدراتها على الاستقبال والاندماج بلغت حدودها القصوى، خاصة بعد أزمات متلاحقة، مثل جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، وأزمة التضخم.

ويضيف:

“تلجأ بعض الحكومات إلى إعادة توصيف انتقائي للوضع في سوريا، معتبرة أن مناطق معينة أصبحت أكثر استقراراً نسبياً، من دون الاستناد إلى تقييم شامل للمخاطر الأمنية والقانونية. كما يُستخدم الترحيل أحياناً كأداة ردع غير معلنة، بهدف تقليص أعداد طالبي اللجوء مستقبلاً، عبر إيصال رسالة مفادها أن الحماية ليست دائمة.”

أرقام تعكس واقعاً قاسياً

في ألمانيا، مُنح اللجوء السياسي في طلب واحد فقط من أصل 3,134 طلباً جرى البتّ فيها خلال تشرين الأول/أكتوبر 2025. كما حصل عشرة سوريين/ات فقط على صفة اللجوء، وتسعة آخرون/أخريات على الحماية الثانوية، وفق تقارير إعلامية.

وتشير البيانات نفسها إلى أن نسبة رفض طلبات لجوء السوريين/ات خلال الأشهر الماضية تجاوزت 99%. وكان البتّ بهذه الطلبات قد عُلّق مؤقتاً منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، ما أدى إلى تكدّس أكثر من 52 ألف طلب غير معالج حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2025.

حياة مؤجَّلة بعد الوصول

لا تختلف مخاوف أحمد كثيراً عن مخاوف آلاف السوريين/ات الآخرين. يصف الناشط الحقوقي بسام الأحمد هذه المخاوف بأنها “مشروعة ومحقة”، موضحاً أن بعض الفئات تواجه مخاطر أكبر في حال العودة، مثل الدروز، والعلويين، والكرد، والمسيحيين، والمرشديين، والنساء، والمثليين/ات، والسنة الليبراليين، إضافة إلى الناشطين/ات.

روجدا (اسم مستعار – 31 عاماً) واحدة من هؤلاء. شأنها شأن كثير من الشباب/الشابات السوريين/ات، بحثاً عن واقع أفضل بعد فقدان الأمل في الحصول على فرص تعليمية ومهنية تتناسب مع طموحها. وصلت إلى ألمانيا قبل أكثر من عام ونصف، بعد رحلة شاقة استمرت نحو عامين. تقول:

“طوال حياتي كنت أدرس وأعمل، ولم أتخيل أن ينتهي بي الأمر في السجن خلال محاولة الوصول إلى أوروبا بطريقة غير شرعية. كنت أواسي نفسي بأنني أبحث عن مستقبل أفضل، لكن بعد كل هذا الوقت، لا يزال مصيري مجهولاً، ولم أحصل على الإقامة حتى الآن.”

ويصف أحمد أثر الانتظار الطويل قائلاً: “في وضع كهذا، لا يستطيع الإنسان أن يكون منتجاً، ولا حتى أن يشعر بشيء، حتى أبسط الأمور، مثل تعلم لغة البلد الذي أعيش فيه، باتت عبئاً عليّ. تراودني دائماً فكرة أنني قد أُرحَّل، ولن أكون بحاجة إلى هذه اللغة في حياتي.”

وبعد كل ما عاشته روجدا من قلق وخوف ومخاطر خلال رحلة اللجوء، لم تتمكن من تحقيق الاستقرار الذي كانت تتوقعه فور وصولها. فالتغيرات السياسية في سوريا، وما رافقها من انعكاسات على سياسات الهجرة واللجوء في أوروبا، زادت من حدة مخاوفها وعمّقت شعورها بعدم اليقين.

تقول روجدا: “أعيش اليوم في حالة انتظار مفتوحة، ولا أعلم إن كانت نهايتها ستكون إيجابية أم سلبية. الحالة النفسية الصعبة التي أمرّ بها، نتيجة الابتعاد عن العائلة والأصدقاء والطقوس التي نشأت عليها، دفعتني مراراً إلى التساؤل: هل كان الوصول يستحق كل هذا؟ لكن كلما فكرت في الوضع العام والطائفية المنتشرة في بلدي، أخشى العودة، خاصة أنني قضيت سنوات طويلة من عمري في الحرب، ولا أرغب في تكرار هذه التجربة المؤلمة.”

وتأتي تجربة روجدا في سياق أوسع تعكسه أرقام اللجوء في أوروبا. فبحسب المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، تصدّرت إسبانيا قائمة الدول الأكثر استقبالاً لطلبات اللجوء في النصف الأول من عام 2025، بأكثر من 76,020 طلباً، تلتها فرنسا بنحو 75,428 طلباً، ثم ألمانيا بـ 65,495 طلباً. كما استقبلت إيطاليا 62,534 طلباً، واليونان 27,718 طلباً، فيما تلقت بلجيكا ما يزيد قليلاً على 17 ألف طلب.

