«نمشي إلى المجهول»… عائلة من عفرين تروي فصول تهجيرها الرابع

حول مدفأةٍ صغيرة، في منزلٍ حديث البناء وسط مدينة قامشلي، تجتمع عائلة من عفرين بعد أن عاشت تجربة التهجير القسري للمرة الرابعة منذ اندلاع الحرب في سوريا. سيدة في العشرينات تعدّ القهوة بملامح يطغى عليها الذهول والصدمة، امرأة ستينية تحتضن أطفالًا التفّوا حولها، ورجلان في الثلاثين من عمرهما يراقبان المشهد بصمتٍ ثقيل.

اختارت العائلة عدم الكشف عن هويتها أثناء حديثها عن تجارب التهجير المتكررة التي عاشتها، وكان آخرها خروج السيدة مع أطفالها الثلاثة من حي الأشرفية في مدينة حلب، ووصولها إلى مدينة قامشلي، حيث كانت عائلة زوجها في استقبالها، عقب الهجوم الذي شنّته قوات الحكومة السورية المؤقتة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود.

أربعة تهجيرات… وحكاية لا تنتهي

تعود حكاية العائلة إلى بدايات الحرب السورية، حين كانت تقيم في حي الأشرفية بمدينة حلب، ومع تصاعد القصف من قبل قوات النظام السابق، اضطرت للنزوح إلى عفرين، بدايةً إلى ريفها ثم إلى مركز المدينة، ولم تمضِ سنوات حتى بدأت عملية “غصن الزيتون” في العام 2018، التي أسفرت عن سيطرة الفصائل السورية الموالية لتركيا على مدينة عفرين، لتبدأ رحلة تهجير جديدة نحو منطقة الشهباء في ريف حلب.

في الشهباء، استقرت العائلة سبع سنوات، قبل أن تُجبر على النزوح للمرة الثالثة إلى مناطق شمال شرقي سوريا، بعد فترة وجيزة من سقوط النظام السوري السابق، وبعد رحلةٍ شاقة، استقرت أخيراً في مدينة قامشلي. أما زوجة الابن، فقد اختارت العودة إلى حي الأشرفية في حلب بغرض علاج ابنتها المصابة بشلل دائم، والتي كانت تخضع لجلسات علاج فيزيائي، وبقيت وحدها تعيل أطفالها الثلاثة بعد وفاة زوجها قبل عامين.

“فقدنا القدرة على التفكير”

تروي السيدة تفاصيل لحظات الخروج الأخيرة، وتقول: “انعدمت الخدمات بشكل كامل، وشعرت أنني فقدت القدرة على التفكير. كنت أرى أطفالي يبكون طوال الوقت. أستغرب ممن يقولون إن الأطفال لا يشعرون بما يحدث حولهم؛ أطفالي فقدوا شهيتهم للطعام. اتخذت قرار الخروج بعد سقوط عدد كبير من القذائف على الحي، وشعرت أن لا قيمة للحياة ونحن مهجّرون… الناس فقدوا الروح والأملاك.”

تقاطعها والدة زوجها، وتضيف: “طفلتها الصغيرة تبلغ خمس سنوات، يوم أمس، سمعت أصوات ألعاب نارية قريبة، ركضت إليّ وهي تبكي وقالت: جدتي، هل سيهجمون علينا هنا أيضاً؟”

مشاهد لا تغادر الذاكرة

تصف السيدة مشهداً لا يفارق ذاكرتها: شوارع مكتظة بالناس، حقائب صغيرة على ظهورهم، يشدّون على أيدي أطفالهم/نّ بقوة، بحثاً عن طريقٍ يبعدهم/نّ عن الموت، تقول إنها لم تتمكن من حمل أي شيء معها سوى أطفالها، وكان خروجها أكثر صعوبة بسبب ابنتها ذات الإعاقة، التي لم تتمكن من إخراجها إلا بمساعدة الجيران.

وتستعيد المرأة الستينية ذكريات تهجيرها من عفرين عام 2018، حين كان ابنها مكسور الساق، ورغم ذلك سارت العائلة على الأقدام وسط ظروف جوية قاسية حتى وصلت إلى ما يُعرف بـ”جبل الأحلام”، قبل أن تتابع طريقها إلى الشهباء، حيث لجأت مع عائلات أخرى داخل أحد المساجد.

ذاكرة مفتوحة على الألم

تسرد العائلة ذكرياتها وكأنها حدثت بالأمس، يقاطع أفرادها بعضهم لإضافة تفاصيل جديدة، وكأن ما جرى في الحيين أعاد فتح الذاكرة دفعةً واحدة. ترتفع الأصوات قليلاً، قبل أن تقطعها السيدة بالحديث عن الأطفال: “أطفالي يبكون طوال الوقت لأنهم تركوا ألعابهم. أطفال العائلة الآخرين ما زالوا يشاهدون صور الحيوانات التي كانوا يربّونها في الشهباء، ويسألون عنها باستمرار. طفلتي تسألني: لماذا لم أحضر لعبتي المفضلة؟ لماذا تركنا صورة والدي على جدار المنزل؟.”

يسود الصمت لدقائق، قبل أن يتحدث أحد أبناء العائلة قائلاً: “كان لدينا أمل ضئيل بالعودة إلى منازلنا يومًا ما، لكننا اليوم فقدنا حتى هذا الأمل. أكثر ما يؤلمني أن أطفالنا لا يعرفون أصولهم، ولن يتذكروا من أين هم،” يشير إلى طفلة تجلس جانبًا تتابع الهاتف، ويضيف: “اسمها عفرين، لكنها لم ترَ عفرين يومًا. نحن خسرنا كل شيء، ماديًا ووجدانيًا.”

قبور بعيدة… وألم مضاعف

تقول المرأة الستينية إنها لم تنم منذ أن بدأ الهجوم على الحيين. حتى لحظة وصول زوجة ابنها وأطفالها إلى حضنها، إلا أن حسرتها الأكبر تكمن في عجزها عن زيارة قبور ولديها؛ أحدهما دُفن في الشهباء، ثم نُقلت رفاته لاحقاً إلى عفرين، والآخر لا تعرف مكان قبره حتى اليوم، توفي الابنان خلال عامين: أحدهما نتيجة القهر بعد خسارة ممتلكاتهم وذكرياتهم في عفرين، والآخر توفي في تركيا ودُفن في عفرين بغياب عائلته.

يقول ابن العائلة، المعيل الوحيد لها: “فقدنا كل أمل. كان أملنا هو البقاء في الأشرفية والشيخ مقصود، فهما الأقرب إلى عفرين. اليوم لا نملك سوى النجاة من يومنا. نعلم أننا لن نعود، وإن عدنا فلن نجد شيئًا كما كان. الآن، كلنا نسير نحو المجهول.”

ختام بلا يقين

تختتم السيدة حديثها قائلة: “اكتفينا من الحرب والتهجير والأرق. هناك عدد هائل من الأطفال الأيتام، والنساء الأرامل، وعائلات بأكملها اختفت. بيوتنا دُمّرت، وعشنا كل أشكال الأزمات والأمراض النفسية خلال سنوات الحرب. كل أملي أن تنتهي الحرب هنا.”

تصمت، لتكمل عنها والدة زوجها: “كل المدنيين، أطفالاً ونساءً ورجالاً وشباباً، يدفعون ثمن هذه الحرب، ولا أحد يريد إيقافها. أنظر إلى أحفادي وأدرك أنهم جيل وُلد بذاكرة حرب، لم يعش حياة طبيعية، ولا يعرف معناها. هل يمكن لأحد أن يتخيل حجم الألم الذي نشعر به؟”