في غرفة ضيوف هادئة، تتوسط الجدار صورة لشابين بملامح يافعة، تحيط بها شهادات جامعية كأنها تحاول حماية الذاكرة من غبار السنين. التلفاز يعرض نشرة أخبار عابرة، فيما يجلس خليل مصطفى، رجل سبعيني بصوت ثابت وابتسامة مُتعبة، يستعيد الحديث عن السياسة، وعن تعقيدات الحركة الكردية في سوريا.
بعد أكثر من ساعة، ينكسر هدوء المكان، ويعود السؤال إلى الجرح الأعمق في حياته: حادثة “الشاحنة النمساوية”؛ المأساة التي مرّ عليها عقد كامل، ولا تزال ثقيلة في ذاكرة أهالي 71 ضحية من سوريا ودول أخرى، قضوا داخل شاحنة مبرّدة في النمسا، في حادثة أعلنت السلطات حينها أن سبب الوفاة هو الاختناق داخل الشاحنة.
خليل فقد اثنين من أبنائه في تلك الشاحنة. ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقف عن المطالبة بالحقيقة والعدالة، رافضاً الرواية الرسمية، ومؤكداً، مع أهالي الضحايا، أن ما جرى جريمة قتل متعمّدة. يستند في ذلك إلى ملف كامل، يضم صوراً، وشهادات، وتفاصيل يراها كافية لدحض الرواية التي قدّمتها وسائل الإعلام والحكومة النمساوية، والتي أرجعت الوفاة إلى الاختناق بسبب نقص الأوكسجين.
يقول خليل: “كان الضحايا من مناطق مختلفة: سبعة من الحسكة، سبعة من دير الزور، تسعة من تلعفر والموصل، وثمانية عشر من إقليم كردستان. تواصلتُ مع معظم أهاليهم، ووصلتنا صور وتسجيلات أخيرة. ومن خلالها، توصّلنا إلى قناعة راسخة: القتل تمّ على دفعات، وبعض الجثث أُفرغت من أعضائها. ابني وصديقهما كانا ضمن الدفعة الأخيرة.”
صورة واحدة… وأسئلة بلا إجابات
“تم التقاط صورة واحدة فقط للشاحنة بعد اكتشافها، وكان بابها مفتوحاً. في تلك الصورة، رأيتُ ابني، وكانت هناك كميات كبيرة من الدماء على الأرض تحت الشاحنة.” يقول خليل، ويضيف أن الحكومة النمساوية منعت الاقتراب من الشاحنة، ولم تسمح لوسائل الإعلام بالوصول إلى المستشفى، فيما بقي الحادث مخفياً لأكثر من عشرين يوماً، مع إنكار وجود الضحايا لديها.
يتساءل بأسى: “إذا كان الضحايا قد قضوا اختناقاً بسبب نقص الأوكسجين، كما قيل، فكيف يمكن تفسير وجود كميات كبيرة من الدماء داخل الشاحنة وتحتها؟” ويؤكد أن العائلات باتت على قناعة تامة بأن أبناءهم قُتلوا، مستندين إلى ما وُصف من تعرض الجثث لكسور في مختلف أنحاء الجسم، إضافةً إلى إفراغها من أعضائها.
ويضيف أن هواتف الضحايا صودرت بذريعة تعطلها، رغم أن الجهات نفسها استخدمت أحد هذه الهواتف للتواصل مع صديق أحد أبنائه، لإبلاغه بوجود الجثة. وعندما حضر الأهالي لإجراء فحوصات الـDNA، مُنعوا من رؤية الجثامين، وطُلب منهم دفع ستة آلاف يورو مقابل تسليم كل جثمان.
لاحقاً، تدخلت حكومة إقليم كردستان لنقل الجثامين، قبل تسليمها إلى ذويهم.
روايات متناقضة… وملف مغلق
يتحدث خليل عن تواصل صحفي ألماني من أصول عراقية معه، أخبره بنيّة تقديم المساعدة عبر محامٍ تطوّع للقضية، مدّعياً امتلاك معلومات عن تسجيلات مكالمات بين سائق الشاحنة والمشرف على العملية.
“قال إن السائق سأل إن كان عليه فتح الباب بعدما بدأ الضحايا بضربه، فجاءه الرد بعدم الفتح، وأن يرمي الجثث في أقرب غابة إن ماتوا.”