في المقابل، سجّلت المجر، التي تتبنى سياسة هجرة صارمة في عهد رئيس الوزراء فيكتور أوربان، 47 طلب لجوء فقط، بينما تلقت سلوفاكيا 84 طلباً، وليتوانيا 152 طلباً. ويشير التقرير ذاته إلى أن نحو 22% من طالبي/ات اللجوء في ألمانيا هم/نّ من المواطنين/ات الأفغان/يات، في حين شكّل السوريون/ات قرابة 20% من إجمالي المتقدمين/ات.

هل العودة إلى سوريا آمنة فعلاً؟

بحسب خالد جبر، فإن غياب الحماية القانونية، والاعتقالات التعسفية، والملاحقات الأمنية، والتجنيد القسري، والانتهاكات الانتقامية، إضافة إلى انعدام شروط العيش الكريم، تجعل العودة إلى سوريا غير آمنة لغالبية السوريين/ات.

ويؤكد أن القانون الأوروبي يقيّد ترحيل السوريين/ات استناداً إلى مبدأ عدم الإعادة القسرية، المنصوص عليه في اتفاقية جنيف لعام 1951، والميثاق الأوروبي للحقوق الأساسية، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. كما شددت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مراراً على أن سوريا لا تزال بلداً غير آمن للعودة.، وأن الترحيل إليها قد يشكل انتهاكاً للمادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

ويضيف: “يحظر القانون إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الاضطهاد. كما لا يسمح بالترحيل الجماعي، بل يفرض دراسة كل حالة بشكل فردي، مع إتاحة حق الطعن القضائي. أي إجراء خارج هذه الضوابط يُعد خرقاً للقانون الأوروبي نفسه.”

وتشكّل القيود المفروضة على حرية التنقّل، واقتصارها على منطقة الإقامة فقط بالنسبة لمن لا يحملون/نّ حق الإقامة القانونية، مثل روجدا، عائقاً كبيراً أمام تحقيق أي استقرار أو تطلعات مستقبلية. فهذه الحالة من العجز ترافقها منذ وصولها، من دون أفق واضح لما هو قادم، كما تصف هي نفسها. وتقول:

“جلّ ما أتمناه أن تكون القرارات منصفة، وأن تُدرَس كل حالة على حدة، وفق حجم المخاطر التي قد يواجهها اللاجئ في حال ترحيله.”

ويؤكد هذا الطرح الناشط الحقوقي بسام الأحمد، مشيراً إلى أن الترحيل لن يكون شاملاً أو جماعياً، بل سيُبتّ في طلبات اللجوء عبر دراسة ملف كل طالب/ة لجوء بشكل فردي، وتقييم المخاطر الخاصة بكل حالة. ويوضح:

“بعض طالبي اللجوء كانوا قد تقدموا بطلباتهم هرباً من نظام بشار الأسد، إلا أن قسماً منهم عاد طوعاً بعد سقوط النظام، لعدم وجود مشكلات حقيقية لديهم مع الحكومة الحالية. غير أن الوضع يختلف جذرياً بالنسبة لطالبي اللجوء الناشطين/ات، أو المنتمين/ات إلى أقليات كالدروز والعلويين وغيرهم، إذ تبقى المخاطر المحتملة عند العودة مرتفعة، في ظل حكومة لا تتقبل الأقليات، وتغذّي خطاب التحريض ضدهم.”

ويشدّد بسام في هذا السياق على أن أي عودة يجب أن تكون آمنة، وكريمة، وطوعية.

ماذا يمكن فعله؟

يرى جبر أن مواجهة هذه السياسات تتطلب عملاً متوازياً على عدة مسارات:

سياسياً وإعلامياً: عبر الضغط على البرلمانات الوطنية والأوروبية، وكشف التناقض بين الخطاب الحقوقي الأوروبي والممارسات الفعلية، ونقل أصوات السوريين/ات المتضررين إلى الإعلام الأوروبي.

قانونياً: من خلال الطعن بقرارات الترحيل أمام المحاكم الوطنية، واللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، واستخدام تقارير الأمم المتحدة كأدلة قانونية.

حقوقياً ومجتمعياً: عبر توثيق الحالات الفردية، وبناء تحالفات مع منظمات المجتمع المدني الأوروبية، وتنظيم الجاليات السورية بشكل قانوني لتقديم رواية إنسانية بديلة للخطاب الشعبوي.

“قد أكون اليوم مواطناً من الدرجة الثانية، لكنني على الأقل أشعر بالأمان”، يقول أحمد، قبل أن يضيف:

“لا أتمنى أن أعود إلى سوريا لأعيش مجدداً حالة الخوف وعدم الأمان.”