لكن خليل لم يقتنع بهذه الرواية، واعتبرها محاولة لتشتيت الأهالي. ويأسف لأن الصحفي نفسه نال لاحقاً جائزة عن تحقيق تضمّن، بحسب وصفه، معلومات مضللة عن الحادثة.
“شكّلنا وفداً من أطباء ومحامين ومثقفين، وراجعنا جهات سياسية مختلفة، لكننا لم نحصل على دعم حقيقي. هذه القضية أكبر من جهود فردية، وتحتاج دولة تتبناها بجدية.”
رحلة علم انتهت بالموت
يوضح خليل أن الضحايا توزعوا خلال رحلتهم بين تركيا واليونان وهنغاريا، قبل أن يُجمعوا مجدداً بهدف نقلهم إلى أوروبا. ويؤكد أن معظمهم قُتل قبل الوصول إلى النمسا، باستثناء المجموعة الأخيرة التي كان من بينها ابناه، والتي قُضي عليها في المرحلة الأخيرة من الرحلة.
في آخر تواصل، أخبره ابنه أنه اتفق مع مهرّب كردي عراقي في بلغراد على إيصالهم إلى ألمانيا، مع عرض بالنزول في النمسا مقابل مبلغ أقل، مبرراً ذلك بوجود من سينقلهم منها إلى ألمانيا، وفي فجر 26/08/2015، استقل أبناء خليل والمهرب سيارة تكسي وغادروا بلغراد نحو النمسا، حيث قُتلوا في مكان النزول، ثم أُدخلت جثثهم إلى الشاحنة التي عثر عليها متوقفة على الطريق العام بحدود العاشرة صباحاً يوم 26/08، وبداخلها جثث تعود لـ 71 مهاجراً/ة.
كان حسين في الثانية والثلاثين من عمره، وقد أنهى دراسة الماجستير في الآثار، ويحلم بالدكتوراه في أوروبا. أما رامان، فكان طالب حاسوب في العشرين من عمره. وافق حسين على مرافقة شقيقه الأصغر بعد إلحاحه، ولم يكونا يعلمان أن الرحلة ستكون الأخيرة.
عدالة مؤجلة
اليوم، لا يرى خليل أملاً قريباً بتحقيق العدالة ويقول إن كل محاولاتهم باءت بالفشل حتى في عهد النظام السابق، لكنه لا يستبعد إعادة فتح القضية مستقبلاً. ويشير إلى أن الشاحنة تعود لوزير الصحة التشيكي، الذي باعها دون إزالة شعار الشركة. وتتمثل وظيفة هذه الشركة في نقل الفروج بين الدول الأوروبية عبر البوابات الرئيسية، مستفيدةً من العبور دون تفتيش دقيق بعد إبراز الأوراق الرسمية. ويؤكد أن هذه الشاحنة عبرت بوابات رسمية عدة، وكانت تحمل في داخلها عشرات الجثث.
وعن الأثر الإنساني للفاجعة، يقول خليل إنه، بعد فقدانه لابنيه، بدأ بالتواصل مع عائلات الضحايا الآخرين، وإن حديثهم عن أبنائهم خفف عنه بعضاً من وطأة المصاب. ويذكر أن من بين الضحايا ثلاثة أشخاص من عائلة واحدة في العراق، وأربعة من عائلة واحدة في دير الزور.
ويروي أن أحد أهالي الضحايا أخبره بأن خبير التشريح وعد بكشف السبب الحقيقي للوفاة، لكنه عاد لاحقًا ليطابق تقريره مع الرواية الرسمية، مبررًا ذلك بأنه مجرد موظف، وأن مسؤولي المستشفى أمروه بتدوين التقرير وفق رواية السلطات النمساوية.
“منحني الله قوة كبيرة في هذه الفاجعة، أما والدتهما، فقد توفيت بعد الحادثة بسنوات. كانت عائلتي تستمد قوتها من صبري، وأنا أعتبر أولادي شهداء؛ فقد خرجوا من أجل إكمال دراستهم، وقُتلوا غدراً وبطريقة وحشية لا توصف.”
ويختم بالقول إنه لا يزال على تواصل مع بعض العائلات، في حين يواصل آخرون مقاومتهم بطريقتهم الخاصة، أما هو، فيحرص كل عام على التوجه إلى مقر الأمم المتحدة، لتجديد المطالبة بالعدالة، وعدم السماح بنسيان هذه القضية.5